إبراهيم عيسى مفتي الإعلاميين وعدو مبارك والإخوان ووزير الداخلية

السبت 2014/10/11
ابراهيم عيسى الكاتب المصري المثير للجدل دائما والمتناقض أحيانا

إذا كنت متابعاً لهذا الرجل المثير للجدل أو أحد معجبيه الحريصين على الإبحار بين سطور مقالاته ومشاهدة برامجه وتعقب أرائه المثيرة للجدل والأزمات، عليك أن تكون دائماً على استعداد لتلقى المفاجأة في أي لحظة، فما أن يستقر بك الحال مع أحد برامجه، تجده وقد انتقل إلى قناة أخرى لتقديم برنامج جديد.

إبراهيم عيسى الكاتب الصحفي المصري ابن قرية قويسنا التابعة لمحافظة الشرقية في وسط الدلتا، الذي رسى به الحال داخل “مدرسة المشاغبين”، وهذا اسم برنامجه الذي قدمه في شهر رمضان الماضي، على فضائية “أون تي في”، حيث وجد ضالته المنشودة في الظهور كأستاذ في فصل تلامذته من المشاغبين، يتجول بينهم ليحلل وينظر ويسقيهم من فيض علمه، بينما يعقد ندواته الآن في برنامج آخر في المحطة ذاتها، تحت عنوان “25/30” مع متخصصين في مختلف المجالات لفتح ملفات شائكة تمثل تصدعاً في جدار الوطن وهماً ثقيلاً على كاهل المواطنين، يتحدث تارة عن أزمة الكهرباء وتلوث المياه، وأخرى يهاجم المحافظين والوزراء والمسؤولين.


البداية من روز اليوسف


بدأ الصحفي المشاغب رحلته مع صاحبة الجلالة من مدرسة “روز اليوسف” الصحفية منذ أن التحق بكلية الإعلام عام 1983، وظل اسمه ملاصقا للأزمات، وأصبحت شخصيته محل نقد للكثيرين، فهو ذلك الصحفي الشاب الذي فتح ملفات أموال التبرعات التي جمعتها الحكومة المصرية، عقب الزلزال الذي ضرب مصر عام 1992، وإعادة البناء والإعمار متهماً نظام مبارك بالاستيلاء على هذه الأموال.

إبراهيم عيسى، المولود عام 1965، يظهر أمامك على شاشة التلفاز مرتدياً “حمالة” البنطلون الشهيرة، وشاربه المميز، يتحدث منفرداً لفترة طويلة، نال نصيبا كبيرا من الاتهامات طوال مشواره المهني، لدرجة أن البعض وصفه بـ”المتناقض” الذي لا يمتلك موقفاً ثابتاً، والعميل الذي يتحالف أحيانا مع فاسدين لهدم مصر، ومدعي البطولة عشقاً للشهرة وحباً في الظهور على شاشات التلفاز، وفي النهاية قد تحتار لمعرفة طبيعة توجهاته.

بدأ الصحفي المشاغب رحلته مع الصحافة من مدرسة "روز اليوسف" وظل اسمه ملاصقا للأزمات، فهو ذلك الصحفي الشاب الذي فتح ملفات أموال التبرعات التي جمعتها الحكومة المصرية، عقب الزلزال الذي ضرب مصر

أما آراؤه الدينية والتاريخية الجريئة التي كانت مثار جدل في الآونة الأخيرة، جعلته يوصف تارة بالمتطاول الذي ينتهك حرمة الصحابة لتغيير المنهاج الذي سار عليه الناس مئات السنين، وتارة أخرى يتبنى فكراً غربياً لهدم الإسلام، وثالثة يحلل ما حرمه الله مشككاً في أغلب الأحاديث النبوية، مروراً بمحاولته تشويه التاريخ.


تشكيك في عرابي


بعد أن عاش المصريون يتفاخرون بما فعله أحمد عرابي في حضرة الخديوي توفيق، ومقولته الشهيرة “لقد خلقنا الله أحراراً، ولن نستعبد بعد اليوم” التي فجرها في وجه الخديوي والمنقوشة على تمثال عرابي الموجود في أحد ميادين القاهرة، أخرج عيسى من جعبته ما يثير به الجدل، كالعادة، وأنكر ما سطره التاريخ عن هذه المواجهة، مؤكداً أن عرابي لم يواجه الخديوي توفيق، وأن الواقعة لم تحدث على الإطلاق، متبنياً فكرة أن تصطدم الناس بالحقيقة أفضل من تصديق الأكاذيب.

