أي وساطة يقوم بها السودان بين مصر وإثيوبيا

تذبذب المواقف يكشف تأرجح الخرطوم بين البعدين الأفريقي والعربي.
الأربعاء 2020/04/01
خطوة في الاتجاه الصحيح إلى أن تتضح النية

لقيت المبادرة السودانية للوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن أزمة سد النهضة العالقة ترحيبا مرده ما فهم من أنها خطوة تعيد ترتيب مواقف الخرطوم وعودتها لسياسة الحياد في التعامل مع الطرفين، لكن إرجاء هذه الوساطة إلى ما بعد مرور عاصفة كورونا وكذلك التعامل الباهت من الجانب المصري مع هذه الخطوة يجعلان من اقتراح الخرطوم في موضع شك كونه جاء في الوقت الضائع وفق تصورات القاهرة.

القاهرة - قوبل حديث رئيس الحكومة السودانية عبدالله حمدوك، بشأن عزمه القيام بوساطة بين مصر وإثيوبيا، بارتياح كبير في أديس أبابا، حيث منح الحكومة المزيد من استهلاك الوقت، لأن الرجل ألمح إلى أن دوره يبدأ بعد انتهاء عاصفة كورونا.

 وبما أن هذه الجائحة لا يزال توقيت تجاوزها مجهولا عالميا سيتم تعظيم الاستفادة من الجنرال “وقت” كي تتمكن إثيوبيا من الوفاء بالبدء في عملية ملء سد النهضة في يوليو المقبل.

وجاءت الإشارة للوساطة السودانية في سياق مكالمة هاتفية أجراها حمدوك مع ستيف منوشين وزير الخزانة الأميركية، الاثنين، ثمّن فيها الدور الذي لعبته واشنطن الفترة الماضية، بمعنى أن الدور المتوقع للخرطوم قد ينطلق في كثير من قسماته من هذه المحطة وليس بعيدا عنها، وأنه لن يتم طي صفحة الدور الأميركي تماما، لأن واشنطن والبنك الدولي يملكان مقاربة فنية يصعب تجاهلها تتمسك بها مصر، ولم يرفضها السودان، وتتحفظ إثيوبيا على بعض مكوناتها، ما يساعد الخرطوم على تقريب الرؤى أكثر، فالأصل الوصول إلى اتفاق بين الدول الثلاث.

مع ذلك لم يظهر في القاهرة الترحيب الظاهر بوساطة حمدوك، ليس لأنها مرفوضة أو أن هناك تحفظات حولها، بل لأنها جاءت كما تقول دوائر مصرية في الوقت الضائع، وتحمل التفافا على ما تم إنجازه، فرئيس الحكومة وعد بزيارة القاهرة وأديس أبابا دون تحديد وقت لذلك.

وردد قبله الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس مجلس السيادة حديث الوساطة خلال زيارة قام بها للقاهرة منذ حوالي أسبوعين، ولم تظهر لها بصمات واضحة، ووضع حميدتي الملف في عهدة حمدوك، في إشارة تنطوي على رغبة في رمي كرة اللهب في ملعبه.

لم يظهر في القاهرة ترحيب بوساطة السودان ليس لأنها مرفوضة بل لأنها جاءت في الوقت الضائع

وتريد المؤسسة العسكرية في السودان النأي بنفسها عن القضايا الشائكة التي لها امتدادات متشابكة مع الداخل والخارج، وتعكس أزمة سد النهضة هذه المسألة بجلاء، فهي فنية وسياسية ويجب أن تكون في كنف الحكومة المدنية، وتجذب انتباه قطاعات شعبية عدة في الدول الثلاث، ويساعد تحقيق اختراق فيها حمدوك على تأكيد حكمته وحنكته، ما يصب أيضا في صالح مجلس السيادة الذي أوكل إليها المهمة، ويؤدي الفشل إلى التأثير على سمعة الحكومة وحدها، وتبقى المؤسسة العسكرية في السودان بعيدة عن الرذاذ الذي قد تنثره حولها.

وتجد السلطة الانتقالية في السودان نفسها حائرة بين مصر وإثيوبيا، وهي حيرة تكشف عمق المأزق الذي تعيشه الخرطوم في التوجهات بين الشمال والجنوب، أو بين الدائرتين العربية والأفريقية، ففريق يشدها إلى هذا والآخر يجذبها إلى ذاك، وهي معضلة تواجهها الحكومة لتحديد البوصلة الصائبة في السياسة الخارجية، وفرضت عليها التعاطي مع مجموعة من التناقضات، ولا تعرف المدى الزمني للتعافي منها.

ولا توجد مشكلة لدى القاهرة في الجهة السودانية التي تقوم بهذا الدور، لأن المشكلة الحقيقية في الخرطوم ذاتها كطرف أصيل في الأزمة، يريد عدم الخوض في عمق الأزمة إلا من باب الوساطة، وهو الأمر الذي يلغي دوره كشريك أساسي، كان منحازا إلى جانب إثيوبيا، خلال فترة حكم الرئيس عمر البشير، ثم حدثت ارتباكات في هياكل الحكم جعلت الخرطوم تحتفظ لنفسها بمسافة في الملف، لا تنحاز لأي من مصر أو إثيوبيا، وكأن الأزمة لا تعنيها.

