إبراهيم البطوط متمرد على السينما السائدة

الأحد 2016/01/31
في فيلم "القط" تجاوز البطوط الواقعية وحلق بين الواقع والأسطورة

جاء إبراهيم البطوط (52 عاما) إلى السينما من المجال المثالي لمن يريد حقا دراسة السينما خارج معاهد السينما الأكاديمية التقليدية، أي من الصّورة المباشرة، من عالم التصوير، فقد عمل لمدة ثمانية عشر عاما مصورا تلفزيونيا لحساب عدد من القنوات التلفزيونية الأجنبية، وخاض مغامرة تصوير وإخراج الكثير من الأفلام الوثائقية التي توثّق للكثير من الحروب والصراعات المسلحة حول العالم أشهرها الحرب الأهلية اللبنانية، وحرب العراق، والحرب في البوسنة، وحرب الشيشان.

هذه التجربة القاسية التي اقترب خلالها إبراهيم البطوط من الموت مرات عديدة، تركت لديه، دون شك، ميلا إلى التفكير والتأمل في المصير الإنساني.

ولا شك أنه شعر بنوع من التشكك في جدوى استمراره في التصوير بغرض التوثيق، فقاده تأمله الفلسفي والفكري فيما يجري في العالم، إلى أن يتمرد على نفسه، ويهجر الوثائقي التلفزيوني، خصوصا بعد أن عاد إلى مصر ليجد في انتظاره عصا غليظة لشرطي ضخم، يهوي بها على وجهه، فيدفعه إلى الاستفاقة على واقع جديد، يغلي بالغضب والثورة.

أصبح إبراهيم البطوط جزءا من حركة التغيير الفاعلة في الواقع المصري، وقرر أن يكتب ويخرج الأفلام الروائية لكي يصبح أكثر قربا من الجمهور، وأكثر قدرة أيضا على التأثير. وكان الدرس السينمائي الأول فيلمه الروائي “إيثاكي” (2005) المستمد من قصيدة شهيرة للشاعر اليوناني قسطنطين كافافيس الذي عاش في الإسكندرية.

كان إبراهيم البطوط يسعى خلال فيلمه هذا البالغ 70 دقيقة، إلى فهم الواقع، إلى الاقتراب من الإنسان وتأمل ما حلّ به، كما كان يرغب في فهم نفسه أيضا وفهم علاقته ببلده.

ويعتبر الفيلم الذي ساعده في إخراجه تامر السعيد، درسا أوليا بكاميرا الفيديو الرقمية، سيساعده فيما بعد على مد تجربته الطليعية المستقلة على استقامتها.

البطوط جزء من حركة التغيير في الواقع المصري، قرر أن يكتب ويخرج الأفلام الروائية لكي يصبح أكثر قربا من الجمهور. وكان الدرس السينمائي الأول فيلمه "إيثاكي" (2005) المستمد من قصيدة شهيرة للشاعر اليوناني قسطنطين كافافيس

سينما مستقلة

يعتبر البطوط رائد ما يعرف بـ”السينما المستقلة” في مصر. والمقصود الأفلام التي أخرجها سينمائيون شباب، قد لا يجمعها خط جمالي واحد ورؤية فكرية موحدة، لكنها تشترك في التحرر من الشروط التقليدية للسوق السينمائية في مصر، أي من السينما الاستهلاكية، كما توصف أيضا بـ”المستقلة” بسبب استقلاليتها عن شركات الإنتاج الكبرى الرئيسية واعتمادها على ميزانيات ضئيلة وممثلين غير معروفين، وهي تهتم بالشخصيات وبالجو المحيط بها، وبالجوانب الجمالية في الصورة، أكثر من اهتمامها بالحبكة الدرامية.

كان الميلاد الحقيقي لإبراهيم البطوط سينمائيا، مع فيلمه الروائي الثاني “عين شمس” (2008) الذي يعتبر تجربة غير مسبوقة في تاريخ السينما المصرية، تؤكد أن الثوابت القديمة يمكن أن تتغير وتتعدل، بل وتتهاوى أيضا مع زحف أفكار وأشكال وطرق جديدة، في الإنتاج وفي التعبير.