هذا هو إبراهيم عيسى صاحب الـ49 عاماً عاش أكثر من نصفها في بحور من الجدل، وكان بطلاً للكثير من الأزمات، خاصة تلك التي نشبت بين السلطة والصحافة، وهو الذي رفض دائماً أن يحتكر أي شخص إبداء الرأي في أي مجال، سواء كان دينيا أو تاريخيا أو حتى فنيا، قانعاً بأن الإطلاع والإبحار في أمهات الكتب هما الوسيلة الحقيقية لتكوين الرأي.


الدستور


في عام 1995، صدرت جريدة الدستور وترأس إبراهيم عيسى تحريرها ليقدم نموذجاً جديداً وجريئا في عالم الصحافة الورقية، خرج عن النمطية في محتوى جريدته فنالت إعجاب عدد كبير من القراء، لكنها أوقفت عام 1998 بعدما نشرت بياناً منسوباً لإحدى الجماعات الإسلامية، تشكك في الولاء الوطني لأحد رجال الأعمال، وهو ما اعتبرته وزارة الإعلام بياناً تحريضيا وغير مقبول، ومثيرا للفتنة الطائفية، ثم عادت الجريدة إلى الصدور في عام 2004، وكان عيسى يرأس تحريرها مع جريدة “صوت الأمة” الأسبوعية المستقلة، إلى أن انفرد بتحرير جريدة الدستور الأسبوعي واليومي معاً في 2007، حتى أغلقت مرة أخرى في عام 2010، بسبب مقال نشره للدكتور محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية السابق، والذي كان عيسى يجهر بحبه له، ما تسبب في وضعه موضع شك، خاصة عقب ترك البرادعي منصبه والساحة السياسية برمتها العام الماضي.

لم يهدأ عيسى أو يكل بعد غلق جريدة الدستور، بل خاض تجربة أخرى تجسدت مع صحيفة التحرير المصرية التي يترأس تحريرها حالياً والمغلفة بنفس النكهة والتوليفة الصحفية التي يفرضها عيسى في كل تجاربه، وهي تبنى الآراء الشابة والأقلام اللاذعة.

عيسى والمخلوع


اعتبره البعض مناضلاً، حيث هاجم الرئيس المصري المخلوع محمد حسنى مبارك وعائلته طوال فترة حكمه وأغلقت في عهده ثلاثة صحف، كان عيسى رئيساً لتحريرها، واعتبر البعض الآخر أن هجومه على الرئيس الأسبق حسنى مبارك ونظامه يدخل في باب المواءمات السياسية وفقاً لاتفاق مسبق بينه ومسؤولين في السلطة آنذاك، وإلا ما كان ليتمتع بحريته طوال تلك الفترة التي تناولت فيها جريدة الدستور موضوعات تخص مبارك وعائلته وتقتحم الأبواب المغلقة وتتخطى كل الحدود، وهو ما تسبب في ارتفاع مبيعات “الدستور” التي كانت تضاهي كبرى الصحف القومية والمستقلة، حتى أشيع وقتها أن جماعة الإخوان المسلمين تمول تلك الجريدة المعارضة لنظام مبارك، من خلال اشتراكات في الجريدة.

عيسى، الذي هاجم نظام مبارك بشراسة، أدهش الجميع بشهادته أمام هيئة المحكمة، في محاكمة مبارك المعروفة إعلامياً باسم “محاكمة القرن”، بعد أن قال، إن مبارك قائد الطيران الذي حارب من أجل مصر وضحى بروحه، ليس بخائن للوطن، وكتب بشهادته هذه سيناريو جديدا من الدهشة لدى مؤيديه قبل معارضيه.

