إبراهيم الفقي معلم النجاح الذي قتلته الطاقة السلبية

السبت 2015/05/02
الفقي صانع للأمل احتل الصدارة بين خبراء العصر

“ابتعِد عن الأشخاص الذين يحاولون التقليل من طموحاتك بينما الناس العظماء هم الذين يشعرونك أنك باستطاعتك أن تصبح واحداً منهم”. كانت هذه الكلمات مفاتيح نجاح الراحل إبراهيم الفقي، وللصدفة كانت تلك الكلمات هي آخر ما كتبه على حسابه الخاص على تويتر قبل وفاته بساعات.

مُذ كان طفلاً، لم يفارق مخيلته أنه سيكون مديراً لأحد أهم الفنادق وأكبرها وسيحصل على شهرة ويصبح من أثرياء العالم، وعلى الرغم من أن كل الظروف التي واجهته لم تكن لتوحي له بأن حلمه ممكن التحقيق، إلا أنه ظل يحلم بإمكانيات شبه معدومة، مما جعله عرضة لسخرية أقرانه. حتى حينما غادر إلى كندا أملاً بفرصة عمل مميزة تعرّض لصدمة مُحبطة كونه لا يتحدث لغة البلد وليس لديه شهادة جامعية تؤهله للعمل فلم يجد أمامه سوى غسيل الأطباق في أحد المطاعم.

غاسل الصحون

بطموح لا يعترف بالحدود، وبفترة زمنية قصيرة نسبياً تمكن الشاب إبراهيم الفقي من تحقيق حلمه وتوقعات أستاذه في اللغة الإنكليزية الذي كان من محُفّزيه كما كان من أوائل من توقعوا له مستقبلاً مميزاً. فعلى المستوى العملي تحول الشاب إبراهيم من مجرد عامل بسيط في غسل الأطباق بمطبخ أحد الفنادق إلى رئيس لمجلس إدارة الفندق نفسه، ثم مديراً لأشهر سلسة فنادق في كندا.

وكذلك على الصعيد العلمي فبعد أن كان الكتاب الأول الذي ألفه الفقي قد طُبع ونُشر على نفقته لأنه ما من أحد وافق على نشره وبيعت منه خمسة آلاف نسخة، ووصل عدد نسخ كتبه المبُاعة بعد ذلك إلى الملايين. بدأ دراسة علوم التنمية البشرية وطور نفسه ومهاراته حتى أصبح مؤسس علم الطاقة البشرية وعلم التكيف العصبي، وصار واحداً من بين أشهر ستة في مجال التنمية البشرية على مستوى العالم وصاحب موسوعة أدبية كاملة في علم التنمية البشرية. ليستمر في مواجهة إحباطات الحياة ويتابع مسيرة النجاح المُذهل الذي جعله يستحق بالفعل لقب صانع الأحلام الأول في العالم.

المفاتيح العشرة

من وحي تجربته الخاصة استوحى الفقي المفاتيح العشرة للنجاح والتي أفرد لها كتاباً خاصاً حمل نفس الاسم، حدد في هذا الكتاب معايير النجاح وهي الدوافع، الطاقة، المهارة، الفعل، التوقع، الالتزام، المرونة، الصبر، الاعتقاد، الاستمرارية. صانع النجاح كان قد اشتهر بابتسامته وتعبيرات جسده اللافتة التي تشُدك لتسابق أحلامك وتسافر معه في آلة الزمن وترى نفسك قد حققت كل ما تصبو إليه في مخيلتك. هذا كان سر نجاحه في تدريب أكثر من مليون شخص على فنون الاتصال وطرق النجاح.

أهم ما نادى به الفقي أنه لا ينبغي القول إن هناك شخصا سلبيا وشخصا إيجابيا وإنما ثمة سلوك سلبي يتعين به الشخص على الدوام ويصبغ شخصيته بصبغة سوداوية ولكن هذا لا يمنع أن يكون لديه طاقة إيجابية ولكنها تبقى كامنة في انتظار الفرصة المناسبة

يرى الفقي أن العلم طريق لاكتشاف الله وحبه، وفي هذا تجد الفقي موقناً بأن توقع النجاح هو ما ورد في القرآن من أن الإنسان يدعو ربه وفي نفس الوقت يتوقع الإجابة وهذا يعطيه طاقة إيجابيه تحمله على بذل المزيد من الجهد، ويربط الفقي هنا الطاقة الإيجابية الناجمة عن التوقع بإحدى الحقائق الميتافيزيقية التي تقول إن عقل الإنسان كالمغناطيس فحينما يتوقع الإنسان أي نجاح ويُسخر مشاعره له، سيلاحظ أن كل الأشخاص والمعلومات اللازمة للنجاح بدأت تنجذب وتتقدم باتجاهه وسينجح فعلاً. ولهذا فإن من أهم ما كان ينادي به الفقي هو تجنب الحديث السلبي مع الذات، والذي يعتبر أنه في ثمانين بالمئة من الحالات يكون سلبياً وعشرين بالمئة فقط إيجابيا، ويضيف: هذا ما يجعلنا حينما نتوقع الشرور والفشل يحصلان فعلاً لأننا لا شعورياً ننساق إلى المُحبِطات.

