إبراهيم عبدالمجيد هائم بروايات ديستويفسكي وكافكا وكامو

الجمعة 2014/07/18
عبدالمجيد: الكتّاب بعد أن يكتبوا أعمالهم تنقطع صلتهم بها تماما

القاهرة- في أحدث أعماله، الصادرة عن “الدار المصرية اللبنانية”، بالقاهرة، “ما وراء الكتابة.. تجربتي مع الإبداع”، يخوض الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد في عوالم يبتعد عنها الكثير من الأدباء بوعي أو دون وعي، حيث يستعرض الأجواء الروحية والقضايا الجمالية في كتابة أعماله من خلال سرد دقيق لأجواء كتابة رواياته بدءا من روايته الأولى “في الصيف السابع والستين” وحتى رواية “الإسكندرية في غيمة” التي رشحت لنيل جائزة البوكر هذا العام.

يقول عبدالمجيد عن كتابه “ما وراء الكتابة” في تصريحات لـ”العرب”: «أتناول في كتابي الكيفية التي كتبت بها رواياتي، وهذا الموضوع مطروح بشدة في الأدب العالمي، ولكنه ليس مطروحا في الأدب العربي بشكل واسع، وقد بدأت التجربة في وقت سابق حين نشرت تجربتي مع الإبداع عن أربع روايات فقط وقدمتها إلى القراء، وفي هذا الكتاب أنا أعمم التجربة على جميع ما كتبته وليس على أعمال بعينها، حيث أتناول علاقتي ككاتب باللغة والمكان والوثائق والأجواء الروحية لكتابة العمل، وعناصر الكتابة المختلفة».


سحر الصوفية


في مقدمة كتابه يقول عبدالمجيد: «قليل جدا من الكتاب من قدم لنا شيئا في هذا الموضوع، ربما لأن ذلك من الأسرار التي يصعب الكشف عنها لما تحمله من معان صوفية أو سحرية، وربما لأن الكُتّاب بعد أن يكتبوا أعمالهم تنقطع صلتهم بها تماما، وقد تصل المسألة بالكاتب إلى أنه لا يريد أن يعود إلى عمل انتهى منه».

يُقسّم عبدالمجيد كتابه إلى أربعة أقسام، حيث يتناول في قسمه الأول الأجواء الروحية والمكانية المصاحبة لكتابة رواياته الأولى مثل “المسافات”، “الصياد واليمام”، “ليلة العشق والدم”، “بيت الياسمين”، ساردا حقيقة الشخصيات في رواياته وكيف أثرت شخصيات حقيقية في تكوينها، وكذلك الجو السياسي والاجتماعي العام في تلك الفترة من الستينات وقت نكسة 1967 وتأثيرها في وجدانه ككاتب وأديب، وإنه كمصري في المقام الأول تأثر بالغ التأثر بالأحداث في مصر آنذاك.

أتناول في كتابي الكيفية التي كتبت بها رواياتي، وهذا الموضوع مطروح بشدة في الأدب العالمي

يمزج صاحب “لا أحد ينام في الإسكندرية” في كثير من الأحيان ما بين سيرته الذاتية والروائية، فيحكي الكثير من طفولته وحياته الشخصية واندماجه في العمل السياسي وتأثره بشخصية الزعيم جمال عبدالناصر، منتقلا بعد ذلك إلى الحديث عن تأثير كل هذا في كتاباته التي لم تنفصل عن هذا الواقع الذي عايشه بكل حواسه.

يتحدث المؤلف عن مماثلة الواقع لأحداث رواياته في بعض الأحيان، ذاكرا ما حدث عند كتابته أحد فصول روايته “بيت الياسمين” والتي أنهاها بقدوم قوات الأمن للقبض على بطل الرواية لمشاركته في مظاهرات ضد الرئيس السادات، ليجد أحد أفراد أمن الدولة يدق بابه بالفعل ويأخذه إلى سجن القناطر.

