إبراهيم نصر الوحش المظلوم فنيا أمام الكاميرا غير الخفية

منذ بداياته الأولى هضم الفنان الراحل إبراهيم نصر جيدا عصارة الفن وتفهّم جوهر التمثيل فقدّم ذاته في بواكيره كمتقمّص طفولي مكتفيا بأن يفعل ما يحب ببساطة.
الخميس 2020/06/11
إبراهيم نصر فنان بارع يملك مثل وزنه موهبة

يتمنى كل ممثل محترف أن يقال عنه إنه فطري أو تلقائي أو غاوي تمثيل، فهذا يعني أنه لم يأخذ من الصنعة مساحيقها، ولم تجرفه المعرفة والأدوات والتكنيك إلى التكلف والمبالغة. التعمّد والقصدية ومراعاة القواعد من لوازم أي فن منضبط بالتأكيد، لكن حساسية الإبداع ومستوى المهارة وقابلية الإقناع وطاقة الحضور وكاريزما استلاب حواس الجمهور مرهونة كلها بما هو عفوي وأصيل وابتكاري لدى الفنان، ومدى ثراء حقول الخامات غير المشغولة لديه، وكنوز الآبار المجهولة المستقرة في أعماقه، وجينات الموهبة البكر الموجودة بذاتها.

يتجسد ذلك كله في الفنان إبراهيم نصر الذي رحل عن دنيانا قبل أسابيع في شهر رمضان، الشهر الذي ظل يقدّم فيه برنامجه التلفزيوني الأشهر “الكاميرا الخفية” على مدار سبعة عشر عاما، محققا نجاحا جماهيريا قياسيا في ذلك الوقت، ومطلقا في تسعينات القرن الماضي، قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، العشرات من “الترندات” التي حفظها الشارع المصري عن ظهر قلب، ومنها “قلبك قلب خسّاية”، “يا نجاتي.. انفخ البلالين”، ” كشكشها ما تعرضهاش”، الأمر الذي جعل برنامجه عنوانا وأيقونة لكل برامج المقالب التالية، وحفظ اسمه من الغياب عن ذاكرة الأجيال الجديدة من الشباب، وجاء نبأ رحيله المفاجئ ليعتلي “الترند” أيضا، لكن في الوسائط والمنصّات الإلكترونية هذه المرة، على الرغم من أنه لم يخاطب أيا من هذه العوالم الافتراضية بأعماله التي وجهها في الأساس إلى بشر حقيقيين، من البسطاء والعاديين.

جوهر المونولوغ

​​​​​​​الجوكر أدرك حقيقة الفن مبكرا كتجسيد بريء للنص الدرامي وتشخيص طبيعي للأفكار والصراعات مع الإمساك بتلابيب الشخصية وإبراز خباياها ومكنونها النفسي بشكل مقنع
الجوكر أدرك حقيقة الفن مبكرا كتجسيد بريء للنص الدرامي وتشخيص طبيعي للأفكار والصراعات مع الإمساك بتلابيب الشخصية وإبراز خباياها ومكنونها النفسي بشكل مقنع

ربما كانت “الكاميرا الخفية” هي الأشهر والألصق بوجدان الجمهور في مسيرة نصر الفنية، لكن قدراته وملكاته كفنان بارع في السينما والمسرح والتلفزيون هي القيمة الأخصب في تجربته الزاخمة الممتدة لنصف قرن. وحتى في حلقات الكاميرا الخفية ذاتها، فإن سر النجاح الحقيقي لم يكن “المقلب” بحد ذاته أو محاولة خداع الضيوف ومباغتتهم بموقف طريف مثير للسخرية، وإنما تلك الطاقة التمثيلية العالية المتقدة لدى إبراهيم نصر، ونزوله إلى الشارع ومقابلته الجمهور وجها لوجه في الهواء الطلق. تمكن من تمصير البرنامج العالمي الشهير بنكهة درامية تلائم الجمهور المحلي، بقدرته على السيطرة على المشهد واحتواء الفراغ تماما، خصوصا في تقمصه شخصية “زكية زكريا”، المرأة الشعبية “بنت البلد”، التي لا يملك أحد من الضيوف ولا من المشاهدين النفور منها، مهما بدر منها من تصرفات عجائبية وأفعال مثيرة.

