إبراهيم نصرالله: من يقول نصف الحقيقة هو بالضرورة شاهد زور

الأربعاء 2013/08/14
إبرهيم نصرالله: كل جملة كتبتها هي تعبير عما فكرت فيه

عمان/ الأردن- إبراهيم نصرالله شاعر وروائي من عائلة فلسطينية وقع تهجيرها عام 1948 من قرية البيرج إلى الأردن، ولد بعمّان سنة 1954، له إضافات فنية وثيمية بارزة في المجال الإبداعي العربي، حيث تنهض إبداعاته على قاعدة التداخل بين الإنساني والوطني والكوني. وقد شكلت تجربته في توصيف الملهاة الفلسطينية أول مشروع روائي ينصبّ على القضية الفلسطينية ويتأمّل أبعادها الدّلالية. "العرب" التقت بإبراهيم نصر الله في عمان وتركّز حوارها معه حول دور المثقف والمؤسسات الثقافية الرسمية العربية في زمن "الربيع العربي".

استكمالا لمشروعه الروائي "الشرفات" الذي يتفرّع إلى "شرفة الهذيان" و"شرفة رجل الثلج" و"شرفة العار"، صدرت مؤخراً روايـــة جديدة لإبراهيم نصـــرالله عنوانها "شرفة الهاوية" عن الدار العربية للعلوم – بيروت، ودار "مكتبة كل شيء" – فلسطين، وسيقام في الأيام القليلة القادمة حفل توقيع لها في عمان بالأردن.

الشعر حب أول


كانت بداية حوارنا مع إبراهيم نصرالله هي سؤالنا عن أيّ الصفتيْن أقرب إليه "الشاعر" أم "الروائي"؟، وما إذا كانت الأجناس الأدبية تسلم نفسها للمبدع بنفس المقدار؟، فأجاب قائلا: "ليس ثمة مسافة في داخلي بين الشعر والرواية، صحيح أن لكل فن خصوصيته، لكنني أجد نفسي في الخصوصيتين؛ ومثلما أن في روايتي الكثير من روح الشعر، فإن في شعري الكثير من السرد أيضا.

أما عن تسليم الأجناس لنفسها، فأظن أن ذلك واقع، وتجارب كثير من الكتاب في العالم تشير إلى ذلك، مع أن هناك تجارب أكثر تدل على استحالة ذلك، فمثلا لم أر كاتبا بدأ حياته روائيا وأصبح شاعرا جيدا، لكن العكس ممكن، فالشعر لا يقبل أن يسبقه فن آخر في تجربة الكاتب نفسه. إنه حب أول متجدد".

عندما تتحول القصيدة إلى أغنية تزداد انتشاراً لتعطي الشاعر مدىً أوسع، فالعديد من الفرق الغنائية الوطنية غنت كلمات الشاعر نصرالله فهل كتب لها بقصد أم أنها قصدت كتاباته لتغنيها، وهل للشاعر أو الأديب أن يكتب ما يُطلب منه أم هو يكتب ويأتي من يطلب ما كتب؟ يُجيب نصر الله: "تجربتي مع الأغنية واسعة في ظني، هناك حوالي خمسين أغنية من كلماتي، لفرقة (بلدنا) وسواها، بعض هذه الأغنيات قصائد من دواويني الشعرية وبعضها كتبته كأغنيات.

إيماني بدور الأغنية دفعني إلى كتابتها، أكتب أولا ثم أقدم الأغنية للفرقة، ولم يسبق لي أن كتبت بناء على طلب. حين يُطلب مني أن أكتب شيئا، وقد حدث، أكتشف أنني عاجز عن الكتابة".

مسيرة مشاكسة


وحول تعرّض إبراهيم نصر الله لصنوف المنع كأديب وشاعر لعلّ أبرزها المنْع من السفر ومن إقامة الأمسيات الأدبية والاستدعاء إلى المحكمة، ومصادرة روايته "طيور الحذر" وتكفيره بسبب ديوان "باسم الأم والابن"، يقول نصر الله: "ما أومن به أن الكاتب لا يستطيع أن يكتب بنصف وعيه، أو بنصف قلبه.

كما أن الذي يقول إن نصف الحقيقة هو بالضرورة شاهد زور. حيثما التفت هناك قتل وسحق لكرامة البشر وكذب وخداع تمارسه السلطات، إذا لم تكتب بشجاعة ستكون جزءا من هذا الخراب دون أن تدري. لذا كانــت كــل هـذه (العقوبات)، لكنها زادتني إيمانا بما أفكر فيه".

الرواية تعطي إبراهيم نصر الله حيزاً من "المكر" بحيث يبدو محايداً حسب قوله، ولكن ماذا عن الشعر؟ ثم ما الرواية الأقرب إليه والتي أعطته هذا الحيز من حرية الكتابة؟ يجيب نصر الله عن كل هذا ببوح خاص: "في الشعر لا يمكن أن تكون مؤثرا إلا إذا سمع القارئ نبض قلبك، وفي الرواية لا يمكن أن تكون مقنعا إلا إذا سمع القارئ نبض قلوب ووعي شخصياتك، الذي هو في الحقيقة نبض قلبك ووعيه الذي منحته لها.