ولهذه القراءة الميتافيزيقية ما يثبت صحتها في التحليل النفسي وعلم الأعصاب فالرسائل العصبية المتكررة والمُشبعة بتوقع الفشل والألم تصل إلى الدماغ الذي يتعامل معها حينئذ كوقائع ستحدث آجلاً أم عاجلاً ويفرض بهذا على الفرد أنماطاً سلوكية تتماشى مع الصدمة المقبلة والتي تأتي في حالات كثيرة تماماً كما توقعناها، ومن هنا ينطلق الفقي في أن الثقة بالله وبأنه لن يخذل الإنسان المجتهد هي أساس التفكير الإيجابي، والعكس صحيح.

الطاقة السلبية القوة الداخلية المدمرة

أي شيء تتوقعه وتضع معه شعورك وأحاسيسك يصبح اعتقاداً في العقل اللاواعي، أما التفكير الإيجابي فيجعلك ترى كل شيء إيجابيا والتوقع السلبي يجعلك ترى كل شيء من حولك سلبيا، فالتوقُع بحسب نظرية الفقي في منتهى القوة، ولكنه أيضا في منتهى الخطورة، وخاصة التوقع الآتي من الآخرين، ولهذا يركز الدكتور الفقي في البرمجة اللغوية العصبية، على أن إصرار الأهل على التعامل مع الطفل على أنه مشروع فرد فاشل سوف يجعل منه فاشلاً بالضرورة ويتحدث عن تجربته الذاتية مع مدرس اللغة الإنكليزية الذي قال له يوما: إنك ستكون شخصاً على قدر من الأهمية، وكان حينما يعود إلى البيت يطلب من أهله ألاّ ينادوه باسم إبراهيم وإنما باسم حسني وهو الاسم الذي يطلقه المدرس على الطلاب المتفوقين في اللغة الإنكليزية. لذلك حذر الفقي مراراً من التوقعات السلبية وخاصة التوقعات التي نتلقاها من المحيطين بنا، والتي لا يجب بأيّ حال من الأحوال النظر إليها بسلبية لأننا لو بحثنا فيها سنجد فيها إيجابية حكماً وإن تمكنا من كنهها نكون قد أمسكنا بأول مفاتيح السعادة.

البرمجة اللغوية العصبية عند الفقي ترتكز على أن إصرار الأهل على التعامل مع الطفل على أنه مشروع فرد فاشل سوف يجعل منه فاشلا بالضرورة ويتحدث عن تجربته الذاتية مع مدرس اللغة الإنكليزية الذي قال له يوما: إنك ستكون شخصا على قدر من الأهمية، فكان ما قاله له المدرس

ومن أهم ما نادى به الفقي بأنه لا ينبغي القول إن هناك شخصاً سلبياً وشخصاً إيجابياً وإنما ثمة سلوك سلبي يتعين به الشخص على الدوام ويصبغ شخصيته بصبغة سوداوية ولكن هذا لا يمنع أن يكون لديه طاقة إيجابية ولكنها تبقى كامنة في انتظار الفرصة المناسبة. ولا يغفل في كل محاضراته عن الاستشهاد على نظريته من خلال التجارب التي أُجريت في هذا الصدد والتي أكدت صواب الأفكار التي نادى بها. وللراحل مقولة هامة في هذا الصدد حيث يقول: إن كُسرِت البيضة من الخارج فإن حياتها قد انتهت أما إن كُسرت من الداخل فإن هناك حياة جديدة قد بدأت، الأمور العظيمة تبدأ دوماً في داخلك أنت.

وداعا لتوارد الأفكار

من الأفكار التي كان يطرحها الفقي أيضاً ما كان معروفاً بتوارد الأفكار ونلاحظه حينما نفكر بأمر ما، أو شخص ما فنفاجأ بأن الشخص نفسه كان يفكر بنا أو يتصل بنا في الوقت ذاته. يفسر الفقي هذه الظاهرة بالطاقة البشرية التي ينشرها الإنسان حينما يفكر بشيء ما. ثمة ذبذبات عصبية يرسلها الإنسان فيتلقفها الآخر. ويعطي على هذا كثيراً من الأمثلة الشخصية عن حوادث مر بها وأطفاله وكيف أن بعض توقعاته والطاقة السلبية التي كان ينشرها كانت سبباً في تعرضهم لحوادث سبق وتخوف منها وتوقعها، على سبيل المثال: احترسي كي لا تقعي من السلّم، و يرى أن تركيز الجهد والطاقة من قبل الابنة لتجنب الوقوع الذي توقعه لها الأب كان سبباً لوقوعها.

