إبراهيم البليهي صاحب سؤال "لماذا نحن متخلفون؟"

الأحد 2016/04/24
المسلم الليبرالي مؤسس علم الجهل وعضو مجلس الشورى السعودي

باريس - “صياد الكتب، الفيلسوف، نسيج وحده يحتاج أن تكتب فيه مقالة، ولا تخلو جلسة معه من متعة أو فكرة، فهو يعلمك ما جهلت، ويذكرك ما نسيت، وهؤلاء الناس هم أعظم ثروة معنوية في هذه الحياة الدنيا الفانية المتداعية المتلاشية”، هكذا وصفه المفكر والكاتب السوري خالص الجلبي، وهو الذي خبره عن قرب وعرفه لسنوات طويلة خلال عمله في السعودية.

للحظات عندما تعبر كتبه تشتمّ رائحة جلد ذات قاسية. توصيف شديد اللهجة وعنيف لواقع العالم العربي والإسلامي.

التخلف لم يعد صفة، هذه الشعوب تتقهقر برأيه. العرب باتوا عالة على العالم وعالة على الأرض التي يسكنونها. هذا رأي الكاتب والفيلسوف السعودي إبراهيم عبدالرحمن بن سليمان البليهي، المولود في أكثر المناطق السعودية محافظة (القصيم ـ مدينة بريدة). والذي يحمل شهادة في الشريعة الإسلامية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. الليبرالي الثقافة والتفكير والمشروع.

الحضارة الغربية

أكثر الأوصاف الملاصقة للبليهي عشقه للغرب، معتبرا هذا الأخير أفضل النتاج البشري حتى اللحظة، رغم أنه لا يؤمن بالمجتمع الغربي عموما. يصرّ على أن العقل البشري يتوجب هدمه وإعادة إعماره وفق ثقافة العلم. فالإنسان يولد بخيارات عقلانية مفتوحة وقابليات حرة. لكن المجتمع يبرمج هذا الإنسان خلال سنوات طفولته الخمس الأولى فيصبح مسيحياً غربياً أو عربياً مسلماً أو بوذياً وهكذا، فيعتبر الإنسان أن ما هو عليه خير ما في الدنيا. يدافع عن هذه البرمجة على أنها النعيم المطلق، ويموت في سبيلها، بالطبع إلا من رحم ربي وهم قلة.

“يغتبط الإنسان بثقافته التي ينتمي إليها دون إرادته. تزداد غبطته كلما ازدادت هذه الثقافة تخلفاً”. الكلام للبليهي الذي يعتبر أن دفاع المسلمين والعرب اليوم عمّا هم فيه من تخلف واعتباره حالة طبيعية ونتيجة مؤامرة وتكالب العالم عليهم، هو نتاج تخلف الثقافة التي ينتمون إليها.

أما ارتفاع حدة الدفاع عن هذه الثقافة، باعتبارها الثقافة التي أعطت العالم الفلسفة والإبداع والعلم، فللبليهي بخصوصه موقف عنيف، إذ أن العرب برأيه لم يكونوا طلاب علم يوما ما، بل كانوا فاتحين وظهروا على مسرح التاريخ بكونهم قادة جيوش عبرت من الخليج إلى المحيط وإلى أعماق آسيا. لم يكونوا يوما إلا المعلّمين بنظر أنفسهم، وكحالة دينية لم يكونوا مسلمين بالمعنى الدقيق للكلمة بل هم أتباع عشائرهم التي بقيت على الإسلام أو تلك التي ارتدت عنه، لتعود إليه بعد حروب أبي بكر الصديق الذي لو بقي أكثر في السلطة لقتل كباقي الخلفاء الراشدين.

هذه المؤشرات برأي البليهي تعطي تصورا عن واقع العرب منذ بداية تاريخهم مع الإسلام على أقلّ تقدير، وكيف أنّهم كانوا أتباع شيخ قبيلتهم لا مواقفهم الفردية. وأنهم كحالة ثقافية أنتجت الفلسفة والعلم جاءت نتاج وجود نزعات فردية لدى البعض، وهذه النخبة ،ونتيجة للظروف التي تحققت لها، وصلت إلى كتب الفلسفة، فعرّبتها وكتبت فيها شروحاً وأنتجت أو أعادت إنتاج المعارف، ولكنها كحالات فردية كانت مستبعدة اجتماعياً بل ومطرودة كما حال ابن رشد أو ابن سينا أو ابن خلدون وغيرهم كثير.

