أي وساطة سياسية للجزائر في أزمة سد النهضة

علاقات الشراكة مع أديس أبابا قد تؤهل الجزائر للعب دور في الملف.
السبت 2021/07/31
زيارة استكشافية

تشكك دوائر مصرية في قدرة الدبلوماسية الجزائرية على لعب دور الوساطة في ملف الأزمة مع إثيوبيا التي لم تتجاوب مع طروحات وساطة مختلفة قدمتها القاهرة والخرطوم، وذلك في الوقت الذي تبحث فيه الجزائر عن دور إقليمي يتناسب مع طموحاتها الخارجية المعتمدة بشكل أساسي على علاقات وزير خارجيتها المتشعبة مع العديد من الدول الأفريقية.

القاهرة - ثمنت وسائل إعلام جزائرية الوساطة التي من المنتظر أن يقوم بها وزير خارجية الجزائر رمطان لعمامرة في أزمة سد النهضة الإثيوبي على إثر الزيارة التي قام بها إلى أديس أبابا يومي الأربعاء والخميس والتقى فيها بكبار المسؤولين هناك، وأنه سيقوم بإجراء محادثات مع مسؤولين في كل من مصر والسودان بهذا الشأن.

وأكدت مصادر مصرية لـ”العرب” أن سامح شكري وزير الخارجية سيستقبل لعمامرة في القاهرة السبت لإجراء محادثات مشتركة في القضايا التي تهم البلدين وسيعقدان مؤتمر صحافيا في ختامها، مشيرة إلى أن أزمة سد النهضة ستكون ضمن الملفات التي سيتم بحثها.

وبدأ الوزير الجزائري زيارة إلى السودان تدوم يومين حسب ما أعلن الجمعة على حسابه في تويتر، والذي أكد أنه يتطلع إلى جلسة العمل التي ستجمعه مع نظيرته السودانية مريم الصادق المهدي، لكنه لم يشر إلى نوعية الملفات التي سيبحثها.

هبة البشبيشي: الجزائر يمكنها نقل وجهة النظر المصرية والسودانية إلى إثيوبيا

ودعت أديس أبابا الجزائر للتوسط في أزمة سد النهضة مع كل من القاهرة والخرطوم، إلى جانب قضية الحدود مع السودان، خلال زيارة رمطان لعمامرة إلى إثيوبيا.

وقال وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين خلال لقائه بنظيره الجزائري في أديس أبابا إن بلاده تتطلع إلى قيام الجزائر بلعب دور بناء في “تصحيح التصورات الخاطئة” للجامعة العربية حول سد النهضة وتوضيح نواياها في الاستخدام العادل والمنصف لمياه النيل.

ولم تعلق القاهرة أو الخرطوم رسميا على فكرة الوساطة الجزائرية حتى مساء الجمعة، بما يوحي بانتظار المزيد من المعلومات خوفا من أن تتخذ أديس أبابا من الوساطة طوق نجاة سياسي يساعدها على تمديد أجل المفاوضات لفترة طويلة وإدخالها في مربع جديد.

وقالت أستاذة العلوم السياسية في معهد البحوث والدراسات الأفريقية بالقاهرة هبة البشبيشي إن الجزائر يمكنها أن تنقل وجهة النظر المصرية والسودانية بموضوعية إلى إثيوبيا، خاصة أن تدخلها يأتي بناء على رغبة أديس أبابا، بما يشي بأن هناك فرصة مواتية لحلحلة ملف السد.

وأضافت في تصريح لـ”العرب” أن الدور الجزائري قد تقف حدوده عند توصيل رسائل طمأنة بين الدول الثلاث، ما يؤدي في النهاية إلى تهدئة مخاوف دولتي المصب من جهة مستقبل تشغيل السد وإدارته، وإقناع إثيوبيا بأن التوصل إلى اتفاق مُلزم لا يعني المساس بسيادتها الإقليمية.

وتشككت دوائر مصرية في قدرة الجزائر على القيام بوساطة منتجة في ظل التشدد الإثيوبي في هذا الملف، وعدم التجاوب مع طروحات وساطة مختلفة قدمتها مصر والسودان، معتبرة أن الجزائر قد تكون تبحث عن دور إقليمي يتناسب مع طموحاتها الخارجية معتمدة على علاقات لعمامرة المتشعبة مع العديد من الدول الأفريقية.

وقللت الدوائر ذاتها من تأثير الجزائر في أزمة سد النهضة لأنها في عهدة الاتحاد الأفريقي، ورفضت إثيوبيا القبول بأيّ مقترحات بديلة سواء إقليمية أو دولية، ووجدت في موقف مجلس الأمن من الأزمة دعما في حصر الوساطة في الاتحاد الأفريقي دون سواه.

وقامت الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب بوساطة في أزمة سد النهضة بالتعاون مع البنك الدولي وتوصلت إلى وثيقة العام الماضي رفضت إثيوبيا قبولها والتوقيع عليها، ما يضاعف من صعوبة أيّ وساطة خارج مظلة الاتحاد الأفريقي.

وشغل رمطان لعمامرة منصب مفوض الأمن والسلم في الاتحاد الأفريقي سنوات طويلة ويتمتع الرجل بعلاقات جيدة مع أديس أبابا، ويملك خبرات جيدة في التعامل مع الأزمات العميقة التي تشكل تهديداً داهمًا للأمن والسلم في القارة وقد تكون الوساطة مرتبطة بتولي الجزائر رئاسة الاتحاد الأفريقي خلفاً لجمهورية الكونغو الديمقراطية رئيسة الدورة الحالية.

