إبراهيم شحبي روائي سعودي يسرق الجماجم ويؤرخ لتحولات المجتمع

الكاتب إبراهيم شحبي يرى أن الكتابة الإبداعية حالة لا يمكن وضعها تحت اشتراطات المسؤولية التوثيقية، لأن المبدع في الأصل مهووس بالتعبير، وليس مسؤولا عن التوثيق كمؤرخ.
الاثنين 2019/05/06
رُبّ قارئ أوعى من كاتب

الكثير من الكتاب والأدباء العرب يعانون من مشاكل النشر، وبعضهم تكون تجربته مع النشر مريرة مثلما هو حال الروائي والكاتب السعودي إبراهيم شحبي، فهذه التجربة إلى جانب التكلفة المادية لها متاعب أخرى، لكن مع كل ذلك يظل شحبي مهووسا بالكتابة. “العرب” كان لها معه هذا الحوار الذي تناول روايته الأخيرة وبعض القضايا الثقافية والأدبية في السعودية.

أفكار الروائي والكاتب إبراهيم شحبي كثيرة، لكن حماسه للكتابة قليل بسبب تكاليف النشر، وعدم وصول أعماله إلى القارئ المحلي بسبب عوائق التسويق، فلا تجد له رواية في المكتبات إلا ما ندر، ثم إن الإقبال محدود، فهو يطبع ألف نسخة على نفقته الخاصة، وتبيع دور النشر منها أعدادا قليلة، والعائد منها لا يكفي تكلفة النقل التي تدفعها الدار في ملاحقة معارض الكتب، هكذا يقول له الناشرون. وسبق للكاتب أن قدّم للطباعة خمسة عشر كتابا خلال مسيرته الكتابية، ولا يعرف مصير بعضها.

من بين أهم وآخر كتب إبراهيم شحبي رواية “سارق الجماجم” التي تسلط الضوء على مرحلة تاريخية تتقدّم بالقارئ منذ طفولة أبطالها حتى يلقوا مصائرهم المختلفة، إنها رواية تكشف عن تاريخ مسكوت عنه نظرا لقلة الرواة والمؤرخين في المنطقة، ولاسيما بعد النفط وآثاره على القرى والمناطق النائية، فإن الذاكرة الشعبية الجماعية تكاد تنتهي بسبب رحيل الجيل الذي كان يمتلك الذاكرة.

سارق الجماجم

انطلاقا من ذلك يرى شحبي أن الكتابة الإبداعية حالة لا يمكن وضعها تحت اشتراطات المسؤولية التوثيقية، لأن المبدع في الأصل مهووس بالتعبير، وليس مسؤولا عن التوثيق كمؤرخ. يقول “إن كان التعبير السردي يوثق للكثير من التحولات فهو يأتي في سياق الاتكاء على الواقع من خلال بناء العمل على تقصي تفاصيل حياة أبطاله سواء في الجانب الاجتماعي أو السلوك الإنساني، لكون المبدع جزءا من ذلك التكوين”.

ويتابع “عشت وجيلي في زمن التحولات الكبرى مع ظهور النفط الذي كرس مفهوم العيش من خلال الوظيفة، وما صحب ذلك المفهوم من تغيرات اجتماعية تبدلت معها الكثير من العادات والممارسات، كما تغيرت معها حياة الناس وبيئتهم إلى التحديث المدني، وهو ما لا يدرك تفاصيله جيل أبنائي، ولهذا بقيت ذاكرتي أسيرة استدعاء الماضي في أغلب أعمالي. ولأن طبيعة السرد تاريخية من حيث البناء الحكائي وتفاصيل حياة الأبطال وملابسات واقعهم إلا أنه تاريخ يتجاوز الواقع إلى متخيل في الغالب، وقل أن تجد عملا روائيا لا يحكي الحياة بشكل ما، لكنه ليس تاريخا لها إلا ما خصص للتاريخ كتلك الروايات التي تروي سيرة أشخاص بطريقة ما: مثل روايتي ‘الوردة القاتلة‘ التي تناولت سيرة الحلاج وجعلته بطلا لها يروي فيها سيرته”.

