إبراهيم داوود: ليس الشعر منهزما بل الشاعر القديم

الشاعر المصري يؤكد أن سطوع الرواية لا يعني موت الشعر العربي، وأن الشاعر الحديث حزين وحيد غريب يتمنى أن يكون وطنه أفضل.
الأربعاء 2020/06/24
الشعر لم ينفصل عن الشارع

سطوع الرواية لا يعني خفوت باقي فنون الأدب، والاهتمام الظاهر بالرواية في سوق النشر ليس خصما من رصيد الآداب الأخرى وعلى رأسها الشعر، الذي كان محل التفات وصخب وتشابك في الحيوات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع العربي قرونا طويلة. عن هذه الرؤية وغيرها من الرؤى حول الثقافة والأدب كان لـ”العرب” هذا الحوار مع الشاعر المصري إبراهيم داوود.

إذا كان البعض يتصور أن الرواية التهمت الآداب الأخرى كلها وأن الشعر مثلا فقد جمهوره، ومحاولات التجريب المتعددة والغرائبية في بعض الأحيان قادت الشعر إلى الانزواء والبعد عن الناس وهمومهم والتعاطي مع قضاياهم اليومية، فإن ذلك التصور مبني على قلة اطلاع وضعف اهتمام بمتابعة الأصوات الجديدة شرقا وغربا، وتكالب النقاد على متابعة فنون الكتابة السردية أكثر من الشعر.

هذا الطرح يقدمه الشاعر المصري إبراهيم داوود، المنزرع في بيئة الشعر بحكم تجربته الشعرية الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، وبحكم عمله الصحافي المعني بمتابعة الإبداعات الجديدة في العالم العربي من خلال رئاسة تحرير مجلة “إبداع” المصرية.

الشاعر والرواية

يؤكد داوود في حواره مع “العرب”، أن هناك أقلاما رائقة ومختلفة وتجارب غزيرة في معظم الدول العربية، ولم يعد الشعر مقتصرا على بلدان بعينها مثلما كان في الماضي، وليس صحيحا أن الشعر العربي هزم في معركة ما أمام الرواية، لكن ما حدث هو أن الشاعر القديم فقط هو الذي فقد منزلته في المجتمع، ويوجد الآن شعر عظيم في معظم البلدان، ولا تستطيع القول إن العراق ومصر ولبنان وسوريا وحدها تتصدر المشهد، فهناك حيوية مفرحة في المغرب وتونس وليبيا.

إبراهيم داوود شاعر، من مواليد محافظة المنوفية، بشمال القاهرة، في سبتمبر 1961، عمل محررا ثقافيا في مجلة “أدب ونقد”، وفي صحيفة “الدستور” القاهرية، ثم صحيفة “الأهرام”، وتولى رئاسة تحرير مجلة “ديوان”، وإدارة مركز الأهرام للترجمة والنشر، وترأس تحرير “إبداع”.

غياب النقد وتقليص المساحات المعنية بالشعر الحقيقي في الصحف والفضائيات هما السبب في أفول نجم الشعر

 وبدأ تجربته الشعرية في الثمانينات حيث صدرت له دواوين: “تفاصيل”، “مطر خفيف في الخارج”، “الشتاء القادم”، “لا أحد هنا”، “انفجارات إضافية”، و”حالة مشي”، لتلفت الأنظار إلى تجربة جديدة تبدو مختلفة، وليجمعها في ما بعد في مجلد واحد.

في سنة 2015 صدر له عن دار ميريت للنشر ديوان “أنت في القاهرة” الذي فاز بجائزة أفضل ديوان شعر في معرض القاهرة للكتاب في العام ذاته، وفي 2019 صدر له ديوان “كن شجاعا هذه المرة”، فضلا عن كتب أخرى سردية وثقافية مثل “الجو العام”، و”خارج الكتابة”، وكتاب “طبعا أحباب” وهو عبارة عن صور قلمية لمبدعين وفنانين عرفهم.

