"أَمْرَكة" الذاكرة الجزائرية

الثلاثاء 2017/09/26

تناقلت وسائل الإعلام الجزائرية تغريدة لسفير الولايات المتحدة الأميركية في الجزائر جون دي روشي الجمعة الماضي، نشرها عبر حسابه الشخصي في شبكة تويتر، قال فيها “أحيي بمزيج من الأسى والاحترام ذكرى ضحايا الإرهاب في بن طلحة قبل 20 عاما.. أنا ممتن للتعاون الأميركي الجزائري القوي في مجال مكافحة الإرهاب”، غير أن وسائل الإعلام الجزائرية، التي دأبت على متابعة كل ما ينشر من أخبار أو مواقف حول الجزائر، أوردت التغريدة دون تعليق يذكر، وهذا يعني إما أنها تنفذ أوامر علوية بعدم الدخول في أي نقاش وبالذات مع الدبلوماسيين الأميركيين حول أوضاع الجزائر الراهنة أو الماضية، وإما عدم العودة إلى الحديث عن مسؤولية القائمين بالمجازر خلال العشرية الدموية في الجزائر.

تغريدة السفير الأميركي في الجزائر مثيرة للانتباه، لا فقط لكونها تحمل تعاطفا أميركيا ومجاملة دبلوماسية تجاوزها الزمن، ناهيك على أنها تتناقض مع الموقف الأميركي خلال سنوات الدم في الجزائر، إذ آوت واشنطن قيادات إسلامية معادية للنظام أبرزها أنور هدام، وساندت مواقف المنظمات المعادية للسلطات الجزائرية بحجة تدعيم حقوق الإنسان مع التغاضي عن جرائم الجماعات الإسلامية المسلحة، ليس لهذا فقط، وإنما لتزامن ذلك مع إعادة التذكير بمجازر بن طلحة عبر بعض وسائل الإعلام الغربية. وثانيا لأن الجزائريين يحاولون نسيان تلك المجزرة وغيرها، عبر موقف علني من الإرهاب داخل بلادهم وفي الدول العربية الأخرى ومن هنا يمكن فهم موقفهم من التغيرات الجارية في المنطقة.

وبعيدا عما أثارته تغريدة السفير الأميركي من انتباه حذر، وما قد تثيره في المستقبل من ردود أفعال، فإنها تشي بضغط أميركي على الجزائر، بات وشيكا، بخصوص ملفات بعينها، منها الدخول في تحالف مع الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب، يتجاوز التعاون الاستخباراتي إلى المشاركة العملية عبر حضور جزائري في عمل ميداني تشرف عليه أميركا، مقابل أن تتغاضى واشنطن عن الفساد السياسي والمالي، ومسألة الشرعية والسلطة، وتجاوزات حقوق الإنسان، والأكثر من هذا الوقوف في صف أميركا لجهة مواقفها تجاه عدد من الدول، منها على الخصوص إيران وفنزويلا. ويأتي الضغط من كون أن المجازر التي حصلت في الجزائر خلال العشرية السوداء، لا تزال محلّ استفهامات كبرى، منها هل الجماعات الإرهابية مسؤولة وحدها عن تلك المجازر؟ وأين كانت أجهزة الدولة حين قتلت الجماعات الإرهابية المئات من الأشخاص في قرى كانت قريبة من مؤسسات الأمن؟ وماذا عن اتهامات المنظمات الدولية للسلطات الجزائرية بارتكاب مجازر في حق المؤيدين للإسلاميين؟

تبدو الذاكرة الأميركية أكثر حضورا من ذاكرة الجزائريين الجماعية، حكاما ومحكومين، تجاه الأعمال الإرهابية في بلادهم، والإشكال هنا هو؛ ماذا لو تذكر السفير الأميركي معظم المجازر التي وقعت في الجزائر خلال سنوات الإرهاب؟ لو فعل ذلك سيظل مفتونا ومنسحبا إلى ماض، تشكل العودة إليه عبئا على الجزائريين، أزاحوه بنسيان متعمد، وبتقارب وتسامح تضمنتهما قوانين الوئام المدني، والمصالحة الوطنية بعد انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في أبريل 1999، ذلك لأن الأمر سيتعلق بعدد من المجازر، ولن يقتصر على تلك المجزة الشنيعة في بلدة بن طلحة، التي تبعد حوالي 15 كم عن جنوب العاصمة الجزائر، التي قامت بها جماعة إرهابية ليلة 22 و23 سبتمبر 1997، وراح ضحيتها 85 شخصا حسب التقديرات الرسمية، و200 قتيل كما أعلنت منظمة العفو الدولية، و400 قتيل كما أشارت إلى ذلك وسائل إعلام غربية ومنها ذا إيكونومست.

لو غرّد السفير الأميركي مُسْتقبلا حول المجازر التي حصلت في الجزائر، وقد يفعل أكثر من ذلك، فإنه سيدفع نحو فتح ملفات عدد من المجازر وقعت خلال السنوات العشر، وخاصة سنتي 1997 و1998، هي لا تزال محلّ تساؤلات على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وعلى خلفية المجازر السابقة يتخوف الكثير من المراقبين الجزائريين من التعاون الجزائري الأميركي في مجال مكافحة الإرهاب، ولا شك أن السلطات الجزائرية منزعجة من ذلك، وإن لم تعلق، وتقدّم نفسها دائما باعتبارها متعاونة مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، بل ترى نفسها حليفا استراتيجيا لها، لكنها ترفض أي طرح أميركي لجهة التدخل في شؤونها الخاصة، ومنها طريقتها في مواجهة الإرهاب ومعالجة تبعاته، لهذا لا يمكن اعتبار تغريدة جون دي روشي مسألة عابرة أو تعاطفا مع الشعب الجزائري، لأنه هنا لا يحتفل مع الشعب الجزائري بعيده الوطني أو بعيد الاستقلال، وإنما يجسّ النبض لمرحلة مقبلة يتوقع أن تأخذ العلاقات الجزائرية الأميركية فيها منحى جديدا، أهم ما يميّزها أن تصبح الجزائر جزءا من تحالف دولي ضد الإرهاب تقوده أميركا في أفريقيا وفي دول الجوار.

كاتب وصحافي جزائري

9