ظل هذا الفيلم مثارا لجدل استمر أكثر من عام كامل بعد أن وجدت الرقابة المصرية نفسها أمام فيلم مكتمل، أخرجه مخرجه دون ميزانية حقيقية، اعتمادا على المبادرات الفردية التطوعية من جانب فريق العاملين والممثلين، وصوره بالكاميرا الرقمية الصغيرة، وتمكن بدعم من المركز السينمائي المغربي من تحويله إلى شريط سينمائي من مقاس 35 ملم، طاف على كثير من المهرجانات السينمائية يحصد الجوائز.

أصبح الفيلم إذن واقعا فرض نفسه، لكن الرقابة المصرية رأت أن مخرجه البطوط ومنتجه شريف مندور خالفا التعليمات والشروط الرقابية التي تنص على ضرورة الحصول على موافقة على السيناريو قبل التصوير، ثم على الفيلم نفسه بعد انتهاء المونتاج فمنعت عرضه في مصر.

لكن مسألة المنع حسمت في النهاية لصالح السماح بعرض الفيلم بعد أن استمر عرض الفيلم في المهرجانات السينمائية الدولية وحصوله على عشرات الجوائز والتقديرات.

يعتمد فيلم “عين شمس” على التحرر في السرد والبناء، فهو لا يقوم على “حبكة” تدور من حولها “الأحداث” وتتجسد الشخصيات، بل يبدأ الفيلم باستعراض شريحة إنسانية، سرعان ما تكشف لنا تدريجيا عن باقي الشرائح دون أن يخرج المتفرج في النهاية بنتيجة “درامية”، بل بمشاعر وأفكار وتأملات تنبع من نسيج الفيلم وصلبه.

إبراهيم البطوط.. من سينما التوثيق إلى سينما الصدمة

صوت القدر

هناك تعليق صوتي يأتينا من خارج الكادر، كما لو كان صوت مراقب محايد، لكنه مطّلع على واقع الشخصيات، وما سيحدث لها. يمنحنا “صوت القدر” هذا، إحساسا بالثقة فيه وهو يحدثنا عن الدكتورة مريم: التي ذهبت إلى العراق عام 2003 قبل الغزو الأميركي، لا لكي تساعد المرضى أو تشارك في الدروع البشرية، بل للبحث عن التأثيرات الخطيرة المدمرة لليورانيوم المستنفد الذي ثبت أن الأميركيين استخدموه في حرب عام 1991، مما أدى إلى انتشار أمراض السرطان بنسبة كبيرة بين العراقيين.

من بغداد إلى مستشفى البصرة، وحديث عن انتشار حالات الإسهال بسبب تلوث المياه، يقول لنا صوت المعلق إن الرجل الذي نشاهده يقوم بأول رحلة صيد له بعد أن قضى 12 عاما في سجون صدام بتهمة بيع سجائر أجنبية، ثم من العراق إلى القاهرة، ومن صائد السمك في البصرة، إلى سائق التاكسي “رمضان” في القاهرة، وهو يعمل أيضا سائقا خاصا عند “سليم بك”.. أحد رجال الطبقة الجديدة في مصر.

صوت القدر الذي يأتينا من خارج الصورة ينذرنا بأن رمضان سرعان ما سيسمع خبرا يغير حياته تماما. فهو سيعرف أن ابنته الوحيدة “شمس” التي لا تتجاوز السابعة من عمرها، مصابة بسرطان الدم. والخبر يهز حياة رمضان ويغير مسارها، ولكن سليم بك يقف إلى جواره، يساعده، ويحاول أيضا أن يساعد قريبا له على استخراج جواز سفر والهجرة إلى إيطاليا، إلا أن سليم بك أيضا في مأزق، فيتعين عليه رد 80 مليون جنيه لأحد البنوك. وهو يصل في لحظة، إلى حالة من اليأس تكاد تدفعه إلى الانتحار. ولكنه يهرب من يأسه إلى المخدرات.

أما حي عين شمس الذي تقطن فيه أسرة رمضان السائق فهو “منتصف الدنيا” وقلب العالم، والتعليق الصوتي يقول لنا إن المنطقة أيضا “عائمة على بحر من الآثار، كما أن بداخلها يوجد بترول، وكانت في الماضي السحيق عاصمة للفراعنة”. ولكنها أصبحت اليوم مليئة بالقمامة، تنتشر فيها بيوت غير آدمية، وأكوام من القاذورات، ويعيش سكانها حياة بدائية على الكفاف، لكنّهم لم يفقدوا القدرة على الضحك واللهو والمعابثة والحلم بحياة أفضل.

