إبراهيم مالك: إن لم يغيرنا الشعر نحو الأفضل فما الفائدة منه؟

الشاعر إبراهيم مالك يرى أن أغلب كتاب قصيدة النثر ظهروا نتيجة لواقع معين أرادوا إبرازه في مشهدية ملحمية تعبر عن الواقع دون أي رتوش.
الثلاثاء 2020/06/02
الشاعر الموريتاني مازال تقليديا

هناك تصور نمطي عن الشعر في موريتانيا على أنه كلاسيكي أو عمودي فقط، وإن كانت هذه الرؤية لها مبرراتها من انتشار الشعراء الكلاسيكيين دون غيرهم، فإنها تغفل عن شعراء شباب يحاولون تجديد الشعر الموريتاني، خاصة كتّاب قصيدة النثر، ومن بينهم إبراهيم مالك، الذي كان لـ”العرب” معه هذا الحوار حول قصيدة النثر والمشهد الثقافي والشعري في موريتانيا.

تعتمد نصوص الشاعر الموريتاني إبراهيم مالك جمالية العبارة البسيطة مفردة وتركيبا، وتتشكل رؤاها من ذلك العالم القريب للذات، وصورها الشعرية تشتبك مع الواقع المحيط تعري تناقضاته وتواجه هزائمه، ومفارقاتها على بساطتها صادمة وعميقة ودالة، وتتميز بقدرة عالية على الإيجاز على الرغم مما تحمله من ثراء في المعاني والدلالات.

مالك من مواليد نواكشوط، حصل على درجة بكالوريا شعبة العلوم الطبيعية 2010، وليسانس في الفلسفة وعلم الاجتماع من جامعة نواكشوط، وماجستير في علم الاجتماع 2016. يكتب إلى جانب قصيدة النثر، المسرحية والقصة القصيرة والنقد الأدبي ويشارك بقوة في الحراك الثقافي.

قصيدة النثر

يقول مالك “البداية في الكتابة غالبا ما تكون صعبة، كنت أخوض صراعا ذاتيا أو وجوديا منذ وقت مبكر دفعني لأن أكتب، كنت أطرح الكثير من التساؤلات ولا أجد لها أية إجابة، ولم يكن أمامي سوى خيار واحد، أن أدون كل ما أكتب. ولدت في عالم غير متوازن، عالم مبني على الكثير من التناقضات والتجاذبات الأزلية، أردت أن أصرخ بشدة حتى يتوازن هذا العالم”.

ويضيف “في البداية أردت كتابة الشعر العمودي ككل مراهق موريتاني أو شاب يطمح لأن يكون شاعرا، لكنني لم أنسجم معه ولم أحصل على التوليفة التي أريد، إذ كان صعبا عليّ أن أختزل نفسي في قالب واحد، ثم انتقلت إلى كتابة القصة القصيرة، لكني لم أجد ذاتي بعد ذلك إلا في قصيدة النثر، وحين عدت إلى نصوصي القديمة جدا وجدتها تشبه كثيرا هذه القصيدة، لذلك أردت أن أطور نفسي وأقرأ كثيرا وأكتب أيضا، وها أنذا منذ نعومة إنسانيتي أكتب قصيدة النثر”.

ويعتقد أن “أغلب كتاب قصيدة النثر ظهروا نتيجة لواقع معين أرادوا إبرازه في مشهدية ملحمية قصيرة أو طويلة، الأهم أنها تعبر عن الواقع دون أي رتوش .لذا أسميهم أبناء الله وخاصته، أبناء الاختلالات البنيوية والوظيفية في المجتمع، أبناء الهامش، القادمين من رحم الحروب والثورات، القافزين على تابوهات الشعر ليضعوا قواعدهم الخاصة. يمكنني أن أقول إنني بدأت كتابة قصيدة النثر قبل أن أقرأ أي ديوان أجنبي، لكنني كنت متأثرا ببعض الشعراء العرب أمثال أدونيس ومحمد الماغوط، وأحمد مطر، قبل أن أتأثر لاحقا برياض الصالح الحسين، ثم أبتكر طريقتي الخاصة في الكتابة”.

