إبراهيم الجريفاني: الشعر يمهد طريق السعودية نحو التغيير الشامل

الشاعر إبراهيم الجريفاني يمتلك مدرسة شعرية مختلفة، ولم يشأ التقيد بمحاكاة الفكر المحلي أو مخاطبة الإنسان الخليجي فقط، ويبدو حريصا على تقديم نفسه كشاعر يقرأه العرب كافة.
الأربعاء 2019/06/19
ما طالبت به منذ 15 عاما بدأت ألمس تحقيقه الآن

برزت حقوق المرأة ومكانتها في المجتمع كقضية العصر في البلدان العربية، وحركت مرحلة الانفتاح التي تعيشها السعودية عملية تمكين للمرأة بشكل أوسع، وظهرت ملامح متباينة حول السبل القادرة على الدفع الصحيح لها وتعزيز آليات حضورها العام، من خلال الأدب والثقافة، وأكد الشاعر السعودي إبراهيم الجريفاني لـ”العرب” أن الشعر يحمل رسالة فريدة في تمهيد الطريق لاستيعاب ما يطرأ على المجتمعات من تغيرات، وهي مسألة ثبت نجاحها مع ما يعيشه المجتمع السعودي من تغيير.

اتخذ الشاعر السعودي إبراهيم الجريفاني مسارا متمردا في الكتابة عبر محاولته تلبس المرأة ومحاكاة قضاياها في البلدان العربية، ويرى أنها لم تحصل على حقوقها كاملة، وجنح إلى تبني تلك القضايا، داعيا إلى الخلاص من الموروثات والعادات والتقاليد التي لا تتماشى مع الزمن الراهن وعجلة التطورات المتلاحقة.

واعتبر تمرد الجريفاني على تلك العادات، قبل سنوات، جرأة من شاعر سعودي في وقت ما زالت فيه المنطقة عموما -والمملكة خصوصا- تشهد انتشارا لأصحاب الفكر المتشدد، وكانت المرأة منطقة محظور الاقتراب منها، وفي هذا الخضم طالب الجريفاني بالتغيير والتمرد انطلاقا من إيمانه العميق بأنها نصف المجتمع وعضو فاعل فيه.

وقال في حوار أجرته معه “العرب” في القاهرة، “أعتقد أننا بدأنا استيعاب التغيير، لاسيما أن المرأة السعودية كانت خلال السفر إلى الخارج تعيش بشخصيتين، إحداهما داخل المملكة والأخرى خارجها، وكان ذلك شيئا مزعجا للغاية وجعلها تشعر بأنها غير طبيعية، فليس من الطبيعي أن تتصرف وتلبس وتتعامل مع الآخرين كإنسانة طبيعية في الخارج وتعود إلى بلادها مضطرة إلى التمسك بعادات وتقاليد عفا عليها الزمن”.

وأضاف “تلك التقاليد ألقت بثقلها على كينونة المرأة، وبدلا من أن تكون تحت دائرة الضوء، حيث مكانها الطبيعي، أصبحت تقبع في الظل ومجرد تابعة للرجل الذي يسعده هذا الوضع في الكثير من الأحيان”.

قيود وانتقادات

واجه إبراهيم الجريفاني قيودا وانتقادات لإصراره على كشف معاناة المرأة في المجتمعات العربية ومحاولة انتشالها من أوضاعها الهامشية، وهو ما قال عنه لـ“العرب”، “الكثير من نصوصي لم يقبل بها أصحاب الفكر الثابت والمتحفظ، لأن تبني قضايا المرأة يزعج الرجل الشرقي، الذي تسعده هذه العادات والتقاليد المقيدة للمرأة والتي تتركها في الظل، بينما أؤمن بأن الشاعر إذا لم  يؤثر في مجتمعه فهو ليس مبدعا، لأنه من الضروري محاكاة قضايا المجتمع، فالشعر ليس الحب والعاطفة فقط”.

ديوان يحاكي ضمن قصائده المتغيرات الموجودة في الشارع العربي
ديوان يحاكي ضمن قصائده المتغيرات الموجودة في الشارع العربي

وحول تأثير التحولات في السعودية على الوضع الثقافي والأدبي ومدى ما يمثله التحول الاجتماعي الأخير من  قدر كبير من الحرية في أعماله الشعرية المقبلة، أوضح “ما أطالب به منذ 15 عاما بدأت ألمس تحقيقه، فرسالتي ليست موجهة إلى المرأة والمجتمع السعودي فحسب، بل إلى المرأة والمجتمعات العربية كافة، وما زالت هناك مجتمعات تعاني من العادات والتقاليد، خاصة في المناطق غير الحضرية، وعلى الشعر طرح كل تلك المعاناة التي تصله حتى يستطيع المساهمة في التغيير الإيجابي وتشكيل مجتمع أفضل”.

وأشار إلى أن الشعب السعودي بدأ يلمس المتغيرات في الدول العربية على مدار العشرين عاما الماضية، و“المتابع للمشهد المحلي يلمس الكثير من التغييرات المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة، كي نصبح مجتمعا طبيعيا لأن المملكة مجتمع متحفظ على الحداثة والعصرنة، وهو ما أدى إلى تأخر التغيير”.

ويكمن التحدي الحقيقي الذي يقابله المجتمع السعودي في تقبل واستيعاب التغيير، لكن الجريفاني قال “كان من الممكن حدوث فجوة، إذا لم يكن المجتمع قابلا للتغيير، لكن اطلاع الشعب على ما يدور في العالم، عبر القنوات التلفزيونية والفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، أتاح للمواطن الاطلاع على ثقافات وأشكال حياة الدول الأخرى”.

