إبراهيم زولي: النص الجديد أدار ظهره للخطاب القديم

نادرون أولئك الشعراء الذين يكتبون العالم، وكأنهم يكتبون أنفسهم دون أن يكون معول لغتهم مرتبكا حيال الدوران حول شخصيتهم فحسب. الشاعر السعودي إبراهيم زولي هو واحد من هؤلاء الشعراء الذين يرون العالم قصيا رغم قربه، وقريبا رغم امتداده، لهذا يطلقون أيديهم ويكتبون قصائدهم بحرية استثنائية دون أن يقلقهم سوى الشعر نفسه. “العرب” التقت الشاعر وكان لنا معه هذا الحوار عن تجربته وعن هموم المثقف العربي والسعودي ولا سيما بعد الربيع العربي.
الاثنين 2015/09/28
الشاعر الذي يطمئن إلى شكل واحد هو شاعر لا يصوب عينيه نحو الشمس والمستقبل

قدّم الشاعر السعودي إبراهيم زولي مؤخرا مجموعته الجديدة “حرس شخصي للوحشة” عن المركز الثقافي العربي بالتعاون المشترك مع أدبي الرياض. وتأتي هذه المجموعة بعد عدة إصدارات شعرية أطلقها منذ 1996. كان منها: “رويدا باتجاه الأرض”، “أول الرؤيا”، و“الأشياء تسقط في البنفسج”، و“تأخذه من يديه النهارات”، و“رجال يجوبون أعضاءنا”، و“قصائد ضالة: كائنات تمارس شعيرة الفوضى”، و“من جهة معتمة”، و“شجر هارب في الخرائط”.

حول التجربة

خلال أكثر من عشرين سنة من عمر اشتغاله على الكتابة، قدّم زولي تجارب شعرية مهمة على مستوى الأسئلة الإنسانية والقضايا التي سكنته من 1996، حيث أطلق ديوانه الأول وبدأ في شق طريق الكتابة والبحث والقراءة المستمرة مفتشا عن ضالته هنا وهناك عبر الكتابة والسفر والدراسة. وعن ذلك يحدثنا زولي: العشرون عاما التي ذكرت هي بداية النشر من القاهرة، ويومذاك كانت هي عاصمة الثقافة العربية، كأول مدينة تحظى بهذا اللقب، ومن المصادفات الجميلة أن ذلك الديوان “رويدا باتجاه الأرض” كانت لوحة غلافه بتوقيع الفنان الجميل حلمي التوني. غير أن شغف الكتابة كان قبل ذلك بنحو عشر سنوات، ولا تزال الغواية تستبدّ بي حتى اللحظة.

مرت تجربة زولي الشعرية الممتدة بأكثر من شكل من أشكال الهندسة الشعرية بين العمودي والتفعيلة والنثر. وكأنه لا يريد أن يتخيّر منصة هندسية لنصه الخاص. يقول زولي: الشاعر الذي يطمئن إلى شكل واحد ويتيم، هو شاعر لا يصوّب عينيه نحو الشمس والمستقبل. أجل، لم أكن ممن يحرقون المراحل كيفما اتفق. شرعت منذ البدء بكتابة القصيدة العمودية، حيث القوافي والزحافات والعلل، وما إن لاحظت أن خطابي آخذ في التكرار والتشابه، حتى جرّبتُ النص التفعيلي، ولأنني أؤمن بالتجديد والمغامرة، اجترحتُ أخيرا كتابة قصيدة النثر. ولعل الكثير يعرف أن بودلير كان عمله الأول موزونا “أزهار الشر” وبعد ذلك كتب قصيدة النثر في “سأم باريس” ومثله فعل رامبو، كانت نصوصه موزونة في عمله “المركب السكران” ثم جاءت “الإشراقات” قصائد نثر خالصة. وفي العالم العربي هناك سركون بولص وأمجد ناصر، بَدَآ بقصائد التفعيلة وانتهيا إلى قصيدة نثر، وهما من علامات كتّاب هذا الشكل في وطننا العربي.

اليوم لم نعد نسمع كما كان الأمر في الثمانينات "العدو الإسرائيلي" ولم تعد "القدس عروس عروبتنا"

يحضر المكان في بعض قصائد زولي الأخيرة بوصفه هوية، ثم يغيب في نصوص أخرى. البعض يعدّ المكان هو الأرضية الصلبة التي ينطلق منها الشاعر للعالم، وفي غيابه، أو تغييبه تغيب معه هذه الأرضية. ويرى زولي أنه من يمتلك تفاصيل المكان يمتلك عالمه الشعري، عالما لا يمكن أن يضل برفقته السبيل. يقول “حتى لا تكون القصيدة ريشة في مهب الرياح، غريبة الوجه واليد واللسان. يبقى المكان، بكلّ تجلياته وتمظهراته، هو الذي يمكّن المبدع من كتابة عمل زاه، عمل يقف معه على قدمين راسختين، وقامة تمدّ عنقها في الفضاء”.