وربما هذا هو (المكر) وليس لكاتبنا عمل مميز إلا بقدر ما يعبر عن تفكيره وإحساسه: كنا نسمع في الماضي جملــة: كلهم أبنائي، ولكنني أقــول: كلهــا أنــا. وكل جملة كتبتها هي تعبير عمّا فكرت فيه وأحسسته في لحظة كتابتها، بمعنى أن كل نص أدبي هو في اعتقادي فصل من فصول سيرة حياة كاتبه الثقافية. أحب التنوع داخل التجربة وأحــرص عليه، فقــد كتبت الرواية التاريخية والسيكولوجيــة والاجتمــاعية والغرائبية، واجتهــدت في تقديــم أشكــال فنيـــة مختلفة، لأن البنــاء الروائي جــزء مــن متعتي".

كما تشكل الرواية التي تعتمد الأحداث التاريخية "الملهاة الفلسطينية" محطة مهمة في حياة الروائي إبراهيم نصرالله، و كتابة هذا النوع من الروايات يتطلب إطلاق العنان للمخيلة والإبداع بحيث يتحول خبر صغير في الواقع إلــى خط درامــي ممتد في الرواية، وحين سألناه كــم من البحث والجهد يتطلبــه هذا النوع من الروايات حتى لا تفقد الروايتان (الواقعية والمتخيلة) قيمتهمــا؟ أجابنا قائلا: "لا أظن أن هناك قاعدة يمكــن أن تشمل كل الكتــّاب.

فكل كاتب يختط طريقه في هذا المجال، بعض الكتاب تأكل أعمالَهم الواقعةُ التاريخية وبعضهم يأكل المتخيلُ الواقعي، إنها معادلة صعبة أن تقدم عملا يفلت من هذه الفخاخ.

وحين أكتب عملا من هذا النوع أبحث كثيرا، ولا أبدأ بالكتابة إلا بعد أن أحس بما سأكتبه، وقد أكرس عاما أو عاما ونصف العام للبحث فقط، وأحيانا سنوات طويلة جدا، ولكن بصورة متقطعة، لكي أشكل رؤية للحالة التي سأتناولها، فالواقعة مسألة مهمة، لكنك إن لم تقدم فيها رؤيتك ستبقى أسيرها. وفي ظني: الحكايات والوقائع ليست مهمة بحد ذاتها في الكتابة، المهم هو قراءتنا أو رؤيتنا لها، ومن لا يستطيع تقديم رؤيته في عمله لن يكون أكثر من شخص يكرر ما سمعه أو قرأه.

نار ونور

نصر الله أطلق العنان لمخيلته في روايته


و كــان لابد من الحديث مع نصرالله المعــروف بتأييده لثورات الربيع العربي التي كانت كالنار تصهر المعادن لتفرز بين الغث والثمين وكان للمثقفين النصيب الأكبر من هذه النار، وعن الدور الذي يرتئيــه للمثقف في توجيه المجتمعات التي ثارت على حكم الدكتاتوريات، يجيــب نصراللــه: "دور المثقف كان حاضرا قبل هذه الثورات، وأظن أن الســؤال عن دور المثقف يوحي دائما بأنه لم يكــن موجودا، أو أن المطلــوب أن يوجَد. فالكتّاب العرب دفعوا الكثير من أجل مبادئهم، بعضهم قُتِل وبعضهم سُجن وبعضهم نُفي وبعضهم حُرم من العمل والنشر وتم تجاهله، وإذا كانت هناك نقطة ساطعة في حياة شعوبنا العربية في السنوات الستين الماضية فهي الكاتب والفنان.

أما عن دور المثقف في المرحلة القادمة فالشعوب ليست مجموعة تلاميذ تجلــس في صفوف مدرسيــة بحاجة إلى ملقِّــن، لأن الشعــوب التي تثور تمثلت الثقافة وتتمثلهــا كما تتمثل تجاربها المتجددة، ولهــا الحــق في الثــورة على كل طاغيــة مضى إلى غيــر رجعة أو طاغيــة أتى أو طاغيــة سيأتي، سواء تم تكريسه في النهاية باسم العسكر أو الدين أو العلمانية أيضا. هذه هي القاعدة التي أستند إليها في كل ما يحدث"

وقد أتى إبراهيم نصرالله في معرض حديثه عن بعض وسائل الإعلام المصرية التي حرضت ضد الشعبين السوري والفلسطيني بقوله: "أعتبر أن الإساءة للفلسطينيين والسوريين في الإعلام المصري أمر سعت لتكريسه فئة قليلة من إعلاميين موتورين، لكن ضمير مصر أنقى من أن يُلوث.

تدمير الثقافة

على خلفية عمله كمستشار ثقافي في مؤسسة عبد الحميد شومان – إدارة الفنون- في الأردن ما بين العامين 1969-2006، رأى نصر الله أن هناك "تجربة جيدة في أن تعيش في وسط إبداعي وتجارب مختلفة، لكن التعامل مع الكتاب والفنانين أمر صعب، إذ مهما فعلت فإنك لن ترضي الجميع، وأحيانا لن تُرضي من أرضيت!". يقول نصرالله عن تقييمه لأداء المؤسسات الثقافية الرسمية في زمن الثورات العربية: "الدور الوحيد الذي لعبته المؤسسة الرسمية العربية هو تدمير الثقافة، إلا في حالات قليلة متعلقة بالترجمة والنشر".

15