إبراهيم بوسعد ابن جيل بحريني ابتكر حداثته

بوسعد ينتمي إلى جيل قُدر له أن يتعلم فكرة المغامرة من الجيل الذي سبقه لا ليبقي الرسم في مكانه بل لكي ينتقل به إلى مكان آخر، لم يكن الرواد يظنونه موجودا.
الثلاثاء 2019/08/13
رسام يصنع هويته من خلال متعته

ليس من اليسير أن يكشف الرسام عن إخلاصه للبيئة المحلية في بلد كالبحرين حين يكون راغبا في الانتقال بتقاليد الرسم من موقع ثابت إلى موقع متحرك، تكون فيه الأشكال على قدر من الغموض في التقاط مفردات الحياة اليومية بطريقة غير مباشرة.

فالغواصون الذين يبحثون عن لؤلؤة تكون بمثابة تكريس لمغامرتهم يعتبرون كل خطوة من خطواتهم هي نوع من الدرس الذي يجب أن يحفظ في قرطاس من ذهب. وتلك هي رؤية الجيل الأول من الرسامين البحريين الذين أغوتهم المغامرة الحداثوية غير أنهم حين عثروا على أساليبهم صاروا ينظرون بريبة إلى ما كان يجري من حولهم من انقلابات.

جيل الحداثة الأول

تأثُّر بوسعد بالمحترف العراقي يعود لكونه درس الرسم أساسا في بغداد. غير أن الفنان بحث في الفن العالمي الحديث عن مصادر إلهامه وتأثر بها. فكانت عراقيته {المفترضة} جزءا من اتصاله المباشر بالعالم
بوسعد بحث في الفن العالمي الحديث عن مصادر إلهامه وتأثر بها

إبراهيم بوسعد ينتمي إلى جيل قُدر له أن يتعلم فكرة المغامرة من الجيل الذي سبقه لا ليبقي الرسم في مكانه بل لكي ينتقل به إلى مكان آخر، لم يكن الرواد يظنونه موجودا.

لم ينقلب جيل بوسعد على حداثة ورثها. ذلك لأن التجارب الفنية التي أسست لظهور الرسم في البحرين لم تكن معنية بالتلويح بحداثتها، بقدر ما انصب اهتمام أصحابها على تكريس الرسم باعتباره فعلا ثقافيا يستمد قوته من تأثيره الاجتماعي. كانت المغامرة ذات طابع مزدوج ثقافي واجتماعي.

بوسعد فتح نافذة على الفن العربي. وهو ما فعله أبناء جيله. صارت البحرين جزءا من العالم بسبب تلك المحاولة. فإذا كان جيل الرواد قد عثر على اللؤلؤة فإن الجيل اللاحق عرف كيف يعيد تشكيل تلك اللؤلؤة بما ينسجم مع ذائقة ومزاج العصر.

ربما ليس من المجازفة في شيء إذا ربطتُ الحداثة الحقة بجيل بوسعد. أما ما سبقها فقد كان عبارة عن محاولات عميقة في الاقتراب من الحداثة.

سيُقال دائما إن بوسعد تأثر بالمحترف العراقي لأنه درس الرسم في بغداد. ذلك صحيح. غير أن الصحيح أيضا أن الفنان بحث في الفن العالمي الحديث عن مصادر إلهامه وتأثر بها. فكانت عراقيته “المفترضة” جزءا من اتصاله المباشر بالعالم.      

سيكون هناك نوع من الفوضى. ذلك لأن بوسعد لم يكن وحيدا في ذلك المجال. كان إلى جانبه فنانون كبار مثل الشيخ راشد آل خليفة وعبدالجبار الغضبان وشريف عبدالرحيم، لكل واحد منهم نظرته الخاصة إلى الحداثة الفنية في تحولاتها.

كانت لبوسعد تحولاته الأسلوبية وهي تحولات كانت انعكاسا لتطور رؤيته الفنية التي قوت أواصر صلته بالعالم. وهي صلة مزجت بين التعرف والتعريف. فإذا كانت البحرين حاضرة في رسومه من خلال مفردات حياته فإن العالم هو الآخر كان حاضرا بقوة من خلال تجارب فنانيه التي ألهمت بوسعد الكثير من حلوله الجمالية. إنه رسام بحريني خالص تحرر من ماضيه ليكون ابن تجربته في كل تحولاتها الأسلوبية.

بين الرسم والخط

– البحرين حاضرة في رسومه من خلال مفردات حياته، بينما يبدو العالم حاضرا بقوة، هو الآخر، من خلال تجارب فنانيه التي ألهمت بوسعد الكثير من حلوله الجمالية
البحرين حاضرة في رسوم بوسعد  من خلال مفردات حياته، بينما يبدو العالم حاضرا بقوة، هو الآخر، من خلال تجارب فنانيه التي ألهمت بوسعد الكثير من حلوله الجمالية

ولد بوسعد في المحرق عام 1964. درس الرسم في بغداد وتخرج من أكاديمية الفنون الجميلة عام 1978. ثم عمل في وزارة التربية والتعليم حتى عام 2007 وبعدها تفرغ للرسم. كانت بداياته في العمل خطاطا ثم انتقل إلى تصميم الكتب المدرسية. اهتم الفنان بتصميم وإخراج الكتب الأدبية وبالأخص كتب الأطفال.