يوضح داوود أن غياب النقد وتقليص المساحات المعنية بالشعر الحقيقي في معظم الصحف والفضائيات هما السبب في تصور أفول نجم الشعر، وأن غياب النقد أدى إلى اتساع مساحات التجريب والمغامرة لدى الشعراء الجدد، والشعر الآني لم ينفصل عن الشارع لأن معظم الشعراء يعبرون عن همومهم وطموحات ذويهم وإحباطاتهم بإخلاص، والتاريخ سوف ينصفهم في ما بعد.

وفي تفسيره، القارئ الذي لا يشكل الشعر شيئا مهما في حياته، هو الذي ذهب إلى الرواية، وهي فن عظيم بلا شك، لكنها دون المستوى في الثقافة العربية باستثناءات قليلة، وهناك كتابة جميلة وجوائز كثيرة لكن لا توجد روايات عظيمة.

ويتابع قائلا “أتصور أن هذا الفن ازدهر منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي لأسباب لا علاقة لها بتطور الكتابة، فالرأسمالية فرضت التماثل الإجباري على البشرية، فالذين يعيشون مثلا في مصر واليابان ونيجيريا والبرتغال ومالطا، يلبسون الأزياء نفسها، ويستخدمون السيارة ذاتها، ويعيشون في شقق متشابهة، ويعني ذلك أن الجميع تحولوا إلى تروس في ماكينة ضخمة، لكن الرواية جعلتهم يسافرون عبر المكان، وهم في بيوتهم أوهمتهم أنهم يحيون في عالم رحب مليء بالحكايات التي لا تنتهي.

سردية من سرديات الحياة
سردية من سرديات الحياة

الشاعر الحديث في رأيه ليس شاعر أغراض شعرية، فهو لا يكتب عن الحزن والوطن، هو شاعر حزين وحيد غريب يتمنى أن يكون وطنه أفضل مما هو عليه، ويحكي أو يصرخ أو يستدعي عوالمه كلها ليكتب قصيدة ربما تكون قصيرة عن الخوف، تفرح بها إذا أشعرتك فعلا بالخوف.

حزن أجيال وأجيال

نقرأ للشاعر في ديوانه الأحدث “كن شجاعا هذه المرة” كلمات موجعة عميقة تقول: “لا يوجد شيء مؤكد. يوجد كلام.. وخوف.. وبالطبع أمل”. لنستشف حزنا عميقا مدسوسا بين حروف قصائده، وهو حزن طويل مستقر في وجدان أجيال كاملة.

ويقول “إننا في لحظة صعبة من التاريخ، وأنا من جيل شهد هزائم لا طاقة لنا بها على المستوى الشخصي والعام، ووقع الهزيمة أقسى على الشعراء”. يكتب داوود الشعر طوال عمره ليتواصل مع الأصدقاء، فهم مثله يعانون من الوحدة والشعور بالظلم والاستبداد وسطوة الفكر الغيبي، “أكتب لأقنع نفسي بأنني هنا، والآن وأنا بكامل قواي العقلية، فالسلطة المهيمنة تحب الشعر الذي يطربها، لكن أكتب بعيدا عن الإضاءة والتجمعات الكبيرة، لا أقدم رقما في عرض هزلي، فأنا شخص حزين ووحيد وحالم في الوقت نفسه، لا أخطط، وقليل الإنتاج، طوال الوقت في حالة كتابة، أقاوم بالكتابة ولا أروج لنموذج ولا لأشخاص، ولا أبحث عن مجد ما، فأنا أبحث عن أصدقاء بالشعر، بكلام قليل وبلغة بسيطة، لأن الأصدقاء الذين أبحث عنهم يعرفون أن الكلام الكثير هو الذي ضيعنا”.

ويخلص إلى أن ديوانه الأحدث “ولا يفضل أن يسميه الأخير” مرثية للأحلام التي بذل عمره كي يراها تتحقق، ولم تتحقق بعد.

