إبراهيم جابر إبراهيم: الكتابة حالة من الكذب على النفس

نسمع اليوم كثيرا عن المهام المنوطة بعهدة المثقف العربي تجاه واقعه المضطرم والضبابي المخيف، ولكن هذا المثقف المبدع أو المفكر الذي يعاني بدوره أكثر من غيره من التهميش والقمع، يحمله الكثيرون اليوم ما لا طاقة له به، فكأنه صاحب الخلطة السحرية ذات النتائج الفورية لمجابهة الواقع المليء بالحرب والعراقيل والإشكالات، بينما نعلم كلنا أن نتيجة أي فعل ثقافي لا تكون آنية بل تراكمية قد تتطلب سنوات لتنضج ويظهر أثرها للعيان. “العرب” التقت الكاتب الفلسطيني إبراهيم جابر إبراهيم، وكان لنا معه هذا الحوار حول الكتابة والمثقف.
الثلاثاء 2015/11/17
الحرية ليست حالة فوضى بل هي الضمانة التي تحول دون الفوضى

أنا ابن “الرملة” لاجئا منها إلى “أريحا” نازحا منها إلى “مخيم الوحدات” في عمّان حيث قضيت أكثر عمري وأغناه، مهاجرا منه في أراض وبلاد كثيرة، هكذا يقدم نفسه الكاتب الفلسطيني إبراهيم جابر إبراهيم، الذي يصر على أنه كاتب عربي، هو الذي لا تعنيه الجغرافيا ولا يهجس بألوان جوازات السفر وفق تعبيره، وكل ما يهمه هو أن يبقى جذره حيا وساخنا، في مواجهة الاحتلال الذي طال الأرض والتاريخ والتراث، وحتى المأكولات الوطنية.

لا تتناقلوه من بعدي

يعرّف ضيفنا الكتابة بأنها حالة من التنفّس. النَفَس الطويل والمريح، إذ كل شيء بعد الكتابة يصير “على ما يرام”، مناسبا ومريحا وفي حالاته القصوى. كما يعتبر الكتابة حالة من الكذب على النفس، ومحاولة محمومة لإقناع الناس بأن ثمة حياة مثالية كان يمكن أن نظفر بها لولا هذا الخراب الذي حدث، لكن الكتابة في الحقيقة، وكذلك الموسيقى والفن والسينما والرواية، كلها مدينة بوجودها لهذا الخراب.

لا يعني إبراهيم جابر إبراهيم التوقف كثيرا عند جنس الكتابة ولا على أيّ رف سيضعها النقاد، إذ يقول “تلك مهمتهم وليست من شغلي”، فالكتابة بالنسبة إليه تتمثل في تلك المتعة العظيمة التي تشبه البكاء، ويعني أن تتخلص ممّا بداخلك على أي وجه، وأن تنزفه قبل أن يتجلَّط كالدم.

وحول تنقله من الكتابة إلى المسرح فالقصة ثمّ الشعر، يقول إبراهيم: في الفترة الأولى كنت أكتب القصة، ومازلتُ أشعر أنني لم أهجرها تماما، ففي داخلي حنين إليها لكن المتعة الحقيقية في الكتابة هي في المسرح وللمسرح.

أمّا الشعر الذي مسَّني في أواخر الأربعينات فلم أعد أنكره أو أتحاشاه، وأعترف أنَّه كان كامنا بداخلي منذ كتاب النصوص الأول “مُتَّفق عليه”، لكنّني ظللتُ أقنع الشاعر بالتروّي، وأتحايلُ عليه، حتى أطلَّ رغما عني في كتاب “الوحيد لا شريك له”، وهنا بدأتُ أتعامل معه بشكل جادّ، وأفرجتُ عنه تماما في “صورة جماعية لي وحدي”. ولم أعد أتحاشى ذلك.

ويضيف: لا يؤرقني كثيرا اللقب، ولا أفهم لماذا يعتبره البعض ميزة كأنّه رتبة عسكرية رفيعة، لا يعنيني إن كنتُ قاصا أو شاعرا، ما يؤرقني فقط الكتابة. كما أنني أمارس الكتابة لمتعتي الشخصية أولا ولا تعنيني أن تعيش الكتابة من بعدي، فأنا أنانيّ إلى الحدّ الذي أريدها أن تموت معي.

المثقف أو المفكر لا يملك جيوشا لتحريكها، ودوره ليس منظورا بالعين أو محسوسا باليد، بل هو فعل تغيير تراكمي

ويبقى السرد بالنسبة إلى ضيفنا صناعة للأدب، أما الشعر فهو جزء من نزيفه الروحي، كما تبقى كتابته حميمية، فكتاباته بالنسبة إليه ثمينة مثل سرّ شخصي يبوح به لأصدقائه، لكنه لا يريدهم أن يتناقلوه من بعده.