رواية تكشف عن تاريخ مسكوت عنه
رواية تكشف عن تاريخ مسكوت عنه

يتداخل الحقيقي بالخيالي في منطقة اشتغال الروائي، حيث تناول كاتبنا القرية في روايته “سارق الجماجم” من خلال عدّة سرديات، بعضها كان حقيقيا (نحر الأب لطفله)، والبعض الآخر كان من نسيج خيال الراوي. وعن ذلك يحدثنا قائلا “في روايتي الأخيرة ‘سارق الجماجم‘ انطلقت الرواية من حدث واقعي: حيث أقدم الأب على قتل ابنه البالغ أحد عشر عاما بدوافع مرضية جاءت نتيجة قسوة الظروف والعادات، وفساد سلوك الأب بتعاطي المخدرات، واستدعت ذاكرة الراوي أحداثا كثيرة متخيلة عاشها أبطال الرواية في مدينة ساحلية صغيرة تحولت مع الأيام إلى مدينة كبيرة بسبب تسارع التعمير وكثرة الوافدين، وتبدل مفاهيم العيش من الزراعة والصيد إلى التجارة والصناعة والوظيفة، وبسبب ذلك تغيرت ألفة البيوت الحجرية إلى صخب الأبنية الإسمنتية، وشوارع التراب الضيّقة إلى شوارع الإسفلت العريضة التي أكلت المزارع، وتفرق الجيران في الأحياء الجديدة، وقل التواصل بينهم أو انعدم. وبرغم قيام الرواية على حدث واقعي إلا أن تفاصيل حياة الأبطال (ياسر ووحيد وريم) ومن له علاقة بهم وبمدينتهم كانت متخيلة، لكن ربما لا يجد القارئ فرقا بين المتخيل والواقع لأن الأحداث ليست بعيدة عن واقع حياتنا”.

في رواية “سارق الجماجم” تصل حالة اللامبالاة والسوداوية والضياع في توتر البطل وحيد إلى أن يدفع جمجمة أبيه للبيع. الأمر الذي اعتبره بعض القراء نوعا من الترميز لقتل الأبوة، والصنمية، والقداسة، فهو رمز لتحرر الفرد من هيمنة الأبوة الاجتماعية والدينية والسياسية.

إزاء هذا الرأي يفضل شحبي عدم تفسير أعماله تاركا للقارئ تصور ما يشاء، وافتراض ما يصل إليه فهمه، فقد يرى قارئ أبعد مما قصده في كتابته، حيث يجد في ذلك ميزة العمل المفتوح لقراءات متعددة، يقول “ربّ قارئ أوعى من كاتب، ومن حق القارئ الواعي أن لا أفسر له عملي”.

ويتابع في الشأن نفسه “حالات السوداوية والضياع في عالمنا متنوعة وتذهب إلى أبعد من قتل الأبوة، والصنمية، والقداسة إلى قتل النفس بشنقها أو حرقها بما يعني قتل الحرية المنشودة ذاتها. وفي رواية ‘سارق الجماجم‘ تعددت أوجه المأساة عند وحيد وياسر وريم، فكل له مأساته، وعنده سوداويته التي أفضت بكل منهم إلى نهاية محزنة بسبب الارتباك الاجتماعي وتفاقم الظروف. فقتل ياسر لابنه لا يقل شناعة عن بيع وحيد جمجمة أبيه لتاجر المخدرات، وتفكير ريم في الانتحار لا يقل مأساوية عن حالة وحيد النفسية المتردية”.

الحداثة فعل

عن رأيه في مآلات تأثير الصحوة في السعودية وكيف يقرأ الواقع السعودي الجديد. يقول إبراهيم شحبي “من عايش النشاط الديني المحموم من جيلي، وعرف خبايا التيار الإسلاموي، وأدرك مقاصده، خاصة في ما تعلق بتجارته بالدين وقف ضده بصلابة، أنا شخصيا كتبت الكثير، ولعل أبرز ما أصدرته في هذا الشأن هو كتابي ‘السلطة والهوية‘، ولم أنخرط في حالة الحداثة لأنها في غالبها كانت صوتا مشبوها بسبب بعض السلوكيات، لم تكن مشروعا تنويريا مؤسسا على رؤية واضحة، ولا تستند على قاعدة شعبية، وإنما كانت أصواتا فردية ركزت جهدها في ترويج النص الأدبي الحديث، وهو ما لم يعول عليه كثيرا”.