منذ بداياته الأولى، هضم نصر جيدا عصارة الفن، وتفهّم جوهر التمثيل، فلم يستسهل الطريق مثلا معتمدا على مظهره الخارجي ومراهنا على الاستعراضية في الأداء والجسد القوي والعضلات المفتولة، لكنه قدّم ذاته في بواكيره كمتقمّص طفولي، مكتفيا بأن يفعل ما يحب، ببساطة، وبأي طريقة تقربه من هدفه البعيد، وإن كان عبر عمله كمونولوغست يقلد الفنانين الكبار، فمن خلال هذا التقليد صار بإمكانه الإفصاح عن قدراته كمتقمص فريد، من طراز رفيع، إلى أن حانت الفرصة الحقيقية في التمثيل.

هذه البداية تشبه إلى حد بعيد بدايات التلقائي المصري القدير أحمد زكي، الذي دأب على استعراض ملكاته بتقليد الشخصيات المتنوعة والفنانين المعروفين قبل أن توكل إليه أدوار تمثيلية تتجلى من خلالها موهبته الفذة في التقمّص والأداء السهل الممتنع. والمدهش أن أفضل أدوار نصر السينمائية قد جاءت في أفلام لعب بطولتها زكي، منها “امرأة واحدة لا تكفي”، و”مستر كاراتيه”، و”حسن اللول“.

 وقد كان نصر يعتبر أن زكي عبقرية وقاعدة أساسية من قواعد الفن الحديث لا يمكن أن تتكرر ولو بعد خمسمئة عام، مطلقا عليه “بلدوز التمثيل”، وقد استفاد إبراهيم نصر كثيرا من درس أحمد زكي، الفنان الأبرز الذي تمكن بالتلقائية في المقام الأول من التفوق على أعتى المدرسين والمنهجيين.

من الآداب إلى الفن

من خارج الفصل الأكاديمي المغلق، اتجه نصر، الوحش المظلوم فنيا أمام الكاميرا غير الخفية، من كلية الآداب التي تخرج منها في مطلع السبعينات من القرن الماضي، لينخرط في غمار الفن مباشرة، بقوة الدفع الذاتية وخبرات قليلة من المسرح التلاميذي والجامعي.

على مدار حوالي خمسين عاما سطّرت أدواره المركّبة المتعددة علامات متميزة، خصوصا في الحقل السينمائي، وكان من الممكن استثمار فنياته الرفيعة على نحو أوسع كما وأعمق كيفا، لو أن المخرجين الذين تعامل معهم لم يحصروه أحيانا في قوالب ضيقة ومساحات مقيّدة حدّت من انطلاقاته وإرهاصاته.

لعب ابن حيّ شبرا العديد من الأدوار اللافتة في أعمال كثيرة، منها في السينما “حد السيف”، “قهوة المواردي”، “شمس الزناتي”، “إكس لارج”، “الكهف”، وفي المسرح “أهلا يا دكتور”، “عائلة عصرية جدا”، “مطلوب مجرمين فورا”، وفي التلفزيون “الزمن المر”، “على باب زويلة”، “رأفت الهجان”، “فوق السحاب”، وغيرها. ومن الأمور المضيئة في هذه الأدوار التي امتطى نصر صهوتها برشاقة، أنه عادة متفوق بشكل فردي، فهو بحد ذاته “فرجة” تستحق التأمل، وكذلك فإنه دائما مخلص حد النخاع لحقيقة فن التمثيل، من حيث إنه تجسيد حي للنص الدرامي وتشخيص طبيعي نابض للأفكار والصراعات، مع الإمساك بتلابيب الشخصية وإبراز كل تفاصيلها وخباياها ومكنونها النفسي بشكل مقنع، كما لو أنها تعيش في الواقع ويعرفها المتفرجون.

الدقة والمصداقية

بداياته تشبه إلى حد بعيد بدايات التلقائي المصري الراحل أحمد زكي، الذي دأب على استعراض ملكاته بتقليد الشخصيات المتنوعة، والمدهش أن أفضل أدوار نصر السينمائية قد جاءت في أفلام لعب بطولتها زكي
بداياته تشبه إلى حد بعيد بدايات التلقائي المصري الراحل أحمد زكي، الذي دأب على استعراض ملكاته بتقليد الشخصيات المتنوعة، والمدهش أن أفضل أدوار نصر السينمائية قد جاءت في أفلام لعب بطولتها زكي

المحاكاة الحرفية التي يتمتع بها هي التي أنجحت حلقات الكاميرا الخفية وحبكت صياغة المقلب المدبّر وحوّلت زكية زكريا إلى امرأة مصرية من لحم ودم، وهي التي مكّنت نصر من تفعيل الشخصيات الشعبية التي لعبها في أعماله الدرامية على الأرض، فهي ذات مصداقية عالية لأنها تشبه الناس، وتتحدث بألسنتهم، وقد حرص الفنان على تقصّي الدقة الفائقة في تجسيد ملامحها ورصد صفاتها وأبعادها المتباينة، مازجا بين تقمّص القالب وقنص الداخل والاهتمام بكل الحركات والانفعالات والإيماءات وطريقة الكلام ودرجة الصوت.