أنكر إبراهيم عيسى عذاب القبر والمواجهة بين أحمد عرابي والخديوي توفيق

وصل عيسى في نقده إلى كل شيء حوله، وطالت آراؤه الدينية الجدلية بعض الصحابة والتابعين، وفسّر البعض هجومه على نظام مبارك بالجرأة وظنوا أنه المتحدث بلسان حال “الغلابة” والمقهورين، هؤلاء الغلابة من أبناء الشعب المصري، وصفهم عيسى نفسه بعد ذلك بـ”أصحاب القصور الفكري وأنهم ظلوا لسنوات عديدة ينساقون وراء تصريحات نظام فاسد وفتاوى شيوخ يتاجرون بالدين من أجل نشر الفكر الوهابي، وضعفاً أمام آلاف الريالات التي يتقاضونها لنشر تلك الأفكار”، مؤكداً أن “التبحر في الدين ليس قاصراً فقط على الشيوخ”.


إهانة رئيس الجمهورية


في العام 2006، اتهم عيسى بالسب والقذف والتحريض والإهانة والتطاول على رئيس الجمهورية، عندما نشرت صحيفة الدستور التي يرأسها مقالاً بعنوان “مواطن من وراق العرب” طالب بمحاكمة مبارك وأسرته ورد مبلغ 500 مليار جنيه (نحو 70 مليار دولار) قيمة القطاع العام والمعونات الخارجية، وصدر ضده حكمٌ بالسجن لمدة عام وكفالة 10 آلاف جنيه، ثم خففت محكمة الاستئناف الحكم إلى غرامة فقط 4 آلاف جنيه.

عاد عيسى للاتهام مرة أخرى بنشر أخبار كاذبة عن صحة رئيس الجمهورية ليصدر ضده حكم آخر بالسجن لمدة عام، وتعاد المحاكمة أمام دائرة أخرى لتخفف مدة الحبس إلى شهرين، فسلم نفسه إلى السلطات لتنفيذ الحكم، إلا أن مبارك أصدر قرارا جمهوريا بالعفو عنه، ليكسب الأخير تعاطفا شعبيا، ويسجل ضد عيسى نقطة من الديمقراطية المزيفة، حيث لم يكتف بإغلاق معظم الصحف التي يُكتب اسم عيسى عليها، بل كان رجال مبارك يعوقون إصدار تصاريح للصحف التي يشارك فيها، ويوصون أي رجل أعمال يفكر في إصدار صحيفة جديدة بعدم الاستعانة به رئيساً للتحرير.

في الوقت الذي هاجم فيه عيسى جماعة الإخوان المسلمين ووصفها بـ”الإرهابية” برّأهم من الدماء التي سالت في المظاهرات متهماً وزارة الداخلية بالمسؤولية عن ذلك، واصفاً إياها براعي الإرهاب والبلطجة، مؤكداً على أنها الذخيرة التي يسعد بها أي نظام بوليسي مستبد، على الرغم من أنه استبعد خلال شهادته في محاكمة القرن استخدام الداخلية للرصاص الحي في تفريق المتظاهرين في 25 يناير وأنهم اكتفوا برش المياه والقنابل المسيلة للدموع، ألم يصفه كثيرون بـ”المتناقض”.


رفضه للمناصب السياسية


عيسى لا يزال صندوقا من التساؤلات يسير على قدمين، ينتقد الحكومة المصرية برئاسة إبراهيم محلب، ويبتعد تماماً عن رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، فيتيح الفرصة لطرح التساؤل، هل هذه هي فترة المصالحة بين عيسى والسلطة، فالكاتب الصحفي كان قد تلقى عرضاً من السيسي وقت أن كان رئيساً للمخابرات الحربية بتولي منصب مستشار إعلامي للمجلس العسكري برئاسة المشير حسين طنطاوي، عقب ثورة 25 يناير لكنه رفض، حيث أنه يعتبر نفسه صحفياً ومحللاً سياسياً فقط.

علاقته بالرئيس السيسي لم تمنعه من توجيه انتقاد “ناعم” له، حيث صفه بالرئيس المشغول والمهموم بمشاكل بالوطن، لكنه مع الأسف يكره السياسة عكس ما يتطلبه منصبه، ولا بد من أن يحل هذه المشكلة، لأنه لا يمكن التعامل مع هذا التوقيت دون سياسة ولا يكتفي بحب الناس له فقط، والغريب أن هذا الرأي جاء في وقت كان السيسي في جولة خارجية لاستعادة العلاقات، والمشاركة بفاعلية في القضايا الدولية.

