إباحة الزواج السري تؤسس لعلاقات أسرية قائمة على الخداع

تحريض الفتاوى على التعددية يتعارض مع قدسية العلاقة الزوجية.
الاثنين 2021/09/13
الزواج السري خيانة شرعية

يؤكد خبراء علم الاجتماع والنفس على أن الزواج السري له انعكاسات نفسية واجتماعية بالغة الصعوبة على المرأة. ويرون أنه يؤسس للخديعة بين الزوجين. وفي حين تتوجه الحكومة نحو تقنين التعددية الزوجية للحدّ من الزواج السري، تبيح المؤسسة الدينية ذلك بدعوى أن الشرع يجيز الزواج الثاني والثالث والرابع. ويشير معارضون للزواج السري في المطلق إلى أنه لا يجب التحجج بالشرع في إباحته.

القاهرة - أظهرت المعالجة الجديدة لظاهرة الزواج السري في مصر أن بعض جهات الفتوى ما زالت تتعامل مع المرأة بنظرة دونية في ظل التمسك بأحقية الرجل في الزواج على شريكة حياته دون علمها، لأنه ليس مجبرا على إبلاغها ومن حقه الارتباط بأخرى بشكل سري إذا كانت العلانية تؤدي إلى تصدع العلاقة الزوجية الأولى.

تعرضت دار الإفتاء المصرية مؤخرا، لسؤال من أحد الرجال عبر تقنية البث المباشر على الإنترنت حول مشروعية الزواج دون علم الزوجة، فكان الرد بالإباحة وفق الشرع وليس على الرجل حرج أو خطيئة في الزواج من امرأة ثانية بشكل سري، ما أثار غضب الكثير من النساء اللاتي يتعاملن مع هذا النوع من الارتباط بتذمر وامتعاض.

يتعارض الرأي الجديد كليا مع توجه الحكومة نحو تقنين التعددية الزوجية من خلال تقديم مشروع قانون إلى مجلس النواب يقضي بمعاقبة الرجل الذي يتزوج على شريكة حياته، باعتبار أن ذلك يؤسس لعلاقة أسرية قائمة على الخداع للزوجة الأولى والثانية أيضا، وهذا لا يليق بمكانة المرأة وآدميتها وكرامتها الإنسانية.

انتصار السعيد: الزواج الثاني غالبا ما يكون ذريعة للانتقام من الزوجة الأولى

صحيح أن مشروع القانون ما زال معروضا على البرلمان، لكنه حظي بتأييد لجنة الشؤون التشريعية والدستورية وتبقى مناقشته والتصديق عليه بعد عودة مجلس النواب من الإجازة البرلمانية مطلع الشهر المقبل، وسط مخاوف من إمكانية استفتاء رأي المؤسسة الدينية حول نصوصه ليأتي رأيها بالرفض.

ترى الكثير من النساء أن إباحة الزواج السري دون علم الزوجة ترتقي إلى مرتبة التحريض على الخديعة، فمهما منح الشرع للرجل أن يتزوج من امرأة واثنتين وثلاث وأربع، فالتعددية مرهونة باشتراطات عديدة، منها العدل والعلانية ومنح المرأة الحق في الاختيار بين الاستمرار في العلاقة أو الانفصال لا أن تكون أداة لإشباع الرغبات.

ما يثير امتعاض المنظمات النسوية الرافضة للتعددية الزوجية أن الإباحة الدينية للزواج الثاني كانت بلا شروط، ولم تراع الأضرار النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تترتب على إقدام الرجل على الزواج من أخرى، وكيف يمكن أن يتسبب ذلك لاحقا في انهيار الكثير من العلاقات الأسرية على وقع الشعور بالخديعة.

وأصبحت شريحة كبيرة من الرجال تستسهل فكرة الزواج السري لتعويض الحرمان العاطفي والمتعة المفقودة في بيت الزوجية التقليدي، وهؤلاء يعانون من عدم توفير غطاء شرعي وديني يدعم موقفهم حتى منحوا هذه المشروعية، ما يجعلهم في مأمن من العتاب والمساءلة الأسرية والقانونية.

ولم يعد الزواج السري قاصرا على الفئة التي طالت علاقتها الزوجية ولم يحدث بها تصدعات سوى في مرحلة متقدمة، بل إن الكثير من حديثي الزواج أصبحوا يستسهلون الخطوة مع غياب التفاهم والاصطدام بالمسؤوليات في سن مبكرة واهتمامهم بالمتعة الجنسية في مرحلة الشباب على حساب أي أشياء أخرى.

وقالت آية محمد، وهي زوجة ثلاثينية، إن علاقتها مع زوجها صارت على المحك ولديها الكثير من أصدقائها الشباب ممن خاضوا تجربة الزواج السري بدافع أن الشرع يبيح ذلك، وكان يفترض على جهات الفتوى أن تكون أكثر عدلا وإنصافا في وضع شروط للزواج الثاني بدلا من الحط من كرامة الزوجة ومنح الرجل الحق في خداعها.