وكشفت مصادر جزائرية أن طلب الوساطة لم يتبلور في أفكار محددة حتى الآن، حيث يحتاج إلى إجراء حوارات ومناقشات مع كل من القاهرة والخرطوم قبل الشروع في تقديم رؤية قابلة للنجاح في ظل أزمة يتشابك فيها العديد الأطراف الإقليمية والدولية.

عبدالمنعم أبوإدريس: إثيوبيا قد تكون هذه المرة مضطرة لتقديم تنازلات في الملف

وألمحت المصادر نفسها لـ”العرب” إلى أن الجزائر منزعجة من موافقة الاتحاد الأفريقي، ومقره أديس أبابا، منح إسرائيل صفة مراقب في الاتحاد دون استشارة القوى الكبرى في القارة، وترى أن هذه الصفة جاءت بدفع من أديس أبابا لإكسابها قوة معنوية في قضاياها الخلافية الإقليمية.

وأوضحت أن تمدد إسرائيل في القارة شرقا وغربا وجنوبا سوف تكون له انعكاسات سلبية على الكثير من القضايا العربية، وهو ما يقلق الجزائر خلال فترة رئاستها للدورة القادمة للاتحاد الأفريقي، والتي باتت غير مرتاحة من حجم الاستهداف الإثيوبي المستمر للقاهرة.

وتعتقد الجزائر أن المدخل للحد منه يبدأ من تفكيك أزمة سد النهضة التي قد تكون الباب الواسع لتوسيع نفوذ إسرائيل لاحقا وتفضي إلى تآكل الدور المصري في المنطقة بعد شغله بتداعيات السد.

وتحدثت وسائل إعلام جزائرية عن شراكة استراتيجية وعلاقات تاريخية تربط بين الجزائر وإثيوبيا تؤهل لعمامرة للقيام بدور وساطة فاعل خلال الفترة المقبلة، متغافلة عن التعقيدات التي تحيط بأزمة سد النهضة وأهميته بالنسبة إلى الحكومة المركزية في أديس أبابا في تخفيف حدة المشكلات الداخلية كمشروع وطني تلتف حوله الشعوب الإثيوبية.

وشهدت الجزائر في ديسمبر 2000 توقيع اتفاقية سلام بين إثيوبيا وإريتريا لإنهاء الحرب التي اندلعت بينهما عام 1998، ونجحت وساطة الجزائر في وقف الحرب.

وتراهن الجزائر على الرصيد الذي تركته هذه الوساطة لدى القيادات الإثيوبية وإمكانية قبولها بأخرى في أزمة السد متجاهلة الزمان والمكان وتغير اللاعبين والحسابات السياسية والتقديرات الإقليمية بين الأزمتين.

وأشار الخبير السوداني في الشؤون الأفريقية عبدالمنعم أبوإدريس لـ”العرب” إلى إمكانية لعب الجزائر لدور سياسي على مستوى تغيير مواقف الدول الثلاث بشأن أزمة سد النهضة، قائلا “المتغير المهم هنا أن التدخل الجزائري جاء بناء على طلب إثيوبيا ما يعني أنها تبحث عن جهة معتدلة ومقبولة من الأطراف الثلاثة”.

وتساءل أبوإدريس في تصريحه لـ”العرب” عمّا سيطرحه الوسيط الجزائري لحلحلة الجمود الحالي في الأزمة، موضحًا أن إثيوبيا قد تكون هذه المرة مضطرة لتقديم تنازلات بعد أن فشلت في الحصول على التمويل اللازم لإنجاز الملء الثاني كاملا، ونجاح الجهود الدبلوماسية المصرية والسودانية في إحراجها ما أدخلها في أزمات مع الشركات المنفذة للسد والراعية له.

وجاءت هذه التطورات في الوقت الذي حذرت فيه السلطات السودانية مواطنيها من ارتفاع منسوب مياه نهر النيل في المنطقة المتاخمة للحدود مع إثيوبيا.

ودعت وزارة الري والموارد المائية السودانية في أعقاب نحو عشرة أيام على إعلان إثيوبيا الانتهاء من الملء الثاني لسد النهضة المواطنين إلى “اتخاذ التحوطات اللازمة جراء ارتفاع منسوب المياه بالنيل الأزرق (بسبب الأمطار الخريفية) عند محطة الديم على الحدود مع إثيوبيا، إلى 590 مليون متر مكعب، مقتربا من إيراد الفيضان الذي يعادل 601 ملايين متر مكعب”.

ويبدأ موسم الأمطار الخريفية في السودان من يونيو ويستمر حتى أكتوبر وتهطل عادة أمطار قوية في هذه الفترة، وتواجه البلاد فيها سنويا فيضانات وسيولا واسعة.

والجمعة الماضية أعلنت السلطات السودانية حالة الطوارئ في منطقة سد “مروي” شمالي البلاد، تحسبا لحدوث فيضان، عقب وصول كميات كبيرة فوق المتوقعة من المياه لبحيرة السد.

وفي الثامن عشر من يوليو الجاري، أعلنت وزارة الري والموارد المائية السودانية زيادة متوقعة في وارد مياه النيل الأزرق نتيجة الأمطار الغزيرة في الهضبة الإثيوبية، ودعت مواطنيها القاطنين على جانبي النهر إلى اتخاذ الحيطة والحذر حفاظا علي الأرواح والممتلكات.

 
7