إغلاق الصحف لم تكن وحدها الميزة التي منحته لقب المناضل في ظل نظام اعتاد على اتخاذ القرارات الديكتاتورية أمام معارضيه، بل إن روايته “مقتل الرجل الكبير” التي كتبها عام 1999، لم تتحمس أي دار نشر لها فقام بطباعتها على نفقته الشخصية، وتعاقد مع مؤسسة صحفية كبرى على توزيعها، وانتظرها في الأسواق دون جدوى فطالب باسترداد ثلاثة آلاف نسخة منها ليقوم بتوزيعها بمعرفته، فقدمت له الصحيفة للخروج من مأزق المصادرة ثمن النسخ مقابل البيع الذي لم يتم، أما روايته “مولانا” فكانت الصاروخ الذي أطلقه في وجه من أطلق عليهم “شيوخ الفضائيات”، ليجسد فيها واقعاً متناقضاً نعيشه يومياً هو الفتاوى المثيرة للجدل.

فسر البعض هجومه على نظام مبارك بالجرأة وظنوا أنه المتحدث بلسان حال "الغلابة" والمقهورين، هؤلاء الغلابة من أبناء الشعب المصري، وصفهم عيسى نفسه بعد ذلك بـ"أصحاب القصور الفكري وأنهم ظلوا لسنوات عديدة ينساقون وراء تصريحات نظام فاسد وفتاوى شيوخ يتاجرون بالدين"


صحفي برتبة مفتي


كانت قضية عذاب القبر آخر القنابل التي فجرها عيسى ليتلقى على أثرها هجوماً حاداً، بسبب رأيه في تلك القضية، حيث أنكر أصلا وجود “عذاب في القبر”، لكنه كالعادة خرج علينا بأحد مقالاته ليهاجم منتقديه واصفا إياهم بـ”الجهلاء” و”ببغاوات الإنترنت” مؤكدا أن العقل المصري شهد تراجعاً كبيراً خلال الأربعين عاماً الماضية، بسبب تراجع الأزهر عن القيام بدوره.

الأزهر بدوره طلب التحقق في هذه الواقعة والآراء الخاطئة، وتمنى عيسى أن تكون تلك الآراء في ميزان حسناته كونه يعمل على تنوير عقول أصابها العطب منذ عشرات السنين، لكن الغريب أنه اتهم الأزهر بالتسبب في هذا التراجع الفكري كونه المسؤول الأول والأوحد عن الفتاوى الدينية، وأنه الوحيد المسموح له بالفتوى في مثل هذه الأمور، وفي الوقت الذي يخرج هو بالفتوى الدينية معتمداً على ما قرأه، يرفض الآخذ بآراء من ينعتهم بـ”تجار الدين”.

لكن صاحب الفتاوى والآراء الدينية يؤمن تماماً بظهور السيدة العذراء مريم وتجليها، ويؤمن أنها ظهرت في إحدى الكنائس، أي أن مريم التي رحلت منذ ألفي عام ظهرت مرة أخرى، وفي المقابل كال الاتهامات إلى الصحابي أبو هريرة الذي نقلت عنه عشرات الأحاديث النبوية، حيث شكك في إمكانية قدرته على رواية أكثر من خمسة آلاف حديث عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، لتكتمل سلسلة اتهامات عيسى بأنه المردد لكلام مستشرقي الغرب.

أشد أوقات عيسى حرجا كانت عقب سقوط نظام حسنى مبارك، فقد سقط من كان يكرّس هذا الصحفي جهده له، ويعتبره هدفا أساسيا، وأصبح بلا هدف سياسي تقريبا، فهو لا يستطيع أن يعيش دون معارضة، إلى أن وجد ضالته في أخطاء وحماقات الإخوان المسلمين، فجعلهم هدفه، حتى سقطوا من على كرسي السلطة، والآن يعيش عيسى اللحظة ذاتها، فهل سيتحول السيسي إلى هدف له، أم أن التطبيع معه سيمنعه، ويجبره على البحث عن هدف آخر؟ الأشهر المقبلة سوف تتكفل بالإجابة.

15