إبراهيم الصلحي سيد الأشكال التي يبتكرها نغمها

الأحد 2015/05/10
الصلحي فنان خلط سحر أفريقيا بالحرف العربي

حين رأيته آخر مرة كان يتوكأ على عصاه. قال لي بمرح “إبراهيم الصلحي لكن هذه المرة بعصا” ذكّرته أنا التقينا قبل أكثر من عقد من الزمن في المدينة نفسها. فقال “لم أغب عن هذه المدينة زمنا طويلا. كنت دائما هنا”.

مطر أوكسفورد

لم أقل له “أنت في الحقيقة كنتَ دائما هناك” بلده السودان هو ذلك الهناك الذي صار منذ سنوات طويلة يراقب آهاته من خلف ستارة من مطر أوكسفورد “حيث أقيم أنا وأولادي وأحفادي” لم أسأله “أما زلت تنتمي إلى ماضي ذلك البلد الذي يزداد مصيره غموضا مع الوقت؟”. فالصلحي الذي يبلغ اليوم الخامسة والثمانين من عمره، كان يوما ما رمزا وطنيا للتنوير والحداثة في بلد خطفه العسكر وهو في طريقه من النوم إلى اليقظة.

في معرضه الشامل الذي شهدته قاعات تيت مودرن بلندن عام 2013 كانوا يقولون “أفريقيا كلها هنا” غافلين عن أن الفنان الذي كانت أشكاله تتدفق بالسحر الأفريقي كان في الوقت نفسه حريصا على أن يضفي على خطوطه طابعا عربيا، وهو ما جعله ينتمي إلى قلة نادرة من الفنانين العرب الأفارقة الذين استطاعوا من خلال فنهم أن يخلقوا هوية معاصرة هي عبارة عن مزيج هويتين: عربية وأفريقية.

حين كنت أنظر إليه أو أراقبه من بعيد وهو يمشي ببطء وتواضع وثقة كانت أشكاله تمتزج في خيالي بصورته التي لم يُفقدها الزمن هالتها. كما لو أن الرجل الذي أراه كان قد طلع لتوه من إحدى لوحاته. فهل صنع الصلحي شيئا يشبهه أم أن الزمن الذي قضاه وهو يبتكر أشكاله قد أعاد صياغته، فصار خلاصة حية لتلك الأشكال؟

ربما سيكون أمرا مستغربا أن يخبرني أحدهم أن الصلحي عاش في إحدى المدن العربية 21 عاما من غير أن يخبر أحدا أنه فنان. حكاية قد لا تكون صادقة مئة بالمئة غير أن جزءا صغيرا منها قد يكون كافيا للكشف عن طبيعة العلاقة الروحية التي تربط الصلحي بفنه.

العائد إلى أصوله

ولد إبراهيم الصلحي في أم درمان في العام 1930. فشل في دراسة الطب فاتجه إلى دراسة الأدب، غير أنه ذهب إلى بريطانيا عام 1954 لدراسة الرسم في كلية (سليد) العريقة. لم يكن ذلك التحول مفاجئا، فلطالما انشغل الصلحي في طفولته بتزيين ألواح القرآن في مدرسة والده الدينية. وهو ما أنقذه من سوء فهم اجتماعي في ما بعد. فبعد أن أنهى دراسته في لندن وعاد إلى الخرطوم أقام ثلاثة معارض شخصية، لم تجذب الجمهور إليها، يومها سأل الصلحي نفسه “لماذا لا يقبل الناس على مثل تلك المعارض؟ لماذا لا يتمتعون بما أقوم به من أعمال فنية؟”.

مناصب رسمية عديدة تولاها الصلحي وصولا إلى منصب وكيل وزارة الثقافة في سبعينات القرن الماضي كان يسعى من خلالها إلى أن ينقل مدينته الفاضلة من سطوح اللوحات إلى دروب وساحات المدينة الواقعية، بعد أن كان قد تعلم الدرس جيدا

لم يستغرق البحث عن إجابة زمنا طويلا. لقد اكتشف الصلحي بنفسه أنه يكلم الناس الذين يحبهم بلغة لا يفهمونها. لغة ليست لغتهم كان قد استعارها من الآخر، الذي لم يكن سوى المستعمر. وهنا حدث التحول العظيم في مسيرته الفنية، بل وفي حياته كلها. كانت الزخارف العربية ــ الإسلامية من حوله تملأ الفضاء بإيقاعاتها التي تشكل خلفية للرقص الأفريقي الذي يهب البيئة خيالا نابضا.

يومها عاد الصلحي إلى اكتشاف مفردات لغته الأصيلة. صار كل ما تعلّمه في الغرب مجرد مرجعية تقنية، أما الحقائق الإنسانية فصار يستلهمها من البيئة التي تحيط به.

