إبراهيم العساف.. وزير المال السعودي المغضوب عليه "شعبيا"

الأحد 2013/09/01
يرضى عنه كبار الكبار.. ويتذمر منه الأمراء والوزراء

الرياض – اعتبر الدبلوماسي والأديب السعودي الراحل غازي القصيبي، وزارة الصحة بأنها "محرقة الوزراء".. الصحة بلا شك تنال نصيبها من النقد الشعبي كقطاع خدمي لن يرضى عنه الجميع، لكن ماذا لو كان القصيبي وزيرا للمالية في السعودية؟ سيقول الأشد! وربما يفتح أقفال أبواب خزانة المال السعودي، التي لا يملكها! لنأخذ كل ذلك بمشاهدات الواقع في المملكة..

وزارة المالية السعودية، من الوزارات السيادية التي لا يحمل حقيبتها (أمير) على غرار الوزارات السيادية الأخرى، حملها سابقا في فترة من فترات الدولة الأمير مساعد بن عبدالرحمن، أخو مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبدالعزيز.

ومن بعد الأمير مساعد، لم يُعهد حمل هذه الحقيبة سوى لأسماء من خارج الأسرة الحاكمة، من محمد أبا الخيل، وعبدالعزيز الخويطر، وسليمان السليم، وحتى وصلت حقيبة الكنوز الغزيرة إلى يد إبراهيم العساف، ممسكا بها منذ يناير 1996 حتى اليوم.

في مسيرة وزارة المالية التي تعد من أقدم وزارات الحكومة السعودية، إما أن يعمّر بها وزيرها، وإما أن تشهد فترة التوزير الأقصر، وزارة لا تعرف الحلول الوسطى، بقدر ما تهيئ للجذور العُمرية فرصة الترسب داخل مكاتبها.

إبراهيم العساف من المنظور الرسمي (العالي) يُرى أنه مالئ مكانه ويؤدي دوره وفق ما تتطلبه منه مهنته ومسؤوليته في اقتصاد هو الأبرز في منطقة الشرق الأوسط، بل والعالم؛ حتى أصبحت السعودية من أهم 20 اقتصاد عالميا.

من منظور القياديين الأقل، في محيط أمراء المناطق الثلاثة عشر داخل المملكة الكبرى، وجميعهم من أمراء آل سعود؛ يرون أن وزارة المالية هي معطّل التنمية في بعض المناطق؛ نظرا لغياب المخصصات، وجعلت من العساف ووزارته في دائرة التذمر.

أما (شعبيا) فترى غالبية أطياف المجتمع السعودي أن إبراهيم العساف بشخصه وإدارته، سبب في تغيير مسار نهر الأموال الكبير وتنمية القطاعات الخدمية إلى مسار خارجي، وأحيانا في بناء سدود توقف هذا الهطل من سحابة العطاء التي تجتمع تحت باطن الأرض السعودية.

يقولون الكثير عن العساف، أن وزارته التي يشرف عليها لم تخرج من تغيير عقلية الاقتصاد الريعي، الذي لا يزال يشكل النفط أكثر من 80 ٪ من عماد الاقتصاد في المملكة (وفق تقارير اقتصادية)، إلى الاستفادة من تلك الأموال لتحويل الاقتصاد السعودي إلى اقتصاد منتج.

العساف كان حتى قبل العام 2005 مسؤولا عن إعداد خطط الدولة السعودية قصيرة الأجل وطويلته كذلك، عبر قطاع "الاقتصاد الوطني" الذي انضم إلى وزارة التخطيط ليكوّن مسارا جديدا لا يزال مثار جدل حتى الآن، استلم دفته مرافقه الاقتصادي الآخر محمد الجاسر، وليس ببعيد عن تفكير وتوجيه العساف.

حملات سعودية عديدة، تجتاح ساحاتها الإلكترونية، تهدأ فتوّتها لتعود من جديد مشتعلة، هدفها إقالة الوزير العتيق إبراهيم العساف.

