إبحار لوني في ذاكرة المكان

التشكيلي أحمد نوار يترجم رحلاته إلى الصين والحجاز إلى أضواء وظلال، وتعامل مع الأمكنة بوصفها كائنات حية تبادله المشاعر والعلاقات.
الأحد 2018/05/06
إبحار الفنان بأضوائه وظلاله فائقة الحساسية في ذاكرة المكان

جولات الفنان في المكان مثل ارتحالاته في الزمان، تثري وعيه المعرفي وخياله البصري وتكسب طبقاته الشعورية تعددا وتعمّقا واتساعا، وقد استلهم التشكيلي أحمد نوار في معرضه المنعقد بالقاهرة رحلاته الأخيرة إلى الصين والحجاز ليبحر بأضوائه وظلاله فائقة الحساسية في ذاكرة المكان.

تتجاوز النظرة التأملية اعتبار المكان مجرد منظر طبيعي ساكن، فما يحيط بالإنسان وفق غاستون باشلار هو حالة نفسية وطقسية، وهو كيان من جسد وروح قادر على استيفاء الأفكار والذكريات والأحلام. وللرؤية الإشراقية قدرة أكثر خصوصية على قراءة النبضات الضوئية الكامنة خلف ألوان الطبيعة.

وهذا ما سعى إليه التشكيلي النابه أحمد نوار في معرضه الفردي المقام حاليا بالقاهرة من وحي مجموعة من رحلاته الخارجية، حيث يقدم عالما من الخطوط الهشة المرهفة، تتمازج فيه الأشكال وتذوب الملامح وتتشابك الخبرات والتأويلات، ويبدو المكان كأنه هو الذي يقرأ سيرة الإنسان.

يشهد غاليري العاصمة بالزمالك إطلالة التشكيلي المخضرم أحمد نوار (73 عاما) بثوب جديد من خلال معرضه "رسوم الحجاز والصين" (22 أبريل-5 مايو)، وفيه يخلخل أستاذ الرسم والغرافيك؛ نقيب التشكيليين الأسبق، التصورات والمفاهيم الراسخة حول التفاعل الفني مع المَشَاهد والمزارات والمناظر الطبيعية.

الفنان يعايش الجبال والبراكين ويندمج مع الطبيعة المتفجرة لإكساب أعماله طاقة حيوية وقدرة على التشكل والنماء والانتظام
 

يعيد أحمد نوار الاعتبار لألوان الفلوماستر في العشرات من اللوحات التي رسمها من فيوضات رحلاته إلى الصين والحجاز خلال السنوات الخمس الماضية، كما يستدعي الورق والخامات القديمة. ويُحْيي الفنان، الحاصل على وسام الدولة للفنون والعلوم ووسام أوفيسيه الفرنسي في الآداب والفنون، الأساليب التقليدية للرسم في الحضارة الصينية بتكنيك حديث.

يتحلل نوار من إسار النقل الفوتوغرافي، حيث تنفي اللوحات الأشكال المباشرة لتقيم أبنية بصرية مجردة تليق بالجوهر الإنساني والطبائع النقية للعناصر والموجودات، ويتخطى الخيال الفني الخصب الواقع المرئي بقراءة درامية للمناظر ورؤية تصوفية عارفة.

تتماهى فيوضات الذات؛ الحاكية عن المخزون البصري والوجداني بداخلها، مع دفقات الفلوماستر المنثورة بحساسية وتصاعدية درامية.

وفي سبيل استقصائه حضارة الصين القديمة وروحانيات الحجاز والمشاعر المقدسة وطقوس الخلق الأول، يعايش الفنان الجبال والأودية والبراكين ويندمج مع الطبيعة المتفجرة لإكساب أعماله طاقة حيوية وقدرة على التشكل والنماء والانتظام خارج العبثية والفوضوية.

الباحث عن التسجيل والتوثيق يجد ضالته أيضا في رسوم نوار، التي تجسد أشهر المعالم التراثية والحضارية في الصين والحجاز، والمناسك الدينية، لكن الحس التشكيلي هو الطاغي على التجربة والمهيمن على الصبغة التعبيرية للفنان، فاستحياء ثوابت المكان لا يحول دون التصرف غير المحدود لإعادة صياغة المشهد وفق رؤية ذاتية وذاكرة انتقائية خلاقة، لتتحول المحاكاة إلى حكي حر مستقل.