أضافت لـ”العرب”، “أن الإباحة المطلقة للزواج الثاني دون علم الزوجة الأولى تنتقص من كرامة المرأة ولا تعطيها الحق في تقرير مصيرها، لأن الدين يرفض أن تعيش حياة لا تتقبلها، ومن حقها الاختيار بين الانفصال أو الاستمرار مع الزوج، ولم يقل الدين إن المرأة أداة لإشباع الرغبات وتربية الأبناء”.

الزواج السري يحطم الحياة الزوجية
الزواج السري يحطم الحياة الزوجية

وأزمة الكثير من الأسر في مصر أنها تتعامل مع حق الرجل في الزواج بأكثر من امرأة على أنه من الأمور المباحة ولا يحق للزوجة أن تطلب الطلاق أو تتذمر إذا علمت أن لها “ضرة”، أيّ أن بعض التوجهات الرسمية التي تحرض على التعددية تأتي على هوى كثيرين، وهي معضلة تعاني منها النساء الرافضات للزواج الثاني.

ويميل بعض الرجال إلى الزواج السري من منطلق أنه البديل الأكثر أمانا عن اللجوء إلى الانفصال الرسمي وهدم الكيان الأسري بدعوى أن المتعة طالما موجودة حتى مع زوجة ثانية، فلا داعي لتطليق الأولى، وهو تفكير ذكوري بحت يكرس صورة دونية عن المرأة ويجعلها مجرد وعاء جنسي أو أداة لإشباع الرغبات.

ويرى متخصصون في العلاقات الأسرية أن التعويل على تحجيم التعددية عبر رجال الدين لن يقود إلى نتائج إيجابية، والحل الوحيد أن يكون هناك قانون مدني يتم تمريره بعيدا عن استطلاع رأي جهات الفتوى طالما أنها ترتكن إلى الشرع وتفسيره الحرفي في إباحة الزواج الثاني والثالث والرابع دون قيود أو شروط أو حتى إلزام بالعلانية.

ويعتقد هؤلاء أن تحجيم التعددية يكرس الاستقرار الأسري، واشتراط علانية الزواج الثاني وموافقة الزوجة الأولى يقود إلى تغيير قناعات الأسر نفسها تجاه أحقية المرأة في تقرير مصيرها، ويحمي النساء من الضغوط العائلية وإلزامهن بعدم الانفصال واستمرار العيش مع الأزواج الذين يستسهلون كثرة العلاقات.

وأكدت انتصار السعيد مدير المركز المصري لحقوق المرأة أن معرفة الزوجة بوجود شريكة لها في زوجها حق إنساني وقانوني أصيل لها، لأن العلاقة الزوجية التي تتأسس على الخداع والكذب لا يمكن أن تكون سوية، كما أن عدم إبلاغها والاستمرار في سرية الزواج الثاني يحمل نوعا من الإكراه على الاستمرار في العلاقة.

الكثير من النساء يرين أن إباحة الزواج السري دون علم الزوجة ترتقي إلى مرتبة التحريض على الخديعة
الكثير من النساء يرين أن إباحة الزواج السري دون علم الزوجة ترتقي إلى مرتبة التحريض على الخديعة

ويجيز القانون لأي زوجة أن تطلب الطلاق للضرر إذا شعرت بالخديعة أو ترفض الزواج الثاني، لكن أغلب عائلات المتزوجات ترفض هذا التصرف بدعوى أحقية الرجل شرعا في التعددية، وإذا أقدمت أي امرأة على هذه الخطوة فمن السهل عائليا ومجتمعيا أن يتم وصمها لأنها لا تمتلك المبررات الشرعية التي تجعلها أكثر شجاعة في مواجهة الضغوط التي تتعرض لها لتحرير نفسها من العلاقة.

وقالت انتصار السعيد لـ”العرب”، “إن أزمة الزواج الثاني غالبا ما تكون ذريعة للانتقام من الأولى تحت غطاء شرعي بحيث تكون الزوجة مضطرة للانفصال، وهو ما يستسهله بعض الرجال للتنصل من المسؤوليات والنفقة الزوجية وغيرها من الحقوق، ولا يدرك كل من يؤيد الزواج السري أن انعكاساته النفسية والاجتماعية على المرأة بالغة الصعوبة”.

ويشير معارضون للزواج السري في المطلق إلى أنه لا يجب التحجج بالشرع في إباحته في حين أن الضغوط الاقتصادية التي طرأت على الأسر جراء جائحة كورونا، وارتفاع منسوب الفقر وصعوبات المعيشة جعلت أغلب أرباب الأسر لا يستطيعون الوفاء بالحد الأدنى من الالتزامات العائلية، بالتالي فالمعرفة المسبقة مهمة لتحدد كل زوجة هل تتحمل الظروف أم لا.

وما يؤخذ على جهات الفتوى أنها تمنح الحق في التعددية دون إرهاق نفسها عناء البحث وراء مبررات ودوافع الرجال الراغبين في ذلك، وحثهم على مراجعة أنفسهم لتكون علاقتهم بزوجاتهم قائمة على المودة والتراحم والتفاهم والمصارحة حول الأخطاء وأوجه التقصير وتذكيرهم بأن العلاقة الزوجية مقدسة بدلا من استسهال تقديم فتوى بالزواج الثاني تكرس للخديعة وربما تقود إلى انهيار العلاقة كليا.

21