مهام المثقف

يميز إبراهيم جابر إبراهيم بين المثقف والمبدع، فهو لا يعتبر أن ثقافة الإبداع هي نفسها ثقافة الفكر، حيث اختلط الأمر على الناس، والكلام له، بين تعريف المثقف والمبدع، حتى صار كل صحفي أو كاتب قصة أو شاعر مسؤولا أمام الناس عن دور “المثقفين العرب”، ومحاسبا أمام الجمهور عن إجابته، كما يعتبر ضيفنا أن المثقف المفكر هو صاحب دور ومن أدواره أن يضع مجتمعه على السكة التي يجب أن يكون عليها، يضع النظرية ثم يمضي، وقد لا يحاسب لاحقا على فشل تطبيقها.

يقول ضيفنا: إن الصحفي والشاعر والمسرحي، ليست منوطة بهم أية مهمة مباشرة، بل دورهم إبداعي بالأساس، والفارق هنا أن التغيير الذي يصنعه الإبداع في المجتمعات وفي ثقافتها هو تغيير غير مباشر، تغيير تراكمي، في الوعي الجمالي، في طرق التفكير، في المقدس، في المحرم، في السلوك، في تطور الذائقة، في المحاكمات، في المنطق، في منظومة القيم، ثم إن عدد المفكرين قليل جدا، والذين يمكن وصفهم بالمفكرين في هذا الزمن لم يصل عددهم لعدد الدول العربية مجتمعة.

النشر على المواقع الإلكترونية جعل الكتابة بلا أسوار، فاستباحها البعض معتقدين أنها حالة سهلة لتحقيق الشهرة

ويضيف إبراهيم: إن المثقف أو المفكر لا يملك جيوشا لتحريكها، ودوره ليس منظورا ولا محسوسا باليد، بل هو تغيير تراكمي لا تنفع مراقبته وتصيّده، ولا يليق الاستخفاف به أو التقليل منه.

الحرية ليست فوضى

كما يتحدث إبراهيم جابر عن حال الأدب اليوم واصفا إياه بأنه يمر بأسوأ مراحله، من حيث استسهاله والتطاول عليه، والتقليل من مضمونه حسب تعبيره، يقول: اختفت المسافة بين الأدب والبوح الشخصي وخواطر “صفحات القراء”.

ولا بد من ملاحظة أن النشر على المواقع الإلكترونية جعل الكتابة بلا أسوار، فاستباحها البعض الذين اعتقدوا أنها حالة سهلة من “الشهرة” والنجومية، لكنهم خاضوا ذلك دون أدوات حقيقية.ولم يعد ثمة معايير تضمن جودة المنتج الأدبي. أنا لست ضدّ هذه الخواطر التي كنا في صبانا ومراهقتنا نكتبها بالحبر الأزرق والأحمر في دفاتر نخبئها بعيدا عن العيون، لستُ ضدّ نشرها، ولكن ضدّ أن تقدّم نفسها كـ”أدب”.
الصحفي والشاعر والمسرحي، ليست منوطة بهم أية مهمة مباشرة، بل دورهم إبداعي بالأساس

كما يشرح ضيفنا أنه ليس ضد حرية الكتابة والتجريب، لكن حرية الكلمة مرتبطة بشرط وجود مجتمع ناضج، وأن يقوم على حراستها وعي مجتمعي أصيل. وبخلاف ذلك تصير الحرية “حالة انفلات”، ولا يعود ثمة فرق بين النقد وبين الازدراء، بين الرأي والفضفضة العقيمة، ويؤكد أن الحرية ليست حالة فوضى، على العكس من ذلك هي الضمانة التي تحول دون الفوضى.

أما عن فلسطين وعن اللحظة الفلسطينية الراهنة فهو لا يفصلها عن سياقها القومي، حيث يعبّر عن ذلك بقوله: أشعر بتشاؤم شديد، ففي الساعة التي تنهار وتتفكك حواضر العرب واحدة تلو الأخرى، ونفقد بغداد التي هي سرّة الوطن العربي الكامل، ويسقط قمر دمشق في بحيرة من الدم، وتوشك أن تسرق منَّا صنعاء بيت الحكمة، وتوهن الأحداث مصر، وتضيع ليبيا وتختلط علينا أسماء القتلة بأسماء القتلى، لا شيء يدفعني إلى التفاؤل، أمّا حالة النهوض الفلسطيني، مهما كان اسمها هبة أو انتفاضة أو النهوض الوطني العظيم فهي دون عمق عربي تستند إليه لن تفضي حالة الانتشاء هذه إلا إلى خيبة أخرى جديدة أو في أحسن الأحوال إلى تحسين شروط السجن الكبير الذي يعيش فيه شعبنا. فأنت في النهاية لن تراهن على غصن أخضر يندلع فجأة من شجرة كبيرة ميّتة.

15