سحر الأبيض والأسود

اللوحات تنفي الأشكال المباشرة وتقيم أبنية بصرية مجردة تليق بالجوهر الإنساني
اللوحات تنفي الأشكال المباشرة وتقيم أبنية بصرية مجردة تليق بالجوهر الإنساني

يتعامل أحمد نوار مع الأمكنة في معرض رحلاته للصين والحجاز بوصفها كائنات حية، تبادله المشاعر والعلاقات، كما أنها تمتلك القدرة على النمو والتطور، وفرض ذاتها بمواصفات وهيئات جديدة داخل ذاكرته التي تحتفظ بها في مخزونها.

يحيل نوار شغفه بهذه الأمكنة دون غيرها إلى طبيعتها الخاصة، التراثية، والنورانية، كمهد للحضارة، وكمزارات دينية، ويشير إلى أن الجبال والأودية في الحجاز لها وقع بالغ التأثير في نفسه، خصوصا عند الشروق والغروب.

لا يقف نوار كثيرا عند حد الصور، إذ ينصت إلى لغة المكان المتجلية، والسّرّية، والمسكوت عنها، ويقول في تصريح لـ”العرب” “رأيت الوجود يتنفس، ويتحدث، هذا لا شك فيه، وتلك طبيعة المناطق المقدسة في الحجاز، في لحظات نادرة من الشفافية”.

ويصف نوار المرائي التي تفاعل معها في رحلته إلى الصين بأنها أراض لها سحر خاص، إذ تتمتع بالخصوبة والطاقة المشعة منذ الأزل، ويقول “مثلما تتسم الأراضي المقدسة بروحانيات ونورانيات تختزل الوجود وتقتنص الجوهر، فإن المهاد الحضارية بدورها تتألق من الوضاءة، فهذه الطبيعة هي حامية الرصيد التاريخي للإنسانية، وهي الوجه الآدمي الناصع منذ تشكل خميرة الخلق”.

الجوهر والرؤية الرائقة

روحانيات ونورانيات المزارات المقدسة في الحجاز.. بألوان نوار
روحانيات ونورانيات المزارات المقدسة في الحجاز.. بألوان نوار

من خصائص نوار في معرضه الجديد أنه لا يقترح المنظر من خلال مراقبة خارجية للمعاينات والأحداث، إنما يذوب في داخل المشهد، فيلتقي الجوهر الإنساني مع لب المكان، وتقوم البنية الجمالية بهندسة العناصر المتقاربة والمتنافرة في حالة تأملية كاشفة، قوامها الفلسفة والتصوف والاستشفاف والرؤية الرائقة العارفة.

في مثل هذا الطقس التجريدي، تقود العملية الفنية المحسوبة بعناية إلى مراوحات وترددات وتدرجات للخطوط الحساسة الهشة، بالأبيض والأسود، فوق مسطح الورق، لتتكشف الموجودات والحالات التعبيرية من خلال العلاقات بين الأضواء والظلال، وتصير المعاني بمثابة أسرار تتفتح بدرجات وتأويلات متفاوتة للمتأمل والمتعمق.

في إطار الوعي والخبرة الأكاديمية، تأتي تدفقات الفنان التلقائية لتحرر الأعمال من أطرها النظامية، فالحالة التعبيرية دائما أخصب وأشمل من المشاعر المؤقتة، والسيولة المتفجرة في اللوحات تصل إلى شأو أبعد من الظرفية المكانية والزمانية، فهو لا يرسم مزارات مر بها كعابر سبيل، إنما يعيد صياغة ما زرعته فيه هذه المشاهد من بذور تنبض بمذاقات الحياة المتنوعة النامية.

جاءت ألوان “الفلوماستر” ملائمة للخفة والرشاقة في التنقلات التعبيرية وترجمة الطقوس الدرامية السائدة في حوار الألوان والظلال، وأعطى الفنان مجالا للعتمة الكاملة وللإبهار الضوئي في بعض جوانب الأشكال، فهناك أجساد وماديات مثلما أن هناك أرواحا تسبح في تيارات النور، وهكذا تتجسد تناقضات العالم.

أحمد نوار، فنان يبدو واقفا بحياد على حافة الحياة، لا يعنيه التسلح بترسانة من الأسلحة التكنولوجية المتطورة، لكن أعماله لا ترضى إلا باقتناص قلب هذه الحياة.

13