إبراهيم الصولة ملحن النشيد الوطني الكويتي يرحل غاضبا بعد ألف أغنية

السبت 2016/10/08
إبراهيم الصولة طفل كبير يحمل مفتاح النوطة الموسيقية وفن السامري

بروكسل- لطالما كانت الموسيقى حاملة للكثير من التفاصيل التي تختصر تاريخ الأمم، فمن خلالها يتم تخليد الإنجازات عبر مقطوعات أدبية يتم نظمها في مناسبات معينة، وهي أيضاً المرافق الدائم للحروب والسلام، وقد ارتبطت الموسيقى بالتاريخ العربي القديم عبر لمحات كثيرة ربما كان الشعر العربي في جوهر نظمه إحدى أبرز صورها.

ومع تعاقب الحقب التاريخية صارت الموسيقى تؤدي العديد من الأدوار في تشكيل الهويات المختلفة لتكون دعامة أساسية من دعامات التراث الخاص بالأوطان. ومع بدء نشوء الدولة القُطرية ضمن الجغرافيا العربية، بدأ الاتجاه نحو رايات تمثّل الكيانات الجديدة، وأناشيد وطنية تكون العلامة الفارقة لها بين دول العالم أجمع، ولأن دول منطقة الخليج العربي تتمتع بتراث خاص وهوية ترتبط بامتداد الصحراء العربية، فإن لكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي قصة في إرساء النشيد الوطني الخاص بها. منذ أيام شيّعت دولة الكويت الفنان والملحّن والباحث الموسيقي إبراهيم ناصر الصولة، أحد أبرز ملحني جيل الرواد في الكويت، فالصولة امتاز بمسيرة موسيقية ارتبط اسمه من خلالها بالنشيد الوطني الكويتي، باعتباره الذي قام بوضع الألحان على كلمات الشاعر الكويتي أحمد مشاري العدواني.

إيقاعات الخليج

ولد الصولة في العام 1935 في المرقاب بحي القبلة، أو الجِبلة كما تُنطَق باللهجة المحكية في الكويت، ومنذ طفولته التي عاشها في عائلة فنية بين أخواله، ارتبط بالفنون الشعبية وهذا ما انعكس في ما بعد على نتاجه الموسيقي من خلال اتجاهه نحو فن “السامري”، وهو فن شعبي شهير في الجزيرة العربية ويتخذ صنوفاً عديدة بحسب المنطقة الجغرافية التي تمارسه، فله أوزانه التي تم إرساؤها في القرن التاسع عشر ليتم تطويرها في ما بعد، فهذا الفلكلور مبني في جوهره على الضرب بالدفوف وما يعرف بالمرواس، ومن خلاله يتم حفظ التاريخ الشفاهي التراثي للبلاد في بيئاتها المتنوعة بين البر والبحر والجبل.

ولأن السامري فنّ يقوم على الحركة، فإنَّ الصولة اتجه في بداياته نحو المسرح، لكنه لم يجد ضالته هناك فذهب إلى مركز الفنون الشعبية بالعاصمة الكويت مع نهاية خمسينات القرن الماضي، ومن هناك كانت انطلاقته الموسيقية. أدرك الصولة باكراً أن الموهبة تحتاج إلى التحصين العلمي الأكاديمي، ولذلك ما إن أنهى دراسته في مدرسة ملا مرشد في المرقاب حتى اتجه إلى القاهرة، وهناك أكمل دراسة الموسيقى في المعهد العالي للموسيقى العربية، حيث حصل على الدبلوم العالي في الآلات.

فرصة ذهبية

الصولة الذي يستمد اسمه من مفتاح النوطة الموسيقية عاش في عالم هادئ بعيد عن التجاذبات التي تعصف عادة بالأوساط الفنية، فقد كان صديقا للجميع، وربما هذا يعود إلى قسوة الحياة التي عاشها في طفولته حينما كان مسؤولا عن إخوته في فترة خروج والده إلى رحلات الغوص

قبل سفره إلى القاهرة بدأت مسيرة الصولة المهنية في العام 1960، حيث اتجه نحو المركز الثقافي العمالي، ثم انتقل إلى مركز رعاية الفنون الشعبية، وعمل مشرفاً في أستوديو إذاعة الكويت التي تم تعيينه فيها بداية ثمانينات القرن العشرين رئيساً لقسم الموسيقى بعد عودته من مصر. هناك كانت فرصته الذهبية. حيث شارك في العديد من اللجان ضمن الإذاعة، أهمها لجنة استماع الأغاني وإجازتها، لجنة إجازة الأصوات الجديدة، لجنة تصنيف الفنانين وتقييمهم، كما أن معارفه العلمية آنذاك مكَّنَته من إنجاز العديد من البرامج الإذاعية عن تاريخ الموسيقى في إذاعة الكويت ومن أهمها برنامج “فنان وألحان” وبرنامج “من تراثنا الغنائي” وبرنامج “للماضي ذكريات”.