وكذلك يفسر حالة أننا حينما نتوقع أن شخصاً ما سوف يعاملنا على نحو معين فكل ما نقوم به هو أننا نرسل ذبذبات عصبية إلى الطاقة الخاصة بالآخر ومن جهة أخرى فنحن نكون قد هيأنا أنفسنا لنكون على استعداد لتلقي الإساءة، وحينها لن نرى في أي من سلوكاته إلا ما هو مُسيء لنا وهذا ما يفُسر الاختلافات أحياناً على قضايا بسيطة وأحياناً بين الأشخاص الذين لا يختلفون في آرائهم. كل ما في الأمر أن أحداً ما توقع أن الآخر سيسيء إليه فيوعز لعقله بأن يتخذ إجراءات الدفاع لمواجهة الإساءة فيصبح عاجزاً عن فهم النصيحة أو مجرد الانتقاد إلا كإساءة. وبالمقابل فإن الثاني يفهم جيداً أنه مهما بذل من الجهد فلن يفهم الأخير كلامه سوى على نحو سيئ في كل الأحوال وهنا يفقده أيّ رغبة بإضاعة الوقت لإقناعه وهذا أبرز معوقات التواصل الاجتماعي.

لأنني أعلم أن ما من شيء يجعل الدكتور الفقي سعيداً أكثر من أن يفكر مُحبوه، وإن بطريقة موته، بما يتفق مع ما تعلموه من أفكاره، فإنني سأنحو هذا النحو ولا أزعم أني أقدم رؤية متفردة ودقيقة مئة بالمئة، ولكن أحاول من خلال معرفتي في التحليل النفسي أن أربط أفكاره ومخاوفه الشخصية مع الطاقة السلبية التي أبداها يوم استشعر أن ثمة حريقا ما في الفندق الذي كان يقيم فيه. حدث هذا قبل عشرين عاماً من وفاته.

من أكثر المبادئ التي رسخت في أذهان متبعي قواعد الفقي في العالم قوله: إن كسرت البيضة من الخارج فإن حياتها قد انتهت أما إن كسرت من الداخل فإن هناك حياة جديدة قد بدأت، الأمور العظيمة تبدأ دوما في داخلك أنت

الدكتورة أمل الفقي زوجته كانت قد روت بعض الحوادث التي أرادت منها الاستدلال على وجود شُبهة جنائية في قضية وفاته حيث فاجأت جمهوره بامتلاكه لحاسة شم مميزة للغاية وهي بهذا تُفند دعوى عدم إحساسه برائحة الحريق حينما التهم الشقة التي تقع تحته مباشرة. تقول “إنه يمتلك حاسة شم قوية جداً طب كيف أصدق أنه لم يشم رائحة الدخان؟” وتستدل على استحالة الأمر من حادثة حصلت معهما منذ عشرين عاماً حينما كانا في أحد الفنادق في القاهرة كان قد أخبرها أنه يشم رائحة حريق حينها توجه بسرعة نحو الشُرفة ولوح بيده لحارس البناء وصرخ قائلاً “شيء ما يحترق تعالوا وأنقذونا نحن في الطابق السابع.

ولكنه شعر بأن أحداً ما لن يكترث لأمر الرائحة فطلب من زوجته أن تُحضر جوزات سفرهم ونزلوا فوراً، وبالفعل كان هناك ماس كهربائي في البناء. حارس المبنى برر أنهم لم يستخدموا صفارات الإنذار حرصاً على راحة النُزلاء. المهم في ما روته زوجته أنه تحسس رائحة ماس كهربائي اندلع في الطابق الأول فكيف لم يتحسسها وقد اندلعت النيران في الطابق الذي يقع تحته مباشرة؟

وبعيداً عما إذا كان الحادث مدبراً بالفعل، إن فكرنا بالطاقة السلبية واحتمال وجود مخاوف خاصة والتي كان يشعر بها الفقي حيال الكهرباء والتي يبدو لي أنها ربما كانت موجودة لديه، وانطلاقاً من أفكاره نفسها يمكنني أن أسأل نفسي كيف استطاع أن يشم رائحة ماس كهربائي وقع في الدور الأول وهو في الطابق السابع إن لم يكن فعلياً لديه هاجس أو تخوف من موضوع الحرائق يجعله يتحسس رائحتها عن بُعْدٍ لا سيما وأنه في يوم حادث الوفاة لم يجر الفقي أيّ اتصال بأيّ من أقاربه أو أخيه الذي يسكن بنفس الطابق، وهنا يمكننا الحديث فعلاً أنه مات فوراً بسبب إدراكه أنه لن ينجو هذه المرة، هذا ما كان يتحدث عنه الفقي طيلة محاضراته، مواجهة الموقف الصادم والمؤلم بعزيمة عالية وعدم إتاحة الفرصة له كي يهزمنا، وهو الذي كان يحدثنا عن كثيرين ممن ماتوا بالسرطان لأنهم كانوا يعتقدون فعلاً أنهم سيموتون به.

12