أما في القسم الثاني من الكتاب فيتحدث فيه عن ثلاثيته التي كتبها عن مدينة الإسكندرية والتي بدأها برواية “لا أحد ينام في الإسكندرية”، ثم “طيور العنبر”، وأخيرا “الإسكندرية في غيمة” ليتحدث عن أجواء كتابته عن مدينته التي وُلد بها وعن تاريخها الذي وظفه بنجاح في رواياته الثلاث.

يقول عبدالمجيد عن أجواء كتابة روايته “لا أحد ينام في الإسكندرية”: «كنت أعرف أنني سأكتب رواية مختلفة، وسأجد نفسي في قلب التسامح الذي شكل حياة البشر في المدينة عبر التاريخ، وتحت الموت والدمار أيضا، لكن هذه المعرفة بتاريخ المدينة لا تغني عن محاولة الذهاب إلى هناك. إلى زمان الرواية نفسها ومكانها. إلى عام 1939 حين بدأت الحرب العالمية».


الوجودية والاغتراب

عبدالمجيد: أتناول في كتابي الكيفية التي كتبت بها رواياتي


ينتقل بعد ذلك للحديث عن الجزء الثاني من الثلاثية، رواية “طيور العنبر” حيث يقول عنها «وجدت أن رواية طيور العنبر تنفتح على ثلاثة أشياء سحرية ضاعت كلها من الإسكندرية الآن، لكنها كانت موجودة في ذلك الوقت، هنا بعضها فاعل أكثر من الآخر، ترعة المحمودية فاعلة أكثر في هذه الرواية.. وهذا أول السحر الذي كان موجودا في جنوب الإسكندرية حينذاك».

ويختم حديثه عن الثلاثية بالحديث عن رواية “الإسكندرية في غيمة” حيث يقول «عشر سنوات كاملة مضت بين “طيور العنبر” و”الإسكندرية في غيمة”، ما الذي أخرني كل هذا الوقت؟ كانت طيور العنبر مرثية للمدينة الكوزموبوليتانية وكان مشروعي الذي أعلنت عنه كثيرا هو عن المدينة التي غزتها أفكار الصحراء الوهابية والسلفية فضاع ما تبقى من المدينة».

يوضح عبدالمجيد الفرق بين ثلاثيته وغيرها من الثلاثيات قائلا «هي ليست مثل ثلاثية نجيب محفوظ مثلا تمشي فيها الأجيال وتموت وتحتل الأجيال الأخرى من العائلة الصدارة. هنا مدينة في ثلاثة تجليات لذلك لم أسع إلى أن تتواصل الشخصيات».

في القسم الثالث من الكتاب يتحدث عبدالمجيد عن روايته “برج العذراء” وأجواء كتابته لها والتي تزامنت مع مرض زوجته بالسرطان ومع صدور رواية “وليمة لأعشاب البحر” والتي أثارت ضجة مفتعلة آنذاك، لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن روايته “عتبات البهجة” وينهي الفصل بالحديث عن روايته الشهيرة “في كل أسبوع يوم جمعة” التي يتحدث فيها عن أجواء كتابته لها واختياره لعنوانها وتعبيرها عن القاهرة كما عبرت رواياته السابقة عن مدينة الإسكندرية.

وفي القسم الرابع والأخير من الكتاب يتناول الكاتب أجواء كتابته للقصص القصيرة وعن الاختلاف بين ما وراء القصص القصيرة وما وراء الرواية، حيث يقول «كانت القصة وما زالت رغم الإقلال من كتابة القصة القصيرة تأتي دفعة واحدة، بقضها وقضيضها كما يقال، كان يشغلني الإيحاء أكثر من الوضوح والإيجاز فيما أريد، شغلتني الوجودية والاغتراب وكادت تقتلني هياما روايات دستويفسكي وكافكا والغريب لكامي وصحراء التتار لدينو بوتزاتي».

14