إضافة إلى كون الصولة عضوا في اللجنة العليا لإقرار المنهج الدراسي بالمعهد العالي للفنون الموسيقية، وجمعية الفنانين الكويتيين، وعضو اللجنة الاستشارية للتوثيق الإعلامي للتراث والفنون، فإن إنجازاته الموسيقية كملحّن سارت عبر ثلاثة طرق، الأول تمثّل بالفن الشعبي وتحديداً “السامري”، فأعاد إنتاج بعض المقطوعات الشعبية موسيقياً، فقدّم أول لحن سامري عبر أغنية “سلمولي” غناء الراحل غريد الشاطئ، ليقوم بعد ذلك بالتشارك مع الشاعر الغنائي يوسف ناصر حيث تركا بصمة كبيرة في هذا المجال وخاصة عبر أغنية “يا قمر ليلي” التي أدّاها المطرب مصطفى أحمد.

أما المسار الثاني الذي اتخذه الصولة فكان الأغاني الطربية، وهنا خرج من عباءة اللحن التراثي ليقدِّم معزوفات عديدة، فقد عُرف الراحل بغزارة إنتاجه حيث وصلت مقطوعاته إلى ما يقارب الألف أغنية، أدَّاها مغنُّون من مختلف الدول العربية. الحدث الأبرز في حياة إبراهيم الصولة الموسيقية كان تكليفه بتلحين النشيد الوطني الكويتي، وهذا ما شكَّل له تحدياً كبيراً في بداية الأمر. القصة كما يرويها صاحبها بدأت عندما قرر المجلس الوطني للثقافة والإعلام في دولة الكويت منتصف سبعينات القرن العشرين اعتماد نشيد وطني للبلاد، فكانت الفكرة الأولى هي أغنية كوكب الشرق أم كلثوم ” يا دارنا يا دار” التي وضع ألحانها رياض السنباطي وكتب كلماتها الشاعر أحمد العدواني. فتم تشكيل لجنة قامت بإخطار الملحّنين الكويتيين بضرورة القيام بإعادة تلحين كلمات العدواني، هنا في هذا المفصل رفض الصولة القيام بذلك لقناعته أنّ إعادة التلحين لن تكون بقيمة اللحن الأول، قال حينها إنَّ الملحن عندما يتشبَّع بلحن آخر لن يستطيع إعادة إنتاجه من جديد.

إبراهيم الصولة "حلف" ألا يلمس العود مرة ثانية، نتيجة تردي أحوال الفن في الكويت

فكرة إعادة التلحين لم تلق النجاح المنشود. ما دفع المجلس الوطني للثقافة والفنون في الكويت إلى العدول عنها واعتماد كلمات النشيد الحالي للشاعر أحمد مشاري العدوان، وقام المجلس باختيار مجموعة من الملحّنين لوضع الموسيقى للكلمات، في تلك الفترة كان الصولة يتجهّز لتقديم الامتحانات النهائية في المعهد العالي للموسيقى العربية في القاهرة منتصف السبعينات من القرن الماضي.

قصة لحن

حاول الصولة في البدء التشبُّع من كلمات العدوان لترسيخها في عقله الباطن، ومن هنا كانت الانطلاقة بعد أيام قليلة، استطاع إيجاد المدخل الموسيقي الملائم أو ما يُعرف “المذهب” الذي يقوم عليه النشيد، ومع العثور على المذهب بدأ التفكير بالمقاطع الأخرى “الكوبليه”. يروي الصولة أن أكثر ما أقلقه هو بناء جملة موسيقية تردّدها الأجيال بمختلف شرائحها العمرية، ولا بد لهذه الجملة أن تكون سهلة المِراس، سلسة الحضور، قريبة من العاطفة، وهذا مردُّه إلى حساسية الملف الذي يشتغل عليه لالتصاقه بالهوية الوطنية الكويتية.