الفيلم ليس فقط عن مظاهر للتدهور، بل عن قدرة الإنسان على التمسك بقيم الحب والتساند والتسامح في كل الظروف رغم افتقاد القدرة على الفعل الإيجابي. وهو يصور أيضا عنف الشرطة ضد المتظاهرين الذين يخرجون للتعبير عن رفض الاستسلام للقهر ومحو للهوية.

يستخدم البطوط المشاهد التسجيلية، والكاميرا المحمولة على اليد في الكثير من مشاهد الفيلم، ويستفيد من آخر ما صوره من مشاهد في العراق، ومن المشاهد الحية المباشرة للصدامات التي وقعت بين قوات الأمن والمتظاهرين في القاهرة، ويجعل من الفيلم بأسره تعليقا ساخرا حزينا، على ما يحدث في مصر، دون أن يفقد الإحساس بالتعاطف مع شخصياته.

فيلم "الشتا اللي فات" صرخة ضد التعذيب

حديث الثورة

وفي فيلم “الشتا اللي فات” (2013)، يعكس البطوط رؤية بصرية مذهلة عن ذلك الغضب المشحون الذي ظل يتصاعد وصولا إلى انفجار الثورة في يناير 2011، ويقدم شهادة مؤثرة بليغة عن “عصر التعذيب” وعن الرعب الذي يعيشه المصريون في ظل “الدولة البوليسية” منذ أكثر من ستين عاما، فتفكيك هذه الدولة القمعية لا يتم سوى من خلال سلطة ثورية حقيقية تدعمها الجماهير.

ويقوم الفيلم على سيناريو متوازن يجمع ثلاث شخصيات: الناشط السياسي عمرو (عمرو واكد)، مذيعة التلفزيون فرح (فرح يوسف) وضابط أمن الدولة آدم (صلاح الحنفي). وهو يبدأ بقبلة لا تكتمل بين عمرو وفرح.. ربما تكون في خيال عمرو.. فالحب بينهما لم يكتمل، وينتهي أيضا بثورة لا تكتمل.

في يوم 25 يناير 2011 يفتح بطل الفيلم باب الشرفة لنكتشف أنه يقيم في شقة يواجهها حائط أصم، وكأنه سجين اختاره بنفسه لتأكيد انسحابه وعزلته، وهو يستمع إلى هتافات المتظاهرين في الخارج لكنه خائف، متردد، لا يريد أن يغادر مسكن جاره بل يكتفي بمتابعة ما يحدث من خلال شاشة الكومبيوتر وشبكة الإنترنت لكن السبب الحقيقي لهذه العزلة هو نتاج التجربة القاسية التي مر بها مع السلطة.

سنعرف بعد ذلك كيف اعتقل عمرو قبل سنتين وتعرّض للتعذيب القاسي، وسننتقل إلى مذيعة التليفزيون- فرح- التي كانت حبيبة عمر قبل أن تفرّق بينهما الاختيارات في الحياة، وهي الآن جزء من التلفزيون الرسمي الذي لا يبث حقيقة ما يحدث في الشارع.

هناك ضابط أمن الدولة (آدم) الذي يراقب من مكتبه البرنامج التلفزيوني الذي تشارك فرح في تقديمه. ومع تصاعد أحداث الثورة، تدرك فرح أنها تخون نفسها ورفاقها حينما تقبل أن تمارس الكذب على الناس، فتترك العمل وتنضم للثوار. وينزل عمرو من عزلته ليشارك مع باقي الشباب في السيطرة على الحي ضد البلطجية، ويقوم الضابط بإرسال أسرته خارج القاهرة، ثم يوزع الأسلحة البيضاء على البلطجية لكي يتولوا ترويع المواطنين.

يعتمد البطوط في بناء فيلمه على التداخل بين الأزمنة: الحاضر والماضي والماضي القريب، والانتقال فيما بين هذه الأزمنة بسلاسة تامة وفي سياق مفهوم للمشاهد، حيث يمكنه الربط بين المشاهد المختلفة، وفهم دلالاتها في السياق. كما يستخدم شاشات التلفزيون والكومبيوتر وكاميرا الفيديو كثيرا، مما يضفي طابعا حداثيا على الفيلم، ويمزج بين التسجيلي والروائي بمهارة ودون إقحام، ولا ينهي فيلمه نهاية منتظرة رغم أننا نرى عمرو يعود إلى حبيبته فرح بعد أن وحّدت بينهما الثورة، فنراهما معا على أحد جسور النيل في القاهرة وأمامهما كاميرا تصورهما معا. لكن هذه النهاية ليست رومانسية كما تبدو، فنظرات الاثنين مليئة بالتوجس والحزن والقلق، القلق على مصير الثورة التي يقول لنا البطوط إنها لم تكتمل.

