أي مستقبل للتيارات الإسلامية في سوريا

الأربعاء 2017/03/01
متغيرات قادمة ستعصف بالإسلاميين في المنطقة

رغم تباطؤ ظهور أي بادرة اتفاق للحل السياسي في جنيف 4، يمكن القول إن المجتمع الدولي متفق على إنهاء الإرهاب بنسخته الداعشية أولا، والقاعدية ثانيا، وإنهاء حالة القتال، وفرض حل سياسي لم يتم الانتهاء من حلِّ عُقَده. واقع التنوع الكبير في سوريا يفرض على المعنيين بصياغة الدستور الجديد ولضمان السلم الأهلي بشكل أولي، الحفاظ على شكل الدولة الحالي كحدٍّ أدنى، وهو ما تحرص عليه الدول الراعية للحل السوري.

الحالة الجهادية دخيلة على المجتمع السوري، بل فَرَضت تواجدَها مجريات الصراع، والمزاج الشعبي السوري ينبذها؛ فقبل اندلاع الثورة لم يتمكن النظام ومشائخُ مرتبطون باستخباراته من القيام بالتجنيد الجهادي للقتال على نطاق واسع، بل ظلَّت نسبته ضئيلة تكاد تقتصر على بعض المناطق الأكثر تهميشاً في ريف حلب والجزيرة السورية، ومن المعتاد أن الأسرة في سوريا كانت تنبذ أحد أفرادها إذا ما تطوع للمصلحة الجهادية.

قبل ظهور الجهادية بوضوح مطلع 2013، كان النظام يتحدث عن الجهاديين، وعن تنظيم القاعدة ممثلا بجبهة النصرة، وينسب التفجيرات التي يفتعلها، إلى تلك الجبهة، كتفجير القزاز في مايو 2012 في دمشق، إلى أن باتت جبهة النصرة تتواجد بالفعل مع الكتائب الإسلامية الأخرى، وتشاركها في تصفية كل ملمـح وطني بين الفصائل، وتصفية الثورة ذاتها بذريعة التكفير، وإقامة المحاكم الشرعية.

المزاج الشعبي في سوريا، والتنوع في الإثنيات والأعراق، سيجعلان حالة أسلمة التعليم المترافقة مع التطييف مرفوضة

اعتادت مخابرات النظام إتقان اللّعبة الجهادية من قبل، عبر مسرح سجن صيدنايا الذي أُعلِنت فيه في 2008 أول دولة إسلامية في سوريا وهي “دولة صيدنايا الإسلامية”، وتضم ضباط أمن ووزراء ومحاكم شرعية داخل السجن، إضافة إلى تجربة النظام مع الجهاديين في العراق ولبنان والأردن وغزة. وبعد فشله في إخماد الثورة في أشهرها الأولى، أصدر رئيس النظام مرسومي عفو، تم بهما الإفراج عن جهاديين مرموقين، لم يقضوا في السجن مدة طويلة، وباتوا قادةً ومؤسسين للنصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وداعش وغيرها.

فمرسوم العفو الصادر في مايو 2011 شمل زهران علوش مؤسس جيش الإسلام في الغوطة الشرقية والذي كان تنقُّلُه علنياً بين مساجد الغوطة، وكان من السهل استهدافه حين أراد الروس ذلك نهاية 2015، وكذلك حسان عبود مؤسس أحرار الشام في إدلب. علوش وعبود كانا يمثلان المرجعية الإسلامية ضمن سجن صيدنايا، إضافة إلى رفيقيهما أحمد عيسى الشيخ قائد صقور الشام، وأبي محمد الفاتح الجولاني أمير جبهة النصرة/ فتح الشام؛ هؤلاء أكملوا ما عجز النظام عنه في إنهاء الثورة الشعبية وبمساعدة وتواطؤ من دولٍ إقليمية.

كانت غاية النظام تخلي الشعب عن دعم الثورة، أولاً عبر التهجير الممنهج مع ممارسة عنف غير مسبوق في المناطق الخارجة عن سيطرته، ثم عبر زرع الجهادية الساعية إلى السيطرة الفئوية بأدوات قمعية وأيديولوجيا إسلامية، إضافة إلى استمرار تخويف الفئات التي تواليه من خطر التغيير.