والمفارقة برأي البليهي هو رغبتنا اليوم بالتفاخر بهم بأنهم منارة للبشرية، ونحن لم نعرفهم إلا بعد أن احترمهم الغرب وقدّمهم للعالم. ويمكن القول بأن حالة المفاخرة هذه، كانت التفريغ لحالة الصدمة التي تعرض لها العرب عقب حملة نابليون على مصر، حيث اصطدموا بحالة التقدم والتطور التي وصلها الغرب، ولكن الحركة الثقافية يومها امتصت الصدمة وبدّدتها وفرّغتها فلم تأت بأيّ نتائج إلا حالة الفخر بالماضي المجيد واعتبارنا مصدر إلهام العالم المتقدم وكفى.

المشاريع ودعم المشاريع

ما سبق ليس غريبا على مؤسس “علم الجهل”، ومبتكر نظرية “التلقائية الإنسانية”، ونظرية “الريادة والاستجابة”، المؤمن بالفردية إلى حد التطرف. فالليبرالية هي الحل لا العلمانية، لا لأن العلمانية شيء مشين ولكنها برأي البليهي تعرضت للتشويه عبر التاريخ البشري. ومثال ذلك كما يقول؛ العلمانية السوفييتية التي لم تنتج إلا الرعب والقتل فقط. وكذلك حكم البعث في سوريا والعراق وما أنتج من كوارث.

مبتكر نظرية "التلقائية الإنسانية"، ونظرية "الريادة والاستجابة" يؤمن بالفردية إلى حد التطرف. فالليبرالية هي الحل لا العلمانية، لا لأن العلمانية شيء مشين ولكنها برأي البليهي تعرضت للتشويه عبر التاريخ البشري، ومثال ذلك كما يقول؛ العلمانية السوفييتية التي أنتجت الرعب والقتل فقط

يقف مطوّلا عند تهافت المحاميين العرب للدفاع عن الرئيس العراقي صدام حسين، ويسأل أنه إذا ما كان المدافعون عن حقوق الإنسان ورجال القانون في هذا العالم يتبارزون للدفاع عن طاغية ويتركون الإنسان العربي غارقاً في المهانة، فكيف لنا أن نأمل خيرا في هذه البلاد؟ الدول الحقيقية اليوم هي دول القانون والحق والعدالة، أين العدالة في العالم العربي والإسلامي؟ لماذا تقدمت الهند وبقيت باكستان غارقة في وحل التخلف إلى اليوم؟ الأولى والثانية بلاد واحدة فصلتهما حدود حديثة العهد. لماذا تقدمت اليابان وهي التي كانت كمصر بعد الحرب العالمية الثانية وتراجعت الأخيرة إلى مصافي الدول شديدة التخلف برأي البليهي؟

هذا الحال ذاته ينطبق على الكثير من البلاد العربية والإسلامية ولا يمكن القول بأنها حالات منفردة بل حالة عامة، باستثناءات طفيفة كحال ماليزيا.

النموذج الماليزي

ماليزيا التي يهتم لها البليهي كثيراً، وسبق وأن درس وحلل تجربتها التنموية، فكتب أن ماليزيا في الماضي “لم تكن أكثر من بلد زراعي فقير يعتمد على تصدير المطاط ويعيش قانعاً بفقره ولم يكن يحلم بأن موعده قريب مع الازدهار الشامل”، مضيفا أن “الوطن لا يُبنى إلا بجهود جميع أبنائه، وبتضافر الأعمال من كل فئاته”. وهذا تحقق برأيه بدعوة الملاويين الذين “كانوا خاملين بأن ينشطوا في تطوير ذاتهم وأن يندفعوا للعمل مع كل فئات الوطن، فالازدهار لا يتحقق بعرقلة الناشطين وتحطيم أهل الطموح والنجاح من أيّ فئة كانوا وإنما يتحقق بتنشيط الخاملين ومضاعفة نشاط الجادين”.

السعودية دعمت نهضة ماليزيا علناً، ولم يتردد وزير خارجيتها عادل الجبير بالتصريح قبل أيام، بأن المبلغ الضخم الذي أثيرت حوله ضجة بعد أن أودع في حساب مصرفي لرئيس الوزراء الماليزي نجيب عبدالرزاق “كان فعلا من حكومة السعودية”. ويواجه نجيب مزاعم فساد بعدما زعمت تقارير أن إيداعا بقيمة 681 مليون دولار التي وجدت في حسابه الشخصي مصدرها صندوق تنمية ماليزيا لكن نجيب أكد أن الأموال هبة وليست من الصندوق.

