إبراهيم عيسى: مهمة الكاتب إنقاذ التاريخ من العواطف

الروائي إبراهيم عيسى يرى أن التاريخ مزدحم بحكايات لا حصر لها تبدو مدهشة ومثيرة وربما جميلة فنيا لكن صرامة المحقق قد تستبعد جميع ما يتسرّب الشك إليها.
الخميس 2020/10/29
الرواية أشبه بقطار سريع

القراءة الثانية مُهمة، والثالثة أكثر أهمية، عندما يتعلق الأمر بالتاريخ المروي. فالنظر إلى لوحة التاريخ بتصورات جديدة يضبط الرؤية ويقلل من حجم تدخل ريشة التجميل والتشوية. وهو ما يتصدّى له اليوم الكثير من الروائيين بدل المؤرخين. وفي هذا الصدد التقت “العرب” الروائي المصري إبراهيم عيسى، الذي يعتبر من أهم كتاب الرواية التاريخية.

كلما تحررنا من عواطفنا ومُسلماتنا وأيديولوجياتنا ورضانا وغضبنا تجاه البعض وإعجابنا واستيائنا قاربنا الواقع التاريخي.

التاريخ مُلوّن بتصورات كاتبيه، وموجه لخدمة السلطة أحيانا، وربما لإرضاء القطيع والجماهير، وما يرونه لنا في ما يعتقدونه ليس شرطا أن يكون الحقيقة، وأي كتابة جديدة للتاريخ ينبغي أن تتحرر من العواطف والتوجهات السابقة ليعاد تقديمها في إطار مشوق يستهدف الحقيقة ومحاكمة ما مضى.

كانت تلك الرؤية هي المُلهمة والحاكمة للكاتب والإعلامي المصري إبراهيم عيسى، وهو يقدم حكاية أخرى لثورة 23 يوليو سنة 1952، من خلال إطار درامي تضمه روايته الجديدة “كل الشهور يوليو”، والصادرة أخيرا بالقاهرة.

وظيفة جديدة

لماذا اختار إبراهيم عيسى هذا العنوان الغريب “كل الشهور يوليو”؟ يرفض الروائي التفسير ويترك ذلك لتصور كل قارئ كي يضع فهما شخصيا للرواية، وكأنه أراد القول إن التاريخ يتكرر بما يضمه من صراع، وخداع، وحب، وكراهية، وصدفة، وغباء، وولاء، وخيانة، وخبل، وأمل. مَن يتحيز لثورة يوليو ويمجد رجالها، ويراهم أبطالا وثوارا وشجعانا تُسعده الحكاية، كما أن مَن يتحيز ضدها ويراها انقلابا وغدرا وفشلا وسقوطا يرضى عن العمل، لأنه يعتقد بأنه استهدف الحقيقة وتجرّد.

يقول إبراهيم عيسى لـ”العرب”، إن هناك وظائف كثيرة للرواية الأدبية، مثل المتعة، وشحذ العقول، وإثارة التساؤلات، ويضيف إليها وظيفة أخرى هي الإنصاف وإعادة كتابة التاريخ محررا من فخ العواطف والميول الشخصية.

جاء إهداؤه الرواية إلى “الذين يبحثون عن الحقيقة.. إنها تبحث عنكم”، وتلاه بديباجة تقول “كل شخصيات الرواية حقيقية، وجميع أحداثها تستند إلى عشرات المراجع والمصادر، من مذكرات ويوميات ووثائق ودراسات وشهادات وكتب”.

الرواية تتناول حكاية حركة أو انقلاب 23 يوليو في مصر بأدق تفاصيلها
الرواية تتناول حكاية حركة أو انقلاب 23 يوليو في مصر بأدق تفاصيلها

تحكي الرواية في 660 صفحة حكاية حركة أو انقلاب 23 يوليو في مصر بأدق تفاصيلها ومحاورات شخوصها مختلفي التوجهات، بدءا من الملك فاروق، ملك مصر والسودان (1936ـ 1952)، مرورا بالرئيس جمال عبدالناصر، قائد الحركة، ورفاقه من الضباط الأحرار، مثل: أنور السادات، خالد محيي الدين، عبدالحكيم عامر، حسين الشافعي، يوسف صديق، فضلا عن شخوص أخرى قامت بأدوار ثانوية مهمة مثل السفير الأميركي كافري، وفؤاد سراج الدين، والصحافي مصطفى أمين، وصولا إلى أصحاب أدوار أصغر مثل الملكة ناريمان، والأميرة فوزية، وحاشية القصر.