وليس فقط تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام/ النصرة هما المرفوضان شعبياً، بل كذلك بقية الجيوش والفصائل الإسلامية التي يُقال عن بعضها دولياً إنها معتدلة؛ فمجمل هذه الجيوش تسعى إلى السيطرة المطلقة على أماكن تواجدها، معتمدة بشكل كلي على قدرتها على إقناع الداعمين الإقليميين، لذلك هي تخزن السلاح والعتاد، وكثيراً ما تقتتل فيما بينها على مناطق النفوذ والدعم المتوفر.

وقبل ذلك ساهمت في إنهاء ظاهرة الجيش الحر، وأنهت كل أشكال النشاط السياسي المدني في أماكن تواجدها، عبر اعتقال وطرد الناشطين المدنيين؛ ولو أنها كانت مقبولة شعبياً لما سعت إلى إقامة أدوات القمع، أي السجون والمحاكم الشرعية، وإن بذريعة الأسلمة. لذلك تخرج تظاهرات شعبية ضدها في الغوطة الشرقية وفي إدلب وغيرهما.

مخابرات النظاماعتادتإتقان اللّعبة الجهادية من قبل، عبر مسرح سجن صيدنايا الذي أُعلِنت فيه في 2008 أول دولة إسلامية في سوريا وهي “دولة صيدنايا الإسلامية”

المنتمون إلى تنظيمات الإسلام السياسي المتواجدة في الخارج، أي الإخوان المسلمون، سقطوا شعبياً بسبب دورهم السلبي ضمن كيانات المعارضة، فضلاً عن أن الفصائل العسكرية الإسلامية تنافسهم على النفوذ ضمن الأوساط المسلمة المتدينة، وهم أيضاً غير مرغوبين من قبل طبقة رجال الدين والتجار في دمشق، سواء تلك المتحالفة مع النظام أو المحايدة. لكن كل ذلك لا يمنع أن يكون للإخوان مكان لا بأس به في المجال السياسي مستقبلاً، فهم الأكثر تنظيماً وخبرة في العمل السياسي بين الكيانات المعارضة، ولولا ذلك لما استطاعوا السيطرة على المجلس الوطني ثم الائتلاف، بل وعلى كل المنابر الإعلامية المتحدثة باسم الثورة في الخارج.

وحتى وإن كان الإخوان سيُبعَدون رسمياً عن الشراكة في الحل السياسي، إلا أنهم يؤثرون على سلوك أغلب كيانات المعارضة، وهم غالباً سينشغلون بالسيطرة على قطاعي التربية والتعليم، كما يفعلون في المناطق المحررة، وفي مناطق تواجد السوريين في دول الجوار، كما في تركيا. لكن المزاج الشعبي العام في سوريا، والتنوع الكبير في الإثنيات والأعراق، وفي شكل التدين الإسلامي السني نفسه بين المناطق، سيجعلان حالة أسلمة التعليم، المترافقة مع التطييف، مرفوضة، وقد تكون سيطرتهم في هذا المجال فئوية ومناطقية.

لا نتوقع تغييراً كبيراً في شكل الدولة وحالة الأسلمة، وربما سيبقى الحال على ما هو عليه، والمتفق عليه الآن هو طرد الجهادية الداعشية والقاعدية من سوريا والعراق أيضاً، وسيلحق بهم المتشددون من الكتائب الأخرى، وستجد الكتائب الإسلامية نفسها مضطرة للقبول بواقع الحال، لكنها ستتابع معاركها الفردية للسيطرة ضمن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. وستبقى التغييرات الأكبر، كحل تلك الفصائل، أو ظهور بدائل عنها أكثر وطنية وتحظى بدعم شعبي، رهينة عودة الدور الشعبي، الذي ينتظر لحظة انتهاء الحرب ليلتقط أنفاسه، ويعود إلى الساحات الفعالة بزخم أكبر، وبخبرة ست سنوات من التعاطي مع حكم الإسلاميين ودورهم في تخريب الثورة.

13