وبدأت الخرطوم تتخلى عن صمتها وتعود مرة أخرى إلى الانحياز نحو إثيوبيا، حيث أكدت حصيلة الجولات التي عقدت في واشنطن وعواصم الدول الثلاث هذه النتيجة، وتجاهلت الأصوات التي ارتفعت محذرة من كوارث يمكن أن يتسبب فيها السد بالنسبة للسودان، لكن الأصوات المقابلة بدت أكثر وأقوى، ووجدت أصداء في أروقة الحكومة.

ولم تعبأ الحسابات السياسية بما قاله دياب حسين دياب، عضو لجنة الخبراء الدوليين لتقييم سد النهضة، وهو سوداني الجنسية، عندما حذر من العواقب التي يمكن أن يمثلها السد على بلاده، وطالب في حوار نشره موقع جريدة أخبار اليوم السودانية في 29 مارس الماضي، بضرورة تلافي جميع المخاوف، لأن التداعيات كارثية.

ولن يكون دياب أول أو آخر سوداني يلفت الانتباه للجوانب السلبية لسد النهضة، لأن الحكومة تملك دراسات علمية كثيرة أشارت إلى ذلك منذ زمن البشير وتم غضّ الطرف عنها، وظل البعد السياسي متفوقا في التعامل مع معطيات الأزمة، ما يؤدي إلى المزيد من التعقيدات لأي وساطة يقدم عليها السودان.

أديس أبابا تفرض سياسة الأمر الواقع
أديس أبابا تفرض سياسة الأمر الواقع

وتنظر القاهرة للأزمة على أنها قضية فنية بحتة، ولا تحتاج إلى تقديم تنازلات في تفاصيلها العلمية، وتدخلت الولايات المتحدة والبنك الدولي من هذا المنطلق، ولو أن الأمر سياسي فقط لنجحت واشنطن في ممارسة ضغوطها على أي من الطرفين. وكل المغالطات التي يسوقها أحد الأطراف من السهولة الرد عليها فنيا.

في المقابل، تدفع الحكومة السودانية من وراء طرح الوساطة إما إلى نفي تهمة دعم إثيوبيا في موقفها، وإما الرغبة في تعديل رؤيتها بطريقة غير مباشرة، فمن الصعوبة أن تعلن دعمها لأحد الطرفين، وفي كل المرات التي تحدث فيها مسؤولون بالخرطوم لم يظهر صراحة الوقوف في صف أديس أبابا، ربما أدى تعامل السودان السلبي مع قرار جامعة الدول العربية بتأييد موقف مصر في الأزمة الشهر الماضي، إلى تعزيز الإشارات بأن الخرطوم تقف على النقيض من القاهرة.

عند تحليل دور الوسيط في الأدبيات السياسية من الضروري أن يكون غير ذي مصلحة ليتمكن من تسهيل عملية التفاوض وقبول المنطق الذي يطرحه، وإذا كان طرفا لابد أن يوازيه آخر في الجهة المقابلة، ويحصل على موافقة جميع الأطراف.

ولذلك ترى مصادر مصرية أن الطرح السوداني الجديد يفتقد لأبسط قواعد الشروط اللازمة للتدخل في حل الأزمة من باب الوساطة، وتضع مبادرة حمدوك في سياق دبلوماسي هدفه أن الخرطوم لا تحتمل التورط في مناكفات بين مصر وإثيوبيا وتكفيها أزماتها، والتي دفعتها للاستعانة بجنوب السودان لحل معضلة السلام مع الحركات المسلحة.

وتنظر جهات مصرية قريبة من ملف سد النهضة، إلى وساطة حمدوك بحذر شديد، لأنها تفضي إلى إعادة التفاوض على ما تم التفاوض حوله منذ سنوات، وتعيد اختراع العجلة، كما يقولون في القاهرة، وتقلل من أهمية التقدم الذي أحرزته الولايات المتحدة بالتعاون مع البنك الدولي على مدار ثلاثة أشهر، وتمنح إثيوبيا فرصة جديدة للمناورة والتنصل من أي التزامات قبلت بها في مسودة الاتفاق الأميركية.

كما أنها تصب في صالح الخطاب الإثيوبي الذي بدأ حملة منظمة “لأفرقة” أزمة سد النهضة، وإبعاد الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى من خارج القارة، وإذا فشل حمدوك على الأقل سيكون وضع مسمارا في نعش فكرة الوسيط الدولي أو الطرف الرابع، وحصره في النطاق الإقليمي، وفتح المجال لمزيد من الجدل الشكلي على حساب المضمون، ما يبعد الأنظار عن الخطوات التي تقوم بها الحكومة الإثيوبية لتشييد المحاور الرئيسية في المشروع العملاق.

6