ونقلت وكالة رويترز ووكالة برناما الماليزية عن الجبير قوله للصحفيين أثناء قمة منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول “نحن على علم بالهبة. وهي هبة حقيقية ولا شيء متوقع في مقابلها. كما أننا أيضا على علم كامل بأن المدعي العام في ماليزيا أجرى تحقيقا وافيا في الأمر ولم يجد أيّ مخالفة”.

لكن البليهي يرى أنه لا يكفي أن ندعم المشاريع الجديدة في العالم، بل علينا أن نتغير تماماً. فالخليج اليوم وأهله، كما يقول، باتوا عالة على الأرض التي يعيشون عليها، النفط مصدر حياتهم ورخائهم ولا فضل لهم فيه، هو هبة لم يستفيدوا منها بعد.

يتساءل البليهي عن بديل للنفط والذي لن يستمر على حد قوله، مجيباً في الوقت نفسه بأن البديل المتجدد الذي يجب الاهتمام به هو الطاقة البشرية المبدعة. ويدعو المسؤولين الحكوميين للاستفادة من تجارب الدول المجاورة وتعلّم كيفية تقديم الخدمات بأقل التكاليف الممكنة وبأفضل مستوى، موضحاً بأن كل العالم يتطور إلا نحن. فالبترول يخدعنا ويوفّر لنا الطمأنينة الزائفة، فيمنعنا من الانتباه لأنفسنا والسعي للتقدم، مضيفاً أن دبي تمثل حالة خارج النسق الفكري العربي، ولذلك هي ناجحة.

البليهي يرى أن دفاع المسلمين والعرب اليوم عما هم فيه من تخلف واعتباره حالة طبيعية ونتيجة مؤامرة وتكالب العالم عليهم، هو نتاج تخلف الثقافة التي ينتمون إليها

ورغم وجود بعض الجوانب النهضوية لدى العرب، إن صح التعبير، إلا أن البليهي يعتبرها حالات لا يعوّل عليها طالما أن العقل العربي مازال مغلقا أمام ثقافة العلم، ويمكن للعربي أن يكون بارعا كطبيب أو مهندس أو مبرمج ولكنه يحافظ على ذات العقل الثقافي العربي المتخلف، يملك الأدوات وربما يبدع فيها ولكنه لا يملك ما يمكن تسميته طريقة إنتاج المعرفة والثقافة العلمية.

هذا العيب ليس صفة للعرب فقط بل هو عيب إنساني بالعموم، فليس كل أوروبي مبدع، ولكنه ملتزم بالاتجاه العام ويساهم في دعم الإبداع من خلال التزامه بثقافة مجتمعه التي تلقاها في سنوات عمره الأولى. في حين يدعم العربي التخلف الذي ينتج أدواته ليتّسع ويزداد قوة وعمقا في عالمنا.

هل التعلم تقدم

التخلف، في نظر البليهي، هو الأصل، والتقدم طارئ، لأن التخلف والتقدم خاضعان للفعل البشري، من دون تدخل أيّ قوى خارج الطبيعة، وهذا ينزع عنهما القدرية، ويعتبرهما حالة ثقافية لا علاقة لها بالعرق أو البيئة.

فهل يمكن أن يتقدم الإنسان إذا ما تعلم وهل يحل التعليم مشكلة التخلف؟ هذا أمر غير وارد برأي البليهي، لأن التخلف مستقر في المجتمع وثقافته، وله بنية متكاملة وصلبة لا يسهل تفكيكها، ومن هنا يجب استحداث علم الجهل، الذي يستهدف تفكيك الجهل، وتغيير الثقافة التي تسبّب التخلف، وهذا ما يعتبره البليهي مشروعه الذي مازال مستمرا بالعمل عليه، والكتابة فيه في منابر مختلفة كجريدة الرياض ومن خلال كتبه وأبحاثه.

وفي هذا السياق يطالب البليهي في كتابه بإبراز مقومات الابداع، بالهُدى والرشد، أي تنمية التفكير العلمي، وتشجيع التحليل بدلاً من التلقين، والإبداع بدلاً من الاتّباع، والدراية بدلاً من الرواية، والحوار بدلاً من الإلزام بحد السيف، واحترام الرأي الآخر، والتأكيد على لغة الحوار بين الثقافات والحضارات على أساس من الاحترام المتبادل والندية.

فالاحترام المتبادل هو الوسيلة المهمة لإقامة علاقات عميقة، ورسم المستقبل الإنساني المشترك بين الشعوب وإرساء قواعد التفاهم العميق.