وإذا كان البعض اعتبر ديوانه الأحدث أشبه بمرثية حزينة لانتفاضة يناير 2011 بمصر، وما تبعها من انطفاء الحلم، فإنه نفسه لا ينكر معاناته من شعور عام بخيبة الأمل.

 يشير داوود إلى أنه رغم ذلك يعتقد أن الثورات العظيمة لا تفشل، لكنها تتعثر فقط، والشاعر أعلى منزلة من وجهة نظره من السياسي والاقتصادي والحزبي، فالذين يحددون مصائر الناس على هواهم سيرحلون اليوم أو بعد عشر سنوات، وسيبقى الشاعر شاهدا على زمن أهله وليس زمنه فقط، والشأن العام موجود في معظم الشعر، وليس مطلوبا من الشعر أن ينزل الانتخابات أو يصبح شعبويا يدغدغ مشاعر المقهورين، أو يتحول إلى أنيق محافظ يطرب شيوخ القبائل أو موظفي وزارات الثقافة الذين يوزعون جوائزهم على الأبرياء ومن يدافعون عن الماضي ويقاومونالتحديث.

شعرية الاعتراف
شعرية الاعتراف

بشأن تصوره لنمط الهايكو كأحد أنماط الشعر الحديث في بعض بلدان العالم خارج اليابان، يعتقد إبراهيم داوود، أنه مرتبط بثقافة مختلفة عن ثقافتنا العربية، وشعراء الهايكو الكبار يملكون طاقة روحية جبارة، من الممكن أن تستهوي أشخاصا ولا تستهوي غيرهم، لأن اليابانيين يختلفون بطبقات الوعي المتراكمة وبموسيقى مختلفة وبتراث مع الشعر والفن بشكل عام، قصائد الهايكو التي وصلتنا عن طريق الترجمة فقدت الكثير من قيمتها، وهذا ليس عيبا في المترجمين بالطبع، ولهذا السبب في تصوره لم تنجح التجارب العربية التي ظهرت.

 أما عن استخدام بعض المصطلحات الأجنبية في بعض قصائد الشعراء العرب الحديثة، فيقول داوود، إن أحدا لا يمتلك سلطة تحديد كيفية كتابة الشعر أو المفردات التي ينبغي على الشاعر تجنبها، ولا يوجد ما يهدد اللغة العربية، لأن معظم الشعراء الجيدين يبدعون بلغة عربية جميلة، وأنه شخصيا يستخدم مفردات غريبة أو أجنبية إن وجد لها ضرورة.

وأكد أنه كان محظوظا بالاقتراب من عدد غير قليل من صناع الغناء في مصر مثل عمار الشريعي والشيخ إمام عيسى والشيخ سيد مكاوي، ومن المطربين وشعراء الأغنية والعازفين، بالإضافة إلى الاهتمام بفن الغناء والذي يعتبره ديوانا للعرب والمصريين.

يلفت إلى أنه يحب الشعر العربي وله رموز في كل عصر لكن الأقرب إلى روحه هم الشعراء العرب، محمد الماغوط وأحمد عبدالمعطي حجازي وصلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودي، وهذا بالطبع لا يعني أنهم أفضل الشعراء، وهو لا يحب صيغة أفعل التفضيل على أي حال.

 يقول عن تجربته إنه لا يعرف عن دواوينه وكتبه السردية كيف تم إنجازها وسط هذا الزحام، والركض الذي لا ينتهي من الحياة، فلم يشعر باليأس، ولا يعرف من أين جاء بهذا الكلام، وهو فقط حزين لما آلت إليه الأمور مثل الآخرين، ويعتقد أن ما أنجزه جاء أقل من طموحه، ويكتب بروح الحواة لا المحترفين، فهو شخص بسيط ولا يقف في طابور الباحثين عن المجد أو السلطة أو الجوائز.

15