من المدينة الفاضلة إلى السجن

أكان ضروريا أن يغترب الصلحي بفنه لكي يكتشف أن سودانيته هي هوية مزدوجة، تطل به على غنى حضارتين إنسانيتين، العربية والأفريقية؟أعتقد أن مزاج الفنان المعاصر يتطلب وقوع مغامرة من هذا النوع. وهذا ما كان الصلحي مخلصا له بعمق وشغف.

هل كان تسلم الصلحي مناصب رسمية، وصولا إلى منصب وكيل وزارة الثقافة في سبعينات القرن الماضي نوعا من محاولة للصلح؟ كان الرجل يسعى بشهادة معاصريه إلى أن ينقل مدينته الفاضلة من سطوح اللوحات إلى دروب وساحات المدينة الواقعية، بعد أن كان قد تعلم الدرس جيدا.

لقد انصب همه يومها على رعاية ثقافة شعبوية ترتقي إلى مستوى هويتها التي هي مزيج بين حضارتين، عربية وأفريقية. وهو العالم الذي اختبره رساما، والذي تكمن غوايته في الأشكال الملهمة التي كان يستعيرها من المرويات والتعاويذ ورسوم الناس العابرين. غير أنه سرعان ما غادر المنصب الإداري إلى السجن، حيث قضى خمس سنوات بتهمة قرابته لأحد المتآمرين على نظام جعفر النميري. وحين أفرج عنه بالصدفة غادر الصلحي السودان إلى الدوحة ليكون مستشارا ثقافيا هناك لأكثر من عقدين من الزمن، وليغادرها إلى أوكسفورد عام 1998 ولا يزال مقيما هناك.

كانت تجربة السجن قد ألهمته كوابيس عالم لم يكن يتوقع أنه سيكون واحدا من أبنائه. كان ينشئ عالمه الجديد، مدينته الفاضلة بالمعنى السلبي على أنواع مختلفة من الورق، هي ما يمكن أن يسمح له وضعه في الحصول عليه. وهو ما شكل في ما بعد منجما لأفكاره ورؤاه التي ظهرت في رسومه التي نفذها في غربته، والتي صارت بالنسبة إليه وطنا بديلا.

حين اكتشف الصلحي ذاته وأقام صلحا معها، كان يفكر أن ذلك الصلح ربما سيكون نواة لقيام مدرسة فنية جديدة، تجمع بين الحرف العربي من جهة وبين الزخرف الأفريقي من جهة أخرى. كانت روحة تحوم في فضاء الصناعات التقليدية التي مرت العصور بها فلم تطحنها بل زادتها بريقا.

الوجدان السوداني لا ينسى كلام الصلحي الذي طالما قال (كان ضروريا بالنسبة إلي أن يشم المشاهد رائحة التراب الأم درماني، ومعها كل ما تحمله من معان تراثية ووجدانية وهو ينظر إلى اللوحة)

كان حلمه يقيم عند حدود وهمية، تكون الخرطوم منارتها، ويقال حينها إن مدرسة الخرطوم الفنية كانت بداية لوعي جمالي جديد، هو بمثابة بوابة تنفتح على جانبيها العربي والأفريقي.

“كان ضروريا بالنسبة إليّ أن يشم المشاهد رائحة التراب الأم درماني، ومعها كل ما تحمله من معان تراثية ووجدانية وهو ينظر إلى اللوحة” يقول الصلحي من غير أن يقلقه مصير لوحاته. لقد صارت تلك اللوحات جزءا من تراث الوجدان السوداني، بل إن قدرا عظيما منها تسلل إلى وجدان المشاهد العربي وهو يرعى ببصيرته كائنات فنان عربي كانت في الوقت نفسه تتباهى بأفريقيتها. فهل كان إبراهيم الصلحي محظوظا في الإقامة بين حضارتين؟

العربي الذي كان أفريقيا

كان إبراهيم الصلحي ولا يزال واحدا من أهم الرسامين العرب. يعنيني أنه أغنى الرسم العربي برؤى أفريقية، وهو ما لم يفعله أحد من رسامي شمال أفريقيا من قبله. كانت رسومه تحضر مثقلة بمزاج حداثة مختلفة. يحق للعربي المشرقي أن يصف تلك الحداثة بأنها حداثة عربية لا تشبه حداثتنا، أي حداثة الشرق العربي. لقد قيض للصلحي أن يكون ابنا لحضارتين وكان وفيّا لهما، وهو ما يفتح الباب أمام الفن العربي لفهم العلاقة الجمالية بقارة عظيمة، كان العرب قد ساهموا في خلق أسطورة بعثها.

لا يهم أصلا السؤال اليوم عمّن كان أكثر تأثيرا من الآخر في شخصية الصلحي: الأفريقي أم العربي؟ فالصلحي باعتباره رساما عالميا صار اليوم أكبر من لغته المحلية. لوحاته تنقل إلى العالم ألم أمة لا يزال مخاض ولادتها عسيرا. الصلحي الذي التقيته في الدوحة لم يكن بالرغم من حيرته إنسانا يائسا. هناك درجة من الأمل ينبغي تسلقها. يبستم وهو ينظر بعمق إلى عصاه.
9