يضيف مالك “أثناء دراستي للفلسفة كنت مبتعدا عن الكتابة، خصوصا أن الساحة الشعرية الموريتانية تعتمد أكثر على المحاكاة والتقليد والقواعد الثابتة، وهذا ما تقوم عليه الكلاسيكية وكذلك شعر التفعيلة، وتقوم بإقصاء كل شيء جديد -حتى وإن كان حداثيا وإبداعيا- لكن بعد التخرج اكتسبت رؤية أخرى، تتمثل في أننا لا نستطيع الحياة أو الكتابة تحت وصاية أحد، لا نستطيع أن نكون نسخا أو جزءًا من نظام لا نقتنع به، إما أن نكون نحن أو لا نكون، فقررت أن أعيش بطريقتي وأكتب بطريقتي، وليرفض من يرفض، وليقبل من يقبل. فأطلقت العنان لنفسي ولقصيدتي النثرية، وكان ذلك بعد ما سمي بالربيع العربي، وبعد الكثير من الثورات العربية والخيبات واللعنات التي واجهتها شخصيا، فكان كل ذلك ملهما بالنسبة إلي. كما أن عدم تأثري بالقصيدة الموريتانية والكلاسيكية، جعلني أعيش اغترابا آخر في بدايات تشكل معارفي الشعرية، هذا الاغتراب له بعده الفلسفي، وكذلك الشعري، وإن كنت قد جسدته في نص سابق كان عنوانه ‘هذا النص كتبه كافكا’“.

المشهد الشعري في موريتانيا ما زال تابعا لنفس عقلية المجتمعات العربية التي ترفض التغيير ولا ترحب به
☚ المشهد الشعري في موريتانيا ما زال تابعا لنفس عقلية المجتمعات العربية التي ترفض التغيير ولا ترحب به

ويقول مالك “لا أحب وضع الشعر في قواعد ثابتة، أحب التغيير والسيرورة في الحياة والاستمرارية، وكذلك التحديث، لذلك أرى بأنه من الصعوبة بمكان وضع مفهوم محدد لقصيدة النثر لأنني أرى أنها تختلف وتتطور انطلاقا من رؤية كل شاعر، لكني أميل إلى تعريف سوزان برنار حيث اعتبرتها ‘قطعة نثرية موجزة، مضغوطة كقطعة بلور، إيحائية لا نهائية‘. كما أنني أرى أنها تقوم على إبراز المشهدية والمعيش اليومي بطريقة درامية تجعل القارئ أو المتلقي مشدوها ومتأثرا، لا يستطيع سوى أن يصفق، وذلك طبعا باستخدام لغة شعرية استثنائية ومعبرة، تعتمد إيقاعا موسيقيا واضحا من خلال ارتباط كل مقاطع القصيدة، مع اعتماد الصور البلاغية المدهشة والانزياحات الشعرية الكثيفة”.

ويعتقد أن هذه المساحة الحرة في قصيدة النثر جعلتها عرضة لكل من يريد أن يكتب ويحسب نفسه عليها دون أن يعرف إن كانت هنالك خصائص محددة تمتاز بها هذه القصيدة أم لا، لكن كل من أرادوا التسلق عليها سقطوا تباعا ليدركوا حجم الكارثة، وكم أن السقوط سيكون مدويا إن لم تمتلك ناصية الحرف وملكة الكتابة، لذا عليك أن تعاني وتتعذب بما يكفي لتليق بك فضيحة الشعر.

ويشير مالك إلى أنه “في موريتانيا يقفون أمام كل شيء جديد، حتى قبل أن يطلعوا عليه أو على حقيقته، يكفي أن يكون دخيلا ليناهضوه، هو إذًا حكم مسبق فقط. شخصيا تلقيت رسائل وانتقادات عديدة من كتاب وشعراء ينصحونني باللجوء إلى كتابة شعر التفعيلة، إن أردت أن تخلد تجربتي الشعرية، أو أحظى بالتقدير والتكريم. أن تفكر خارج الصندوق يعني أن تبحث عن نفسك داخل كومة قش. لذا فإن قصيدة النثر هنا ما زالت مقصية من قبل بعض القامات الأدبية المنتهية الصلاحية، لكنها مقبولة من قبل أغلب الشباب والمثقفين الحداثيين”.

ويلفت إلى أن الإشكال في موريتانيا أن الشعر ما زال مهمشا وتابعا للقبلية والجهوية والمحسوبية، حتى أنه أحيانا يتاجر به، مثلا في أغلب الفعاليات السياسية نجد شعراء يمجدون الحاكم، أو يتغزلون بابن قبيلتهم المترشح، لذا يرى مالك أن الشعر هنا بدائي وبطيء بالكاد يسير أو يحبو حتى يستطيع تغيير عقلية شخص واحد. إن لم يغيرنا الشعر نحو الأفضل، فما الفائدة منه؟ كما يقول، متابعا “كما أن ندرة الطباعة والنشر في موريتانيا جعلت الشعر غامضا ومبهما، غائبا ومغيبا عن العالم. لكن أنت مقصي من المشهد الشعري ما دمت تكتب على طريقتك الخاصة”.