كان الميلاد الحقيقي لإبراهيم البطوط سينمائيا، مع فيلمه الروائي الثاني "عين شمس" (2008) الذي يعتبر تجربة غير مسبوقة في تاريخ السينما المصرية

التحليق ما وراء الواقع

وفي فيلمه الخامس “القط” (2015) يتجاوز البطوط كل ما سبق أن حققه في أفلامه السابقة التي كانت تنتمي بشكل أو بآخر، إلى الأسلوب الواقعي، ليخرج إلى منطقة وسيطة بين الواقع والرمز، بين ظلال التاريخ والأسطورة، وبين الرؤية النقدية الاجتماعية والتحليق الجامح في نطاق الخيال الذي لا يعرف حدودا، ويتحرر تماما من قيود الواقعية، تاركا لنفسه العنان لكي ينسج كمخرج-مؤلف، صاحب رؤية خاصة للعالم، من تجاربه الشخصية، ويستمد من خياله السينمائي ليخلق واقعا آخر موازيا على الشاشة، دون أن يبتعد عمّا يجري في الواقع الفعلي.

ينتقل الفيلم بين مستويين: مستوى الواقع المعاصر في مصر اليوم، ومستوى الرّمز الخيالي المستند إلى التاريخ، ويدخل بالتالي إلى منطقة يفلسف فيها الواقع ويتطلع إليه بنظرة خاصة.

يدور الموضوع حول الشر الاجتماعي: جذوره، ومن أين ينبع، وما سبب كل تلك الوحشية التي أصبحت سمة سائدة في حياتنا اليوم، وكيف يمكن تبريره وقبوله والتعامل معه، ذلك الشر الذي يتجسد في أشد أنواع العنف الذي يمارسه الإنسان ضد أخيه الإنسان، وهو هنا أيضا عنف ذو شقين: عنف شرير مدفوع بالسعي إلى تحقيق منفعة مباشرة ترتبط بالجشع والخسة واستغلال أكثر الكائنات البشرية براءة أي الأطفال الذين يختطفهم الأشرار، ويمزقون أجسادهم لكي يبيعوا أعضاءهم لمن يملك أن يدفع الثمن، وشر آخر يتمثل في عنف مضاد سافر أيضا، يتصدى للعنف الأول بغرض القضاء عليه وتحجيمه والانتقام لما يتعرض له الأطفال وهو عنف يجد مساحة له للحركة كنتيجة طبيعية لغياب الدولة والقانون وتدني منظومة القيم الأخلاقية والسلوكية.

لا تكف الكاميرا عن الحركة، فهي تنتقل في المكان في لقطات طويلة تعبر خلالها قلب الأحياء الشعبية الهامشية والقديمة، وتأخذنا الحركة المستمرة الطويلة في رحلة جهنمية إلى قلب ذلك الجحيم الأرضي، الذي يخفي داخله طاقة هائلة من العنف.

تدور أحداث الفيلم كلها على خلفية صوتية تمتلئ بالأدعية والأناشيد الدينية، وننتقل في أحد المشاهد من معبد فرعوني إلى كنيس يؤدي إلى كنسية ثم مسجد، والرجل-الرمز-الفرعون، الذي يرمز للقوة والسلطة والمال، ينتقل بين هذه الأماكن وكأنه كائن أسطوري يطير في المكان والزمان، ومعظم شخصيات الفيلم تبدو مرتبطة بالدين، أو متدينة، تصلّي وتذكر الله وتغشى المساجد، دون أن تجد أيّ تناقض بين التدين والقتل، وبين الإيمان باليقين المطلق والسعي الحثيث للحصول على الانتقام في الدنيا.

إنها صورة قاسية للعالم، من عين الفنان تدفع إلى التأمل وإعادة التفكير، ومراجعة الكثير من المفاهيم العتيقة عن لغة الفيلم والسرد السينمائي أيضا، فهو بحث بصري مرهق في الأسلوب.

ناقد سينمائي من مصر

16