إبداع بلا أستاذية

السبت 2017/01/14

يتميز الإبداع بأن خالقه هو مبدعه الوحيد، لا يتدخل فيه سوى المبدع نفسه، فليس بإمكان مجموعة من الشعراء والنقاد خلق شاعر مبدع، إن لم يكن هذا الشاعر يحمل بذور الإبداع والإصرار على تفوقه على نفسه وتجاوز ما أنجز سابقا. ما ينطبق على الشاعر ينطبق على الروائي والقاص والرسام والنحات، وحتى الممثل الذي يتكرر في المشهد الثقافي، إن وجود مخرج جيّد، يمكن له إظهار وإبراز قدرات الممثل، فدور المخرج لا يتعدّى المحاولة مع ممثل يكمن الإبداع في روحه.

ثمة ظاهرة في وسطنا الأدبي، ألا وهي ظاهرة الأستذة، فما إن يتجاوز بعض الأدباء سنّ الثلاثين بسنوات، حتى يبدأ الوهم بالنمو لديهم بأنهم أصبحوا كبارا في الأدب، إحساس لا يختلف عن إحساس الطفل عند بروز أول علامات المراهقة عليه، فيبدأ بالتدخين والتصرف وكأنه إنسان كامل الأهلية، فيرفض نصائح وآراء الأهل.

بعد ذلك يتغلغل شعور الأستذة لديهم، فيتوهمون أن الأصدقاء الأصغر منهم سنّا، حين يقرأون جديدهم أمامهم أو يعرضون نتاجاتهم الأدبية عليهم، وينصتون باحترام لآرائهم، فإن هذا دليل على أنهم وصلوا مرحلة الأستذة، وأن الأصغر سنّا هو تلميذهم ومريدهم، وتنفجر هذه الأوهام، حين يثابر الأصغر سنّا أو الصديق الذي يتواضع ويعرض نتاجه على أصدقائه، ويستقبله النقاد والأدباء بمقالات ودراسات تتناول منجزه، وإصداراته.

مع كل إصدار يلقى حفاوة في الوسط الأدبي للمبدع المثابر؛ تنمو أوهام العظمة والأستذة عند المجايلين والأكبر سنّا، القريبين للمبدع المثابر، من دعاة مزاعم الأستذة، ورمي المبدع باتهامات باطلة، منها أنه إعلاميّ لنفسه، يتوسل النقاد والأدباء ليكتبوا عنه، ووسائل الإعلام لتنشر له وعنه وتحاوره، بل يشطح بعضهم غيرة وحسدا فيتهمه بأنه يدفع مالا لقاء كل مقال يتناول تجربته.

ثمة علاقة عكسية بين المبدع والمصاب بأوهام العظمة والأستذة، فكلما ازداد المبدع مثابرة وانكبّ على مشروعه الإبداعي، يزداد الثاني أوهاما ولامسؤولية في إبداعه الذي ينحو نحو التسطيح، وتقل القيمة الفنية لما ينجزه، حتى تحسبه يجترّ إبداعه، وتتحسر على نتاجه السابق، فقد كان أكثر إبداعا في بداياته وقبل أن تتلبسه أوهامه، ويصاب بداء تسقيط الآخرين.

لا يمكن للمبدع المثابر؛ وهو صاحب مشروع يستغرق حياته كلها؛ بل لا تكفيه حياة واحدة بحسب الشاعر سركون بولص، أن تتلبسه الغيرة والحسد والكراهية، فهو كائن لا يلتفت إلى الآخرين بحقد وغلّ، لا منافسين له، ولا يتنافس مع الآخرين، لأن منافسه الحقيقي ذاته، فهو أستاذها وتلميذها في الوقت نفسه.

ينظر إلى إنجاز الآخرين كمحفّز له، فهو بحاجة إلى هذا المحفز، يحبّه ويقدّره ويثني عليه، يفرح بإبداعهم مثلما يفرح بإبداعه، يتباهى بهم كأنهم إخوته بل كأنهم نفسه، وإن الفرق لشاسع بين المنافس والمحفّز، فالمنافسة تخلق كراهية وحسدا وغيرة عند غالبية الناس، إلاّ كبار النفوس؛ وهم أقلية لكنها هائلة؛ بينما المحفّز يخلق محبة وشعورا بالحاجة إليهم، فهم الهواء الذي نتنفسه، أعني هواء الإبداع.

شجرة المبدع وارفة الخضرة طوال العمر، وشجرة الموهوم بالأستذة، ربيعُها قصير وخريفها طويل، فلا حيلة له إلّا الاتكاء على ماضيه، والبحث عما يسيء لكل مبدع، ولا سيما ممن كانت بداياتهم قريبة من بدايته أو تلتها بفترة وجيزة؛ فيتجاهل أن المجايلين له أو الأصغر سنّا، حفروا عميقا في حقول إبداعهم، وأن إصرارهم على تجاوز أنفسهم، كان نتيجة طبيعية لوعي عالٍ بالتلقّي، وتنوع القراءات، والاستفادة من تجاربهم الحياتية والقرائية.

لا أستذة في الإبداع، كلنا تلاميذ معرفة نتعلم يوميّا، نتعلم من كل شيء، من الطبيعة وحركة المجتمع ومن بسطاء الناس مثلما نتعلم من الكتب.

كاتب من العراق

15