في مجموعة “حرس شخصي للوحشة” تكثيف شعري كبير وكأنها ومضة قصصية في قالب شعري. الأمر الذي دفعنا للتساؤل مع شاعرنا إن كانت قد انتهت قصيدة الملاحم، وذابت في ظلال قصيدة الحكمة/ الومضة. يجيب زولي “الاختزال هو مصباح الشعر العالي. تخلت القصيدة عن ترفها المجازي، وثوبها البلاغي المزخرف، والموشّى بالبديع والمحسنات. النص خلال المرحلة الراهنة يحتفي باقتصاده اللغوي، وزهده في المفردات، ودقّته في العبارة. النصّ الجديد أدار ظهره للخطاب عالي النبرة. فزمن الملاحم والشعارات ولّى دون رجعة”.

شكلّت الصحوة في السعودية ارتدادا للحداثة ومعطياتها على مستوى الفنون والمرأة والفلسفة، حيث حوربت بواكيرها من خلال منابر دينية واجتماعية. ولقد صمد بعض الكتاب والمثقفين والشعراء أمامها وحاربوها واقفين في وجه الانحدار للمكتسبات الثقافية. ويروي لنا ضيفنا تجربته الشخصية التي عاش جزءا منها في تلك الحقبة. يقول زولي: كانت الحرب شرسة، تلقّت فيها التجربة الجديدة في المشهد السعودي ضربات موجعة تحت الحزام، لم تكن حربا نظيفة، أو سجالا نبيلا. ولك أن تتخيّل كيف أن كتاب “الحداثة في ميزان الإسلام” لم يستطع أحد من كتّابنا أن يرد عليه أو ينقده في الإعلام المحلي، المرئي منه والمسموع، ما اضطرّ بعض كتابنا للذهاب خارج الحدود، ونقد الكتاب التحريضي المذكور. بهذه الصورة، يمكنك أن تتصوّر المنظومة الثقافية آنذاك.الخطاب الصحوي “الحركي” الذي في الثمانينات كان يمرر مفردات الجهاد، فيما كان ينطوي على عنف وتشدّد وتكفير، وفي تصوّري لا يمكن أن ينطلي على الكثير من شبابنا ولا سيما في هذه الأيام، زمن الانفجار المعلوماتي، وظهور زيف وكذب رموزهم.

القصيدة الجديدة تخلت عن الترف فهي اليوم تحتفي باقتصادها اللغوي وزهدها في المفردات

ويؤكد الشاعر زولي بأن الربيع العربي تمّ اختطافه بطريقة مؤسفة من قبل بعض جماعات الإسلام السياسي، أضحى ربيعا ملتحيا ومعمّما بكل أسف. يقول “المثقف العضوي الذي نادى به المفكر الإيطالي غرامشي في لحظة زمنية ما، لم يعد له وجود وأصبح ضمن حكاية من حكايات التاريخ الفلسفي. لا شكّ أن للمثقف قضاياه، حتى ولو لم تكن تلك القضايا الكبيرة الأممية، والقومية، التي كانت حاضرة في الستينات والخمسينات، بيد أنه لا يمكن أن ينفصل عن همّ ما، أو ينبتّ عن قضيّة، ولو شخصية بحتة، إلا أنه يعدّها مصيرية ووجودية بالنسبة إليه”.

طائفية الربيع

وعن المؤتمرات الدورية للمثقفين السعوديين يشير زولي إلى أن العديد من الأماني التي طالب بها المثقفون السعوديون، كانت زهيدة، وخجولة في الآن، إلا أنها ظلت حبرا على ورق. يقول “نجد دولا أقلّ دخلا منا، ومع هذا تحترم مثقفيها، وتبجّل الكتابة والكتاب. إنها أحلام تعتبر وضيعة حتى بمقاييس القرن التاسع عشر؛ كاتحاد للكتاب، وصندوق للأديب يحفظ ماء وجهه إذا ما خاتله الزمن، مجلس أعلى للثقافة، مجلة ثقافية، والكثير الكثير مما يفترض من وزارة الثقافة أن تضطلع به، وتتحمّل جزءا ولو ضئيلا، من واجباتها ومسؤولياتها”.

بعد الربيع العربي انقسم معظم المثقفين العرب، وتعسكروا وفق طوائفهم، وابتدأ التصنيف الثقافي على أساس الطائفة، وليس على أساس الأيديولوجيا كما كان الحال في الستينات والسبعينات وحتى بداية الثمانينات من القرن الماضي. والمثقف السعودي ليس بمعزل عن هذه المعادلة. إبراهيم زولي يقرأ المشهد الثقافي العربي والسعودي وانقساماته في ظل احتياج الجميع لموقف تنويري واضح قائلا: ما يظهر لي أن المنطقة تتجه، وبدعم غربي، إلى حرب طائفية، حرب من أي نوع، وبأي شكل، ثقافية كانت أو عسكرية، أو حتى مذهبية ضيقة، وما يندى له الجبين أن بعض المثقفين وقع، بعلم، أو بجهل، في هذا الفخ المنصوب بمكر محكم، ولعلك تلاحظ أن أنباء القضية الفلسطينية تراجعت كثيرا في نشرات الأخبار وليس لها الصدارة كما كان من قبل، ولم نعد نسمع من الإعلاميين كما كان الأمر في منتصف الثمانينات مفردة “العدو الإسرائيلي” لم تعد “القدس عروس عروبتنا”.

15