تمتد الأحداث لتعيد قراءة كل شخصية تاريخية بشكل واقعي ينأى عن المدح، ويتجنب القدح، مع استعراض دوافع الشخصيات الإنسانية والوقوف على نقاط القوة والضعف في كل منها، بدءا من ليلة التحرك، وصولا إلى خروج الملك من مصر، واستبدال سلطة غاشمة قاسية بأخرى قد تكون أكثر قسوة.

ويوضح الروائي المصري أنه كتب روايته لأنه مؤمن ب تاريخ حركة يوليو التي غيرت وجه مصر وامتد تأثيرها إلى العالم العربي والأفريقي، مثل كثير من الأحداث الهامة في تاريخنا المعاصر الذي لم يُكتب بعدُ. إن أغلبية ما قدمته الكتابات التاريخية لا تُرضي شغف القارئ ولا تُقدم صورة متكاملة لما حدث، وكيف حدث؟

من هنا درس إبراهيم عيسى كل شخصية على حدة، وتخيّل سماتها وأعاد رسمها، ومدّ الصورة المرسومة عبر المشاهد المتتالية ليُقدّم جوانب قد لا تكون معروفة لدى العامة، مثل ولع اللواء محمد نجيب قائد مجلس قيادة الثورة غير المنقطع بالحكايات لكل شخص يقابله، أو ميل السادات الدائم لامتصاص غضب أي شخص والحديث معه وكأنه مؤيد لما يقول، أو الصمت المريب والدائم لعبدالناصر، الذي يعني قراءته العميقة لمعظم من يلتقي بهم.

يتخذ الكاتب من الراوي العليم صوتا مراقبا لكل الشخصيات، غير أن هناك صوتا مستترا يمثل شيطانا مقترنا بكل شخصية يُحادثها ويحاورها ويغوص في رأسها كفايروس عقلي يومض مصورا ما تُخبئه سكناتها. يؤكد عيسى أن سعيه إلى قراءة التاريخ تحول إلى منهج حاكم لمعظم أعماله، مُفضلا التعامل معه بعقلية المحقق الجنائي، الذي يُخضع كل شخص وحدث لمعيار وحيد هو الواقعية.
إذا كان البعض يرى أن دافع التخييل لدى الروائي يؤدي أحيانا إلى اختلاق وقائع وحكايات في روايته التاريخية، فإن عيسى على تضادّ مع هذه الفكرة لأنه يرى أن الصرامة التي تحكم معايير كتاباته التاريخية تدفعه إلى الانتصار للحقيقة حتى لو كان ذلك على حساب الحكايات المثيرة والجذابة دراميا. يقول الروائي المصري، إن التاريخ مزدحم بحكايات لا حصر لها تبدو مدهشة ومثيرة، وربما جميلة فنيا، لكن صرامة المحقق قد تستبعد جميع ما يتسرّب الشك إليها.

تناولت رواية عيسى السابقة التي تحمل عنوان “القتلة الأوائل” تاريخ الحرب الأهلية بين المسلمين في القرن الهجري الأول، في ما عرف بالفتنة الكبرى، ورأى شخصية عبدالله بن سبأ التي تحدث عنها بعض المؤرخين أسطورية يصطدم وجودها مع الواقع نفسه، ما دفعه إلى استبعادها واستبعاد كل حكاياتها، رغم أن مثل هذه الشخصية العجيبة قادرة على إدهاش القارئ. ولفت عيسى، إلى أن الكتابة الروائية التاريخية تحوّل صاحبها إلى محلل نفسي، مهمته إعادة قراءة سمات كل شخص، والتعرف على دوافع كل إنسان في اتباع سلوك ما في وقت ما.

ويشبّه كاتب الرواية التاريخية بالقاضي، أو وكيل النيابة الذي تُعرض عليه الشهادات والوقائع جميعا، فيحللها منطقيا ليستبعد منها ما يناقض العقل ويعيد فرز الحكايات الجديرة بالعرض مرة أخرى، وبين شلال من الشهادات المتعددة الغريبة والمتناقضة لا بد من وضع معايير صارمة لقبول أو رفض الواقعة، فأحيانا نفاجأ بشهادات ما لشخص واحد مروية بطرق عديدة.

