إبداع الجمهور

الثلاثاء 2015/10/13

قيل كثير من الكلام عن الجمهور ودوره الفاعل، أو المتفاعل، في المباريات الرياضية، وفي الثقافة والفن أيضا، مجال بحثنا، يظهر ذلك ويتجسد في الأمسيات الثقافية والعروض المسرحية، ذات الطابع المباشر، الحي، من خلال ردود أفعال تعبر عن حالة هذا الجمهور، ثقافته ومستواه الحضاري، تجاه شريكه المرسل الثقافي: الأدبي أو الفني، القاص أو الشاعر أو الممثل أو المغني أو الموسيقي… معبرا عنها بما يصدر عن الجسد، بوصفه لغة: من حركات (تصفيق أو نهوض أو طريقة جلوس..) وإشارات وقسمات وجوه، وحتى نظرات… وما يصدر عن اللسان من تعبيرات مختلفة ( غمغمة، زفرات، همهمة، صفير، عبارات استهجان أو استحسان…) كل ذلك، وربما أكثر، يساهم في العملية الإبداعية، والتي يشكل النص المنجز مسبقا جزءا منها، فالعملية الإبداعية أيضا، مثل الدارة الكهربائية، لا تعمل وتضيء إلا حين يتمّ التواصل بين قطبيها الأساسيين: الجمهور والمبدع.

وكم من مادة إبداعية منجزة لم تفز بما تستحقه من نجاح بسبب تعثر عملية توصيل دارة الإبداع، وفشلها، بل أكثر من ذلك، فقد تسيء عملية التوصيل، بل التواصل غير الموفقة، إلى عمل إبداعي عظيم مثل نص مسرحية هاملت مثلا أو قصيدة للمتنبي أو لمحمود درويش أو لأحدى سيمفونيات بيتهوفن، وعكس ذلك حدث ويحدث أيضا.

ولذلك جملة من الأسباب أسهبت في شرحه كتب كثيرة ونظريات ونقاد، ليس ها هنا مجال بحثها، إذ قد يكون الصدق -بصفته أحد شروط الإبداع- أولها؛ وهو شرط يرتبط أشدّ الارتباط بالجمهور، إذ لا يكفي أن يمتلك المبدع شروط الإبداع وأسراره حتى يحوز على لقب مبدع، أو يتمّ قبوله في جمهورية الأدب، ففي هذه الجمهورية بالذات، ذات الطبيعة الديمقراطية الصارمة، لا تمنح الإقامة إلى كل مهاجر إليها، أو لاجئ، لأسباب إبداعية مبنية على أسس ذاتية فردية، ما لم يمتلك المبدع وثيقة حسن التواصل مع الجمهور، والتعبير عنه.

فكما أن كل حكم أو سلطة سياسية لا تنهض على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية معا، هي سلطة عرجاء ومحكوم عليها بالتعثر والسقوط، طال الزمن أم قصر، ولنا في تجربة الدول الاشتراكية وسيّدها الاتحاد السوفييتي مثالا مازال يتكرر في تجربة كل يتامى هذا النموذج من دول وأنظمة وأحزاب.

كذلك الحال في الإبداع الذي لا يمكن أن ينهض ويسير إلا على قدمين ثابتتين: الصنعة والجمهور.

فكم من مبدع امتلك الصنعة وأتقنها ولم ينج من التعثر والسقوط بسبب إغفاله اقتران ذلك بالتواصل مع الجمهور ومعايشة معاناته، وفي المقابل لا يمكن الاكتفاء بطرح قضايا الجمهور شهادة اعتماد وجواز دخول إلى جمهورية الأدب.

ولقد قدمت الثورات الناهضة حاليا هذين النموذجين اللذين كانت تجارب عربية وعالمية سابقة قد طرحتهما في ظروف مماثلة إلى حدّ ما: الفن المؤدلج والملتزم أيديولوجيا، والفن المسبق الصنع، فن من أجل الفن، في عملية مكررة فقدت ألوانها بالتقادم.

بالعودة إلى التفاعل في الأمسيات الأدبية بين المبدع والجمهور، ودور هذا الأخير في عملية الإبداع، وخاصة في مجال التواصل الحي، الإلقاء والعرض، يمكننا أن نذكر أسماء كثيرة برزت في وقت سابق من جملة هذه الكوكبة: مظفر النواب وأحمد فؤاد نجم ونزار قباني ومحمود درويش ورجال مسرح من أمثال: فواز الساجر ويوسف العاني ومحمود دياب ونجيب سرور وسعدالله ونوس… وأسماء أخرى كثيرة، استطاعت أن تلهب القاعات بنور الإبداع الساحر بما تملكه من أدوات إبداعية متقنة فتحت بها قلوب الجماهير الموصدة بأقفال الاستبداد.

واليوم، وأمام ما يقدمه الجمهور من إبداع تتجسد في مشهديات ثورية: شعارات وصيحات ومواقف مشرفة وشهادة… ظل كثير من المبدعين مشدوهين أمام هذا العمل الخلاق، ومترددين في توصيل الدارة الإبداعية مع هذا الشريك، في عملية مواكبة لهذا الإبداع، والارتقاء إلى مستواه.

لو أنصت المبدع المتفاعل مع الجمهور إلى صوت الوحي الذي في داخله، لسمع تلك الهمسة التي سكبها مجهول في أذن بطل إحدى روايات مكسيم غوركي، حين كانت هذه الشخصية تتأمل في باحة دير المعجزة التي حققتها صيحات الجمهور في إعادة الحركة لقدمي فتاة مقعدة، وإن بصيغة مختلفة عن عبارة ذلك المجهول القائلة:

هل رأيت معجزة الجمهور وإبداعه؟

كاتب مسرحي من سوريا

14