إبراهيم عبدالله غلوم يحلل تكوين الممثل في المسرح الخليجي

جسد الممثل بؤرة تحتشد حولها جميع محاولات التنظير في المسرح المعاصر.
الخميس 2020/09/17
الممثل ليس ذلك الكائن الذي يملى عليه

تخرّج جل ممثلي الخليج العربي في مدرسة المسرح، سواء في سلطنة عمان أو البحرين أو الإمارات أو الكويت أو السعودية، حيث كان الاهتمام بالمسرح على اختلاف أنواعه من أبرز التوجهات الثقافية للمؤسسات والهيئات الحكومية والمدنية المستقلة، فأسست المسارح والفرق المسرحية والجمعيات الثقافية المهتمة بالمسرح والمهرجانات المسرحية، التي صارت بوتقة لصهر التجارب وتبادل الخبرات والأفكار والرؤى.

يؤكد الناقد والكاتب المسرحي إبراهيم عبدالله غلوم في كتابه “تكوين الممثل المسرحي في المجتمعات الخليجية” على مركزية الممثل في العمل المسرحي، متخذا من الممثل في مجتمعات الخليج العربي نموذجا في التحليل.

ويشير غلوم إلى أن العالم الدرامي في المسرح لا يمكن أن تتم له خصوصيته واستقلاليته في مواجهة تحديات الشعر والسينما والتكنولوجيا إلا بواسطة ارتكاز الإبداع المسرحي على تكوين إبداع الممثل. فالممثل بحدوده الجديدة وبما له من الحرية الإبداعية في حركته إنما هو عنصر يقع في قلب الطاقة المسرحية الخاصة بالعرض المسرحي.

مركزية الممثل

الممثل في مركز الفعل المسرحي
الممثل في مركز الفعل المسرحي

يرى غلوم أن مركزية إبداع الممثل في المسرح حقيقة واقعة في جميع التطبيقات العملية، فلم تستطع المدارس والنظريات الحديثة إلا أن تعتمد على الانطلاق منها في تأسيس مفاهيم مستحدثة وكشوفات جديدة. ولا أحد يستطيع أن يحدد وظيفة المخرج في معزل عن موقع الممثل في التشكيل الحركي. وهو التشكيل الذي لا تغترب عنه وظيفة المخرج مهما اختلفنا في تحديد بقية الوظائف الأخرى المفترضة له. بل إنه ربما تفاوت النظر في علاقة الممثل بهذا التشكيل.

ويلفت الكاتب إلى أن هناك من يقيد التشكيل بعلاقته الخالصة بالممثل، وهناك من يعدد علاقات التشكيل أو يوجهها في زاوية أخرى. لكنها دَوْمًا ترتد إلى جسد الممثل بؤرة تحتشد حولها جميع محاولات التنظير في المسرح المعاصر. فلم يعد ممكنا في الوقت الراهن تصور قيام أي اكتشاف مسرحي في معزل عن الممثل.. أداء وحركة وصوتا ولغة، إلخ.

تاريخ المسرح في الخليج العربي
تاريخ المسرح في الخليج العربي

يتجه غلوم في دراسته إلى قلب التراتب المعهود بحيث يضع الممثل في مركز الفعل المسرحي ليجعل بقية العناصر مكملة لحركته ولوجوده السيكولوجي والفيزيولوجي نصا وإخراجا وتنفيذا. ومن أجل ذلك لا يرى ملامح لأزمة محددة على صعيد الكتابة الأدبية، معتبرا أن الفعل المسرحي لم يعد نصا مقدسا ومسيجا بأقفاص الكلام، وإذا كان ثمة ملامح لأزمة في حياتنا المسرحية فيمكن استجلاؤها أولا في مفاهيمنا الجامدة لدور الممثل؛ أو يمكن تمثلها في تلك الحدود الضيقة التي وضعتها النصوص المسرحية العربية على امتداد تاريخها وحتى الآن لإمكانيات الممثل. أو يمكن بحثها في الكيفية التي تم فيها النظر إلى تكوين الممثل باعتباره ذلك الكائن الذي يملى عليه: كيف يكون؟ وكيف يتحرك؟ وكيف يتكلم؟ وكيف يشعر؟ وكيف وكيف وكيف؟

ويتناول غلوم المسرح في الخليج العربي انطلاقا من البدايات الأولى في مسرح المدارس والأندية “ممثل لا يكشف الواقع”، والبدايات الثانية التمثيل المرتجل والمحاكاة “ممثل يكشف الواقع”، والأسس الفنية للتمثيل المرتجل، ليحلل بعد ذلك انتقال المسرح من الفرق الأهلية إلى وزارات الإعلام وانقلاب الواقع سلطة على الممثل، متوقفا عند نماذج فردية الممثل ومشكلات تكوينه الفنية والمجتمعية.