ما إن وضع الملحن الكويتي اللمسات الأخيرة على اللحن حتى تركه لأيّام كي يختمر ويخرج من عباءة التلقي الأول، وعقب ذلك قام بالعودة إلى الكويت حيث سلّم الملف جاهزاً إلى لجنة خاصة تولَّت المفاضلة بين الألحان المتقدمة. في ديسمبر من العام 1978، تلقى الصولة اتصالاً هاتفياً عرف من خلاله فوز لحنه فكانت تلك اللحظة كما يصفها “بالفاصلة” في مسيرته المهنية والإنسانية.

موسيقى النشيد الوطني الكويتي، تبدأ بضرب الطبول، في حالة شبيهةٍ بالإيقاعات العسكرية، ومن ثم تتوالى الثنائيات الموسيقية التي من الممكن أن يدرك المتلقي من خلالها ارتكاز ناظمها على التراث الكويتي المتأثر بالجزيرة العربية عموماً، وهذا يمكن تفسيره من البحث في حياة الصولة الذي كانت له آراء صارمة في ما يتعلق بالفن الشعبي الكويتي، ويقينه بأنّ تلك الفنون ولدت متأثرة بالفنون النجدية، مع تأكيده أنها امتلكت فيما بعد هويتها الخاصة من خلال التطوير الذي تعرّضت له، فالسامري الكويتي يختلف عن السامري النجدي بقبول إدخال ثلاث قوافي في القصيدة الواحدة.

الفن في الإمارات قد انتعش لوجود تأييد ودعم للفنان

خلال مسيرته الفنية التي استمرت ما يقارب النصف قرن من الزمان، حصد إبراهيم الصولة العديد من التكريمات والجوائز قبل أن يرحل عن الدنيا عن عمر ناهز الـ81 عاماً، فقد كرّمته دولة الكويت بوسام الدولة لتلحينه النشيد الوطني للبلاد. وفي أواسط تسعينات القرن العشرين كرّمته جمعية الفنانين الكويتيين. حصل الصولة بداية الألفية الجديدة على تكريم من دائرة الثقافة والإعلام في إمارة الشارقة، ليليه وسام التكريم من وزارة الإعلام بدولة الإمارات العربية المتحدة، وفي العام 2002 حاز على تقدير مهرجان عيد الموسيقى الدولي الخامس الذي ينظمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، ليكون عام 2003 نجم مهرجان تكريم رواد الإعلام في الكويت.

بانتظار عودة الغواصين

عاش الصولة الذي استمد اسمه من مفتاح النوطة الموسيقية في عالم هادئ بعيد عن التجاذبات التي تعصف عادة بالأوساط الفنية، فكان صديقاً للجميع، وربما هذا يعود إلى قسوة الحياة التي عاشها في طفولته حين كان مسؤولاً عن إخوته في فترة خروج والده إلى رحلات الغوص التي كانت تمتد لفترات طويلة على سواحل الخليج العربي، تلك الظروف هي ذاتها التي دفعته ليسلك درباً آخر لا يشبه طريق أبيه، فكانت الآلات الموسيقية بدءاً “بالكونترباس” ومروراً بالكمان ووصولاً إلى العود، ملاذاً له لتحقيق السكينة، لهذا أيضاً نجد سيرته غنية بالإنجازات، سواء على الصعيد الشخصي أو العام من خلال اشتغاله مع أبرز فناني الخليج العربي عبر عقود مضت.

لكن الصولة كان غاضباً في سنواته الأخيرة. فقد أعلن أنّه قد “حلف” ألا يلمس العود مرة ثانية، نتيجة تردي أحوال الفن في الكويت، على حدّ وصفه. وقال الصولة في حوار له مع الرأي العام الكويتية قبل عامين إن “كلّ دول الخليج تمشي على قانون الكويت نفسه، لكنها الآن تقدمت في النهج وبدأت تنفذ أعمالها بشكل صحيح، لذلك فإن الفن في الإمارات قد انتعش لوجود تأييد ودعم للفنان. وعلى حسب علمي فإنّ الفنان خالد الشيخ قد كلّف بعمل أوبريت ضخم جداً ميزانيته 25 مليون درهم، وهو أمر معدوم اليوم في الكويت”.

الصولة واحد من الذين رحلوا بصمت بعد صراع طويل مع المرض، تاركاً وراءه ألحاناً تردّدها الملايين من الحناجر من محبيه. فالسرُّ في نجاحه كما يقول العارفون بخبايا الموسيقى، يعود إلى ارتكازه على التراث الشعبي القديم إلى جانب قدرته على الممازجة بين اللحن وعواطفه الشخصية، وهذا ما يفسر قدرته على العطاء لفترة طويلة بتنوُّع ثري يناسب الجميع.

13