فإن كان للعساف حضوره الرسمي المؤثر خارجيا، فظهوره على المستوى الشعبي السعودي محفوف باللعنات، يغربل كل القرارات الملكية التي تهدف إلى ملء الجيوب السعودية مالاً ولو كان يسيراً.. تلك رواية "شعبية".

من قرار العاهل السعودي بمنح مكافأة شهرية للباحثين عن العمل، وهو البرنامج الذي جاء بإسم (حافز) استطاع الوزير العساف ذو الابتسامة الدائمة حتى في أحلك المواقف، أن يتنفس طويلا بعد تقليل صرف ما وجه به الملك متعاوناً مع وزير العمل السعودي "الشجاع" ليصدم الباحثين عن العمل بشروط صارمة لم تعكس لكل باحثٍ عن العمل فرحته التي بُعثت من رحم الانتظار الطويل في بلد يسيطر على غالب أعماله الوافدون.. وتلك رواية "شعبية" أخرى.

روايات شعبية لم تحرك أي قرار ضد العساف، يدافع عنه أحيانا خبراء الاقتصاد، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية 2008 بأن الاقتصاد السعودي كان قويا نظراً لما اختزله عبر احتياطات وفوائض لتمويل مشاريع التنمية الاقتصادية وهو ما جعل تأثر اقتصاد المملكة محدوداً وبنوكها المحمية بأنظمة سعودية صارمة.

مطالبات شعبية تزيد قوتها اليوم، لـ"زيادة الرواتب" بعد تجاوز التضخم لمعدلات عالية قياسا بالدول المجاورة للسعودية، التي تعيش هي الأخرى على أطراف ذات الظروف، فيما تحاول السعودية سد منافذ ذلك بخطط "الرقابة" على الأسعار فقط.

والمجلس الاقتصادي الأعلى، الذي يرأسه قائد الدولة في المملكة، يحاول لملمة كل الظروف وجعلها في صالح الجميع، لكن المطالبات بزيادة الرواتب تتزايد إلكترونيا وتمثل ضغطا لم يكن أمام الوزير العساف وهو عضو المجلس الأعلى سوى الهروب منه.

على الطرف المحايد، يرى صندوق النقد الدولي بتقديراته للنمو الاقتصادي السعودي بواقع 4.4 من 10 لكن الوزير العساف يواجه الصندوق الدولي، ويرى أن تقديرات الخبراء الدوليين ليست صحيحة، مدافعا عن مسيرة وزارته وأن نسب نمو القطاع الاقتصادي بعمومه في المملكة جاءت مرتفعة!

وزير يدافع عن وزارته التي لا تزال تعتمد أسلوباً عتيقا في إجراءات الموازنة، التي كانت في وقت مضى تشكو العجز المالي نتيجة ظروف عديدة منها "فاتورة" حرب تحرير الكويت التي دفعتها السعودية وتخلصت من أعبائها.

وخصصت السعودية بعد ذلك، كل فائضها الذي وصل إلى ما يقرب من ثلاثة تريليونات ريال (800 مليار دولار) في بضع سنوات فقط للتنمية ومنها مجال الإسكان الذي يعود إلى أزمته السابقة في السبعينيات الميلادية من القرن العشرين لكن بشكل تضاعف مع نمو سكانها. وخصصت منه كذلك للنقل العام الذي بدأت تدق أولى مشاريعه أرض العاصمة السعودية.

وتخصيص الفائض كذلك لمعالجة الفقر الذي أصبح الحديث عنه متاحا بعد زيارة الملك السعودي الحالي في العام 2002 حين كان وليا للعهد، لبعض الأحياء الفقيرة بمدينة الرياض، التي تجاور بعض قصور أمرائها العامرة.

ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية تفيد بعدد الفقراء السعوديين إلا أن التقارير الاقتصادية المتخصصة تشير إلى ارتفاع نسبة الفقراء بناء على أعداد المستفيدين من "الضمان الاجتماعي" الحكومي الذين يتجاوزون المليون مستفيد، وهو ما خلق تنبؤات الاقتصاديين في المملكة بزيادة الفقراء رغم "توجيهات ملكية" بالقضاء على الفقر ووضع خطط لمعالجته بناء على فوائض الأموال المتطايرة.

هذا في وقت تعيش فيه بعض المناطق السعودية في الأطراف شمالا وجنوبا، أزمات تنموية لم تحلها خطط سابقة وغابت حتى في خطط لاحقة، وسط زيارات عديدة من وزراء الحكومة السعودية لتلك المناطق إلا أنهم يصطدمون بجبل إدارة العساف الذي يظهر من الحدود الشمالية ويختفي جزء كبير منه في بحر جازان الجنوبية.

إضافة إلى ذلك، لا تزال بعض المشاريع السعودية "الكبرى" على ورقها منذ إعلان الملك عبدالله تأسيسها حين وصوله إلى سدة الحكم في العام 2005 منها مشاريع المدن الاقتصادية في رابغ، وحائل، والمدينة المنورة، وجازان، وهي مناطق لا تزال حالمة طامحة في تغيير استراتيجيات الورق إلى تنفيذ، تشرف عليها هيئة الاستثمار السعودية.

من يواجه العساف وملف الاقتصاد الكبير من كتّاب واقتصاديين، فغالبا ما تتقاطع تلك المواجهة مع السلطة السياسية فيُمنع ما يُكتب ويُرسل خلف غيابة الحجب، ربما الحجب الشخصي أحيانا، لأن الاقتصاد وجه من عملة وطنية وجهها الآخر سياسة.

فيما يعتبر ملف البطالة المؤرق الأكبر للحكومة السعودية، تحاول معه حاليا تصحيح أخطاء سابقة فتحت المجال أكثر لهجرة مالية كبرى من الوافدين السعوديين الذين يتجاوز عددهم في المملكة أكثر من ثمانية ملايين وافد وتتجاوز نسبة البطالة فيه 12 ٪ للفئة العاملة وفقا لتقارير اقتصادية.

خطاب "شعبي" تغير من مرحلة "نحن راضون" إلى "نحن محتاجون" وسط صمم حكومي يدفعه رجال الحكومة من مؤشرات وأصوات عالمية يصدح صداها في صحاري السعودية وجبالها؛ أن النفط سينتهي "عاجلاً أو آجلا" نظرا لاعتماد السعودية على النفط، واستيرادها لما تنتجه الدول الصناعية.

العساف، يرى أن مراحل تنوع الاقتصاد السعودي وتحقيق مستقبل أفضل يكمن في برامج اقتصادية يقول إنها دخلت حيز التطبيق وتعوم في حلول تهيئة "المنشآت الصغيرة والمتوسطة" وهي أهداف بعيدة لا تطفئ النيران من حوله.

خطة العلاج للمستقبل تحملها الأقلام السعودية وأفكار خبرائها كذلك؛ ببناء "عقل بشري تقني مبدع" لا يمكن أن يتحقق إلا بتغييرات جوهرية في منظومة الاقتصاد الوطني السعودي. إلا أن خطط التنمية الاقتصادية لا تزال في مباعدة بين بناء الإنسان وبناء المادة، التي تشترك فيها القطاعات المالية التي يرأس غالبها الوزير العساف.

ويكرر الاقتصاديون أن بيد العساف ووزارته اليوم تغيير خطوات المرحلة السابقة التي تجاوزت الأربعة عقود، وتحقيق توزيع عادل لتنمية المناطق، وكذلك وضع حلول جذرية "حقيقية" لمشاكل البطالة والإسكان، وإعادة أعداد طبقة الفقراء الكبرى الحالية نحو طبقة وسطى وُصفت بـ"المتآكلة".

5