ويرى أن المهمة المثلى للكاتب إنقاذ التاريخ من العواطف، والتحرر التام من كل ما يغاير الحقيقة، فقد تسببت العواطف في اتساع حدة الاستقطاب ليس في المنطقة العربية وحدها، إنما في العالم كله، “لقد أفسدتنا العواطف، جرجرتنا بعيدا عن الحقيقة، دفعتنا إلى التيه بين ركام الأكاذيب وأكوام القصص المختلقة، ففقدنا الماضي ولم نُلمّ بالحاضر وظلّت سبلنا نحو المستقبل”.

ويشير عيسى إلى أن دافعه للكتابة هو أن يعيش حيوات الآخرين، ويُفكر وكأنه واحد منهم، يدرس ما فعلوه، يُحلل ما مرّ بهم، وما خططوا له، ويسأل مع السائلين لماذا نجحت خطة الفشل في تحقيق الحلم المستحيل، الذي انقلب بعدها إلى كابوس؟

الكاتب في ظنه يعيش عدة مرات، مرة في حياته الطبيعية بانتصاراتها وانكساراتها، ومرات أخرى في كل رواية يكتبها، خاصة إذا كانت رواية تاريخية جرت أحداثها في الحقيقة ورأى الناس شخوصها الحقيقيين.

غربلة الشهادات

يلفت الروائي المصري في حواره مع “العرب”، إلى أن الرواية في تصوّره أفضل وعاء لإعادة قراءة التاريخ، وكسر المُسلمات، ونقد الشهادات المبنية من أيديولوجيات خاصة، والوصول إلى الجانب الإنساني بما يحمله من ضعف ونوازع وسمات موجودة في كل شخصية. فالأبطال ليسوا أبطالا إلى الأبد، وحتى الأشرار أو من يعتبرهم الناس أشرارا قد يحملون في بعض جوانبهم نقاطا إنسانية مضيئة.

ويبدو القالب الروائي سلسا وجذابا بالنسبة إلى عيسى، لأنه يهتم بالسمات الإنسانية لكل شخصية، وله أنصار كثر، ويتماهى مع التاريخ في تعبيره عن أشخاص من لحم ودم، يمكن أن نرى الكثير من الناس حولنا على شاكلتهم.

وكان الجانب الواقعي منطلقا للرواية العربية الحديثة، فمن بين الشخصيات التي تعيش حولنا يمكن رسم شخوص روائية مدهشة، وضرب مثلا بالروائي الكبير نجيب محفوظ عندما كتب روايته “الكرنك” استنادا إلى حكايات وشهادات لأشخاص حقيقيين قابلهم في المقهى.

الكاتب يحلل المعطيات التاريخية منطقيا ليستبعد منها ما يناقض العقل ويعيد فرز الحكايات الجديرة بالعرض مرة أخرى

وقد كتب محفوظ أيضا روايته “اللص والكلاب” عن سفاح حقيقي عرفته مصر خلال الستينات، وكتبت عنه جميع الصحف، وهو محمود سليمان. في فلسفة إبراهيم عيسى، تبدو الرواية أشبه بقطار سريع عصري ومتطور، والتاريخ هو القضبان الحديدية التي يمر عليها، فيزلزلها ويحطم بعضها، ويدفع لتجديد بعضها الآخر.

ويعتبر أن التاريخ العربي، بل وتاريخ العالم نفسه في حاجة إلى إعادة كتابته مرة واثنين وثلاثا وأكثر، وهناك حركات فكرية عديدة تتبنى إعادة كتابة التاريخ، لذا فهو أمر لا يصح التساؤل فيه، لأنه قطعي الإجابة بنعم. ويضيف أن مقولة “التاريخ يكتبه المنتصرون” صحيحة، وما بقي لنا باعتباره تاريخا هو نصف الحقيقة، نحن بحاجة إلى غربلة الوقائع والأحداث المروية ووضع معايير موضوعية لترجيح روايات عن أخرى.

وهناك كتب عديدة تدّعي أنها كتب تاريخ وربما تضم شهادات مختلفة، ومستندات ووثائق، لكنها في حقيقة الأمر تقدم جانبا مما جرى لا ما جرى بالفعل، وهذا كله يستلزم لفن الرواية التشابك والتقاطع مع التاريخ وطرحه بصورة مُجرّدة.

15