ويوضح أن تقنيات الممثل في الخليج استغرقت حالة تمثيل الواقع ولم تغادرها. وأصبحت فكرة المحاكاة ظاهرة أساسية تصعب زحزحتها من عمل هذا الممثل دون تخطيط وتنظيم عقلانيين. بل لقد تحكمت هذه الفكرة في اكتشاف ظاهرة التمثيل في مجتمعات المنطقة، ففي حين كانت دروس التاريخ والأخلاق هي ما يحاكيه التلاميذ وطلاب الثقافة في المدارس والأندية لم تقم للتمثيل قائمة إطلاقا. وحين اكتشف الممثل واقعا يندمج فيه ممثلا وإنسانا عاديا بدأ في الظهور، كما بدأت تجربته في التبلور، أما حين ظهرت تجربة النص الأدبي المكتوب، فقد تقاطعت خطوط تمثيل الواقع، وتداخلت معها وسائط جديدة لم تعمل إلا على تحويل الواقع إلى سلطة تستلب حرية الممثل في المحاكاة، وفي كيفية اكتشاف الجسد بوصفه لغة خاصة.

الطاقات التمثيلية

النهوض بالمسرح الخليجي
النهوض بالمسرح الخليجي

يلاحظ غلوم أن العنصر الأساسي المتحكم في جميع تقنيات الممثل في مجتمعات الخليج العربي غير مكتمل. لا نراه إلا جانبا من جوانب التكوين. وهو أن التمثيل استجابة متميزة لفكرة العفوية في تمثيل الواقع، وبالوسائل التي تقتضيها العملية الطبيعية للتمثيل.

ومن هنا فإن تجربة الممثل في العقود الثلاثة الأخيرة تبلور ملامح مميزة على صعيد تلك الاستجابة، لكنها في نفس الوقت تبلور خللا ظاهرا، وظرفا لا عقلانيا، فقد عزل عمل الممثل بفعل نظريات النقد الأدبي تارة وسلسلة الواقعيات تارة أخرى، والافتراضات غير الواعية للمخرجين تارة ثالثة، رغم مركزيته في المشهد المسرحي، وراح -من ثم- يتجاوب سلبا وإيجابا مع العنصر الوحيد المتحكم في تجربته من الداخل وهو محاكاة الواقع وتمثيله؛ العنصر الذي لم تكتشفه تجربة الناقد، ولا الكاتب المسرحي بحال من الأحوال بقدر ما اكتشفته تجربة الممثل.

ويقول غلوم إن جميع وسائل التدخل الرسمي والأهلي للنهوض بالمسرح في مجتمعات الخليج تأتي فتغفل تماما عن تلك العزلة التي أوقع فيها الممثل، إننا نذهب جميعا في التنظير والكتب والمدارس المسرحية ونتلقن المسرح أدبا نقرؤه في حين نخلّف الممثل وراءنا، وننظر إلى تجربته فلا نجد لها أسرارا أبعد من تنفيذ النصوص المكتوبة، ونقذفه من ثم بالضحالة، وضعف التكوين، ونحاصره بالمزيد من العزل والهامشية، بينما حقيقة الخلل الظاهر والظرف اللاعقلاني تتمثل في اجتزائنا للمفاهيم المسرحية، وتحجيرنا لها، ثم عزلنا للممثل -من خلال كل ذلك- عن مشهد الفعل المسرحي.

ليس ممكنا في الوقت الراهن تصور قيام أي اكتشاف مسرحي في معزل عن الممثل أداء وحركة وصوتا ولغة

 ويرى الكاتب أنه لا جدال في الحقيقة التالية، وهي “ضرورة الذهاب بتجربة الممثل نحو مرحلة التخطيط، والإدماج الكلي العملي والنظري في البرامج المختبرية والمدارس المسرحية التجريبية. أما التسليم بتحكم العنصر الوحيد الذي ابتكره الممثل لنفسه وهو تمثيل الواقع فلا يعني إلا الاستمرار في العفوية، ومهما بلغت عواطفنا اتحادا مع تجربة الممثل واكتشافا لفرديته فلن نستطيع إنجاز شيء يذكر في مجال تطوير تقنياته الفنية”.

ويخلص غلوم إلى أن العقود الثلاثة الماضية في تاريخ التجربة المسرحية كافية لاختبار جميع إمكانات فكرة تمثيل الواقع وحدها، ولم يعد الظرف الراهن لتجربة الممثل بما ينفجر به من مشكلات تقنية ومجتمعية قابلا لاستنزاف الطاقات التمثيلية المتميزة في دائرة تلك الفكرة وحدها. بل لا بد من وضعها في نطاق من التحكم العقلاني بواسطة التخطيط لإقامة المختبرات المسرحية والورش العلمية البانية لتقنيات الممثل، والموجهة بواسطة خبرات وقيادات مسرحية جماعية واعية ومتقدمة.

14