ويضيف “أنا لا أرى لذلك التيار الذي ركب موجة الدين الأحقية في تسميته بالصحوة، لو كانت صحوة فلن يقف أحد ضدها، لكنها كانت جماعات التجارة بالدين، تتفق وتختلف في ممارساتها لكن هدفها الهيمنة السياسية. وبعد قرارات الحكومة من هذا الخطاب توارى جلهم عن منابر المساجد وتسنموا منابر وسائل التواصل، وبعضهم يمارس التقية، ومن عرف قدرة هؤلاء على التلون لا يثق بهم، بعض من أعرفهم استبدلوا جلودهم الوعظية الخارجية متمظهرين بالتأييد، لكنهم سرعان ما يعودون إلى حالهم لو سنحت لهم الفرصة”.

وعن قراءته لتحولات الواقع السعودي المفصلية الأخيرة مقارنة بتاريخ البلاد القريب. يقول شحبي “ما حدث من تغيير اجتماعي واقتصادي كبير في عهد العاهل السعودي الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان كان مفاجئا وسريعا، وشكل صدمة عند البعض. وبعض المبدعين والمثقفين استشرفوا في أعمالهم بعض التحولات، من ذلك ما قلته في حوار على قناة العربية في برنامج إضاءات عام 2008 حول قيادة المرأة للسيارة، ولي إشارات حول استشراف التحولات في كتابي ‘السلطة والهوية‘ وكتابي ‘الهوية – نسوانية المستقبل‘ لكن لم يكن في حسبان أحد أن يحدث التغيير بتلك السرعة”.

طبيعة السرد تاريخية من حيث البناء الحكائي وتفاصيل حياة الأبطال وواقعهم، إلا أنه تاريخ يتجاوز الواقع إلى المتخيل

ويتابع “الأمر الذي لم يأخذ نصيبه من التغيير حاليا بما يليق بمستوى السعودية وقدراتها ومقدراتها هي القوة الناعمة (قوة الثقافة الإبداعية)، فبرغم توصيات الملتقيات الثقافية في السنوات الماضية حول النهوض بمؤسسات الطباعة والنشر والتسويق والترجمة ما زال الأفراد والمؤسسات الثقافية يطبعون نتاجنا في الخارج، وما زال الإبداع السعودي تتقاذفه دور النشر العربية، ولا تمنحه ما يستحق من ترويج وانتشار، وفي المقابل ما زال رقيب الإعلام عندنا يمنع تداول أعمالنا الإبداعية محليا، ويروج للترفيه المبتذل”.

ويشير الكاتب إلى أن الحداثة في السنوات الماضية قصرت جهدها على النص الأدبي، ولم تكن لديها القدرة على تجاوز ذلك إلى فعل حداثي، يقول “كانت العوائق كثيرة، بعضها كان نابعا من الحداثيين أنفسهم، والعوائق الأخرى شكلها تيار تجارة الدين، ولا شك أن الحداثة بمفهومها السابق كانت في صراع مع تيار اجتماعي له الجماهيرية والغلبة، ولم يكن أكثر مما كان، وكل ذلك يفترض أن يكون من الماضي بسبب التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة والتي من خلالها ظهر جيل جديد له خصوصياته، وقدراته المعرفية مسنودة بثورة التكنولوجيا حيث لم تعد الحداثة بمفهومها السابق تشكل أهمية فالعالم قرية متداخلة، وأمام أبناء المملكة مع ولي العهد الشاب مستقبل مشرق في التعاطي مع الحداثة بمفهومها الشامل (الثقافي والاجتماعي والصناعي)، ولم تعد هناك عوائق صراعات تقليدية واستقطابات نفعية تضر بالوطن والمواطن”.

15