المشهد الثقافي

يؤكد مالك أن الحراك الثقافي والإبداعي في موريتانيا يخضع أيضا لنفس المشاكل والظروف السابقة التي يعاني منها الشعر، يمكننا أن نضيف إليه تهميش الثقافة والإبداع من طرف الحكومات المتعاقبة وعدم دعم وتشجيع الشباب المبدع حتى يستمر، وكذلك عدم وجود أو خلق أمسيات ومهرجانات ثقافية كبيرة تنتشل هؤلاء المبدعين بعيدا عن مهرجانات القبيلة والمحسوبية، كلها عوامل تبطئ كل يوم هذا الحراك الثقافي وتقتل أحلام الشباب المبدع.

ويضيف “هنالك جهود جبارة يقوم بها بعض الشباب تستحق الشكر والتثمين، لكنها ليست كافية لنكون أمام حراك ثقافي حقيقي، وهو ما جعلنا مقصيين غالبا من هذا العالم الذي لا يعرف عنا سوى القليل، لم يستطع الشاعر الموريتاني حتى الآن أن يُعرف العالم بثقافته، شأنه في ذلك شأن الروائي، ربما هنالك عوامل كثيرة ساهمت في تردي الحراك الثقافي الموريتاني لكن يمكن تلخيصها بشكل كامل بنظرة المجتمع والحكومة للشعر والثقافة”.

ويرى الشاعر أن المشهد الشعري العربي ما زال تابعا لنفس عقلية المجتمعات العربية التي ترفض التغيير ولا ترحب به، بعكس المجتمعات الغربية التي رحبت ببودلير وقصيدته النثرية في “أزهار الشر”، بل واحتفت بها كقصيدة جديدة جديرة بالثناء والتقدير، حتى ساهمت هذه القصيدة في صناعة عصر النهضة الأوروبية الذي كان سببا في هذا التقدم الهائل الذي وصلوا إليه حاليا. أما في البلدان العربية فقد نشأنا على مساعدة الفاشل في فشله، والوقوف في وجه من يريد النجاح حتى يفشل”.

المساحة الحرة في قصيدة النثر جعلتها عرضة لكل من يريد أن يكتب ويحسب نفسه عليها دون دراية بخصائصها

ويقول مالك “هي رؤية إقصائية تنامت في عقولنا اللاواعية وتربينا عليها منذ الأزل، فحتى في أربعينات القرن الماضي حين كتبت نازك الملائكة قصيدتها الشهيرة ‘الكوليرا‘ في شعر التفعيلة، وحين نادت به كحركة شعرية جديدة نتيجة لما تقتضيه ظروف تلك المرحلة، وقف الجميع في طريقها معتبرين ذلك شذوذا عن القواعد الخليلية الثابتة، ورغم أنها بعد ذلك أثبتت نفسها، وتقبل الجميع شعر التفعيلة، كانت نازك الملائكة أيضا من أوائل المعارضين لقصيدة النثر حين ظهرت مع روادها الأوائل مثل أدونيس وأنسي الحاج وغيرهما. مع أنه كانت هناك ظروف أخرى جديدة ومغايرة، ظروف اجتماعية وثقافية ساهمت في نشأة هذه القصيدة”.

ويتابع “إذًا ظل المشهد الشعري العربي إقصائيا ولسنوات طويلة أيضا ظلت قصيدة النثر العربية على الهامش، فقلت مهرجاناتها ومؤتمراتها، وتم تهميش شعرائها في العديد من البلدان، ومع أنني لا أتابع هذا المشهد إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي فإنني أرى بأن هناك الكثير من الشعراء الذين يمكن أن يغيروا وينهضوا بالمجتمعات العربية، لكن لا أحد يستمع لهم أو يلقي لهم بالا، ففي مجتمعاتنا وحده السلاح مسموح له بالتغيير والسلطة، وليس الكلمة”.

يختم إبراهيم مالك بإشارته إلى أن التواصل الثقافي الموريتاني العربي موجود منذ القرن الماضي، وربما هو ما جعل مجلة “العربي” الكويتية تطلق على موريتانيا بلد المليون شاعر سنة 1967، بعد أن برز الشعراء الموريتانيون في الساحة الشعرية العربية، واستمر هذا التواصل أيضا مع بداية الألفية، وحتى مؤخرا فاز كاتب موريتاني بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية. كما يعرف الكثير من الروائيين والكتاب والشعراء الذين لا يطبعون كتبهم إلا في مصر والإمارات والسعودية، وغيرها. وحتى على منصات التواصل الاجتماعي هناك تواصل ثقافي آخر يتم من خلال نشر أغلب كتاب قصيدة النثر في موريتانيا في بعض المجلات الإلكترونية العربية. إذن ما زال هذا التواصل قائما، وإن كان محدودا ويحتاج إلى تكثيف ورؤية أخرى أكثر مصداقية وإفادة للطرفين.

16