وتابع “ما زالت المناطق والمحافظات النائية البعيدة عن المدن والحضر تتمسك بالعادات والتقاليد، وأحيانا يكون المجتمع مجبرا على تصرفات بعينها بحكم المواريث المجتمعية، وهو أمر طبيعي، وكل الدول مرت بمراحل تغيير، والنقطة المفصلية في التغيير أن يأتي متواكبا مع الحفاظ على الهوية وليس الخروج عنها واستبدالها بأخرى مختلفة، مع ضرورة التمسك بشخصياتنا وقيمنا وليس بالهوية الغربية”.

الجريفاني وقباني

لفت إبراهيم الجريفاني إلى أن الشاعر السوري نزار قباني مثله الأعلى، وإن اختلف عنه في الطرح وفي المضمون، فقد جاء نزار في فترة الخمسينات وما بعدها، وقت أن كان الناس ينظرون بقسوة إلى جسد المرأة ويعتبرونه عيبا، وجعلها بأشعاره تفخر بجسدها، لكن الجريفاني يعتقد أن “المرأة عليها أن ترتدي أجمل ما فيها من الفكر وتباهي بأنوثتها وليس بجسدها”.

وقال إنه أكثر حظا من قباني، الذي وجد صعوبة في وصول دواوينه إلى بعض الدول العربية لاسيما الخليجية منها بسبب الرقابة، ومحاكاته لجسد المرأة صادفتها بعض الضوابط في تلك البلدان.

وأضاف لـ“العرب” “في الوقت الراهن أصبح وصول فكر الكاتب يسير للغاية، ويتطلب من المبدع نهجا مختلفا، لذلك يجب الارتقاء باللغة والمدلول، وينبغي أن تتضمن أعماله رسالة، وتكون للشاعر لغته وأهدافه في الكتابة ليعيد إلى الأدب العربي الاهتمام بالتعبير والإنشاء والتصوير”.

ومع أن البعض يرى أن المرأة أقدر على التعبير عن مشكلات بنات جنسها، إلاّ أن ثمة رجالا برعوا في التعبير عن قضاياها وهمومها بصورة أكبر وأعمق من السيدات. وفسر الشاعر السعودي هذه المعادلة قائلا “متى ينظر الرجل إلى المرأة ويتعامل معها كصديق وليس كرجل يستطِعْ أن ينطق بلسانها، وأحيانا يحتاج الشاعر أن ينطق بلسان المرأة كي لا تتم شخصنة القضية، فحين تتكلم المرأة عن الحب فأول انطباع يتولّد لدى القارئ أنها قصة حب خاصة بها، وإن تكلمت عن المعاناة الزوجية يعتقد أنها تعيش حياة أسرية صعبة، أما عندما يتحدث رجل عن الحب أو المعاناة بلسان امرأة يمكنه أن يلامسها ويعبر عنها أكثر من نفسها”.

مدرسة مختلفة

يمتلك إبراهيم الجريفاني مدرسة شعرية مختلفة، ولم يشأ التقيد بمحاكاة الفكر المحلي أو مخاطبة الإنسان الخليجي فقط، ويبدو حريصا على تقديم نفسه كشاعر يقرأه العرب كافة، لأن الناس يعيشون في زمن التواصل الاجتماعي الذي أتاح الفرصة لمخاطبة كل الفئات والثقافات، ويتلقى المبدع ردود الفعل حيال أعماله في التو واللحظة.

وعلى الرغم من أن الجريفاني ينتمي إلى عائلة تقرض وتهتم بالشعر النبطي، فإنه عندما اطلع على تجربة الشعر الحديث استهواه أكثر، وهو ما أكده لـ“العرب” قائلا “كنت حريصا على نقل الفكر بلغات أخرى، وثمة صعوبة في ترجمة الشعر الموزون، بينما الشعر الحر هو الأفضل في النقل إلى اللغات الأخرى، وبالفعل كانت نظرتي في محلها فخلال 12 عاما ترجمت دواويني إلى خمس لغات، هي الإنكليزية والفرنسية والروسية والإسبانية والتركية”.

الشاعر السعودي يعترف بأن ثمة صعوبة في ترجمة الشعر الموزون، بينما الشعر الحر الأفضل في النقل إلى اللغات الأخرى

وولد إبراهيم الجريفاني في يناير عام 1958 في مدينة عنيزة بمحافظة القصيم السعودية، وبدأ حياته العملية في الصحافة لمدة 25 عاما، وعمل مذيعا في التلفزيون السعودي، وانتقل من عالم الصحافة والتلفزيون إلى الشعر، وهو ما يبرره بالقول “أحاول نقل تجربتي الحياتية التي خضتها طوال سنوات إلى الجيل الجديد بلغته، وأحرص على إصدار كتاب مع حلول ديسمبر من كل عام حتى أصبح ذلك عادة على مدار 12 عاما”.

وللشاعر السعودي العديد من المؤلفات والدواوين بينها “قلب من خوص”، و“أنسنة الحرف”، و“ترائب نورانية”، وأصدر أخيرا ديوانا جديدا بعنوان “خدين السماء”، وهو استمرار لنفس المشروع الفكري الذي اعتنقه عبر  إصداراته، ويحاكي ضمن قصائده المتغيرات الموجودة في الشارع العربي خلال السنوات الخمس الماضية.

وما يميز “خدين السماء” تضمنه كل الألوان الحياتية المعيشة، وثمة نبض وصوت مختلفان، فلم يتطرق فقط إلى مشكلات المرأة، بل يضم نصوصا عاطفية وإنسانية وفلسفية وأخرى إيمانية، بينها قصائد “يحاط بالأرض” و“فقه التعايش” و“طقوس هجرة الطيور” و“مزامير قلق الأرض”.

14