أقام معرضه الأول عام 1985 على صالة قاعة جمعية البحرين للفنون التشكيلية التي هو واحد من مؤسسيها. بعد ذلك المعرض أقام بوسعد أكثر من 15 معرضا، معظمها داخل مملكة البحرين. أما على مستوى الخارج فقد شارك في بينالي القاهرة وبينالي الشارقة وبينالي بنغلادش، كما عرض أعماله في معارض مشتركة في الكويت ولندن وباريس ومسقط وأصيلة ودبي وطهران والدوحة.

درس بوسعد الرسم على أيدي كبار الرسامين في العراق، وفي مقدمتهم الرائدان فائق حسن وحافظ الدروبي. وهو ما فتح أمامه الطريق لتعلم حرفة الرسم على أصولها. غير أن بوسعد ظل متمسكا بحرفته الأولى خطاطا. وهو ما دفعه إلى أن يزاوج بين الخط العربي والرسم. فكان أن زجت به أعماله بين صفوف الحروفيين العرب، من غير أن تكون تلك الأعمال تطبيقا للنظرية التي دعت إلى استلهام الحرف العربي جماليا.

لم يكن بوسعد في حقيقة ما فعله فنانا حروفيا خالصا. لقد سحره الخط العربي فأدخله في لوحاته باعتباره كيانا مستقلا. ولتأكيد ذلك الموقف فقد شارك الفنان في العديد من ملتقيات الخط العربي. وكما أتوقع فإن بوسعد لم تكن لديه مشكلة فيما لو لم يتم الاعتراف به فنانا حروفيا. فما أنجزه على مستوى الرسم يكفي لوضعه في الصف الأول من بين فناني جيله.          

وهم المرأة في حقيقته

لم يكن بوسعد في حقيقة ما فعله فنانا حروفيا خالصا
لم يكن بوسعد في حقيقة ما فعله فنانا حروفيا خالصا

كانت المرأة ولا تزال موضوعه الأثير. من خلالها اقتحم مفهوما مركبا عن الرسم. ذلك ما جعله قادرا على التحرك مكتشفا في اتجاهين. المرأة والرسم. تمعن فيهما وفكر في علاقته بهما وعلاقته بالعالم من خلالهما.

فالمرأة هي خلاصة تجربة حياة، لكن تلك التجربة لا تكشف عن أبعادها إلا من خلال الرسم الذي هو حل يشبه إلى حد كبير المرأة من جهة لغزيته وغرابته وعمقه وغموضه وقدرته على احتواء سطوح متعددة على سطح واحد.   لوحة بوسعد هي عبارة عن سطوح، يشف بعضها عن البعض الآخر. بالنسبة له فإن المرأة لا يمكن الاكتفاء بما يُرى

منها ليكون سبيلا إلى معرفتها. فهناك سطوح تحت ما يُرى تُعد بلغة مختلفة، هي الأصل في ما يمكن أن أسميه بالضالة الجمالية.

شغف الفنان برسم النساء في مراحل مختلفة من تجربته الفنية قاده إلى أن يعثر على نقاط تشابه بين المرأة والرسم. وهو ما شجعه على النظر بطريقة “تكعيبية” متأثرا في ذلك بتجربة بيكاسو الذي أكثر هو الآخر من رسم النساء.

في الحقيقة لم يكن الأسلوب ضالته. كان الأسلوب هو طريقته الأكثر تعبيرا عن حاجته إلى معرفة المرأة والرسم معا، كونهما حقيقتي وجود لا متناه.

في رسوم بوسعد يمتزج الواقع بالحلم. المرأة التي تكشف عن جمالها الخارجي هي ذاتها المرأة المحلوم بها، باعتبارها كائنا لا يقيم في شكل بعينه. إنها الكائن الذي يمتحن من خلاله الرسام أدواته في قدرتها على التماهي مع حقيقة الإلهام بكل أبعاده. ومن الصعب هنا تحديد مَن سبق الآخر في الكشف عن سطوحه المتعددة، الرسم أم المرأة؟ لقد قُدر لهذا الرسام أن يرسم نساءه كما لو أنهن قادمات من الرسم، كما أنه استطاع أن يختبر الرسم في قوة ملاحظته للمكر الأنثوي الأبيض. علاقة متأنية تخللها الكثير من الكدح الجمالي عبر أكثر من أربعين سنة.

في محيط عالمي

بالرغم من تأثره باتجاهات فنية عالمية معروفة فقد كان بوسعد وفيا لبيئته المحلية من خلال استلهام قوة تأثير مفردات جمالية تكشف عن نوع من الحساسية البصرية التي لا يمكن العثور عليها إلا في بلد كالبحرين.

لقد رسم نساء من البحرين لا تخطئهن العين بالرغم مما يحيط بهن من مظاهر عالمية بسبب طريقة النظر التي هي انعكاس لخيرة الرسم. ولهذا يمكنني القول إن محلية بوسعد لم تكن مقصودة لذاتها. كانت هويته تصنع عناصرها تلقائيا من غير أن تتناقض مع نزعته في إنتاج فن يقدمه إلى العالم. إبراهيم بوسعد هو صانع تقاليد فنية رسخت أسس المحترف الفني في بلاده. 

في رسوم بوسعد يمتزج الواقع بالحلم
في رسوم بوسعد يمتزج الواقع بالحلم

 

13