الفردية هي الحل

بما أن التخلف والجهل نتاج الفعل البشري وهما ليسا بقدر وقرار ميتافيزيقي، إذن فإن الحل بيد الإنسان الخاضع لقيادة المجتمع الذي يولد فيه بطريقة مباشرة وبالذات في سن الطفولة، فكيف الحل ليكون خارج مساقات التخلف ويعبر إلى بوابات العلم؟

هنا يرى البليهي بأن منح الإنسان المساحة التي يمكنه من خلالها الحركة والإنتاج، وتوجيه الفرد لطاقته لما يهمه ويشغله هي سر النجاح بالتخلص من حالة التخلف، فلا يكفي أن يمنح المجتمع أفراده المساحة ليتحركوا. يحتاج الأفراد أيضاً إلى منح أنفسهم الوقت والتركيز لينتجوا، هذه الفردية وهذا الاهتمام ينتجان فيما ينتجان التغيير، وهو الفعل البشري المرتبط بالتقدم، فالإنسان يغيّر إلى الأفضل أو ما يظنه الأفضل، هذا التغيير لا يمكن أن يتم بلا قدرة على النقد، ليس نقد الظواهر فقط، وإنما نقد المسلّمات، بحيث يخضع كل شيء للنقد، ومن هنا تدور الآلة الضخمة، ويتحقق التقدم، وينجو الإنسان من قبضة التخلف، وكل ما سبق يحتاج إلى الصدمة، وهذه الأخيرة من واجبات التعليم بحسب رأي البليهي.

البليهي يطالب في كتابه بإبراز مقومات الابداع، بالهُدى والرشد، أي تنمية التفكير العلمي، وتشجيع التحليل بدلاً من التلقين، والإبداع بدلاً من الاتّباع، والدراية بدلاً من الرواية

قبل كل هذا علينا فهم التخلف وإدراكه، فهو العدوّ الرئيس، ومعرفته وتحليله يساعدان على تفكيكه، ومن أبرز ما قاله البليهي في التخلف، بأنه هو الأصل في الإنسان وأن التقدم طارئ، وأن التخلف بنية متكاملة وصلبة، مستقرة وبقوة في الثقافة، وبالطبع برأيه فإن التخلف والتقدم هما نتيجتان للفعل البشري بعيداً عن أيّ ميتافيزيقا، وهما يعودان لأسباب ثقافية، وهذا ينفي عنهما أيّ أسباب عرقية أو بيئية، أما الجهل هو الأصل والعلم طارئ على الإنسان، وكذلك فإن العقل يحتله الأسبق إليه، ولذا فإن نقد المسلّمات شرط التغيير.

المسلمون وتقهقهر العالم

سبق للبليهي أن عبّر بشجاعة عن موقف غاضب من المسلمين في أوضاعهم الراهنة. معتبراً أن الولايات المتحدة معذورة في الإجراءات التي بدأت باتخاذها تجاه المسلمين في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، متهما المسلمين بأنهم صاروا سببا في تقهقر العالم وتراجعه عن الحريات بعد أن أصبح أكبر إبداع يقدمونه للعالم هو الإبداع في القتل والتفجير وقطع الرؤوس.

يقول البليهي في حواراته المثيرة، إن العالم الإسلامي “لو كان قوة عظمى حاليا، وتعرض لما تعرضت له الولايات المتحدة من الضرب في عقر دارها لما اكتفى بما قامت به، لأن ما تفعله الولايات المتحدة هو رد فعل طبيعي لأيّ قوة على ظهر الأرض”، مذكراً أن بين المسلمين من يتحدث حتى هذه اللحظة عن “احتلال روما” ما يعني أن منطق “الغزو” ما زال قائما لو امتلكنا القوة.

حقيقة الأمر أن البليهي إنسان لافت، فهو المسلم الليبرالي كما يقدم نفسه، العربي السعودي كما يراه الجميع، عضو مجلس الشورى في المملكة، المستفيد بطريقة أو بأخرى من رخاء النفط، رغم أنه من عائلة عريقة ومعروفة في السعودية، المؤمن بفرديته ضمن قبيلة كبيرة ينتمي إليها، المنتقد اللاذع للمجتمع، المبتعد عن نقد الأنظمة باعتبارها نتاج ما عليه تلك المجتمعات، الملتزم بزيّ بلاده ودينها، والمعجب، بل والمغرم بالغرب بما حمل من أفكار ويعتبره حالة فريدة في تاريخ البشرية عموماً، يحمل هموم العالم العربي والإسلامي، ويبحث سبب تقدم الآخرين وتخلفنا.

8