كان “جعيدي” في “شمس الزناتي” مع المخرج سمير سيف هو بالفعل ذلك العامل في ورشة الحدادة الذي انضم إلى فريق “السبعة الرائعين” بقيادة عادل إمام، وكان “الكابتن حسن” في “مستر كاراتيه” مع المخرج محمد خان هو بالفعل المدرّب الرياضي المحنّك الذي في مقدوره صقل مهارات الشاب الطموح أحمد زكي.

البعد الاجتماعي في أدوار نصر هو الذي أكسبها دائما عمقا إضافيا، وجعلها قريبة من الاستيعاب والهضم والتلقي من خلال الأداء السهل السلس، وحتى أدواره كمجرم مثل شخصية “لولو” في “امرأة واحدة لا تكفي” للمخرجة إيناس الدغيدي، وأدواره الكوميدية المرحة مثل “التمرجي” أو مشرف التمريض في مسرحية “أهلا يا دكتور” والبطل الرياضي الغيور على زوجته في فيلم “الستات” والشخصيات التي تنكّر فيها في حلقات المقالب، فإنها كذلك مشحونة بالحس المجتمعي، فهو له عينان؛ إحداهما على الشخصية، والأخرى على الشارع، فالفن وإن كان هدفه الإمتاع والترفيه، يظل مرآة للمجتمع، وخارطة للمكان، وبوصلة للزمان، وتجسيدا مبسطا شيقا لأحداث الواقع.

المخرج شريف عرفة يعد من النادرين الذين التقطوا بذكاء، إمكانية توظيف الجسد الضخم لنصر في فيلم {إكس لارج}، بإسناد دور الخال عزمي إليه، وهو الشخص ممتلئ الوزن الذي يشارك ابن أخته، الفنان أحمد حلمي، مأساة البدانة وصعوبة الحركة

لم يستشعر المشاهد أن ضخامة جسد نصر قد حالت دون مرونته وانسيابيته وحيويته، وقدرته على التنقل بين الشخصيات المختلفة، وإن كانت هيئته الخارجية دفعت بعض المخرجين النمطيين إلى تكرار بعض أدواره في قالب البطل الرياضي أو الشخص الذي يعتمد على قوته، على أن المخرج المتميز كان يلتقط ما وراء الشكل من مغزى، كما فعل شريف عرفة مثلا في فيلم “إكس لارج” عام 2011، بإسناد دور الخال عزمي إلى نصر، وهو الشخص ممتلئ الوزن الذي يشارك ابن أخته، الفنان أحمد حلمي، مأساة البدانة وصعوبة الحركة.

لكنه يمتلك من الخبرات الطويلة ما يجعله ينبوعا يفيض بالمحبة والدفء وإسداء النصيحة إلى الشاب من أجل إخراجه من وحدته وعزلته، وهو دور بالغ الرهافة والحساسية تطلب استعدادا فنيا عاليا، وقدرة على الإضحاك والإبكاء في آن من خلال أداء موضوعي متزن غير مبالغ فيه، وقد نال عنه الفنان بالفعل جائزة خاصة من مهرجان جمعية الفيلم المصرية. كذلك الحال في التلفزيون أيضا، حيث استفاد المخرج رؤوف عبدالعزيز من خبرات نصر الطويلة في مسلسل “فوق السحاب” الذي عُرض العام قبل الماضي، وقدم فيه نصر شخصية صعبة اقتضت الحنكة والمهارة والتحكم في كل كلمة وحركة بحساب، وهي شخصية “الدب”، والد بطل المسلسل هاني سلامة، وجاء أداؤه الكوميدي نابعا من الداخل، وغنيا بالتفاصيل الدقيقة التي عبّر عنها بالسهل الممتنع لإبراز خفة ظل الشخصية وعمقها الإنساني في الوقت نفسه.

الفن النظيف

مسيرة كوميدية طويلة
مسيرة كوميدية طويلة

من خصائص أدوار نصر أيضا انتماؤها إلى ما يسمى “الفن النظيف”، بمعنى الحرص على عدم الإسفاف والابتذال والامتهان، وفق شروط الفن ومعطياته، وطبق المنظومة المجتمعية والأخلاقية، بما في ذلك برنامج “الكاميرا الخفية”، على الرغم من اعتماده على المقالب والإيقاع بالضحية. ولم يكن ذلك عن صدفة، وإنما عن قناعة كاملة من الفنان، الذي تحدث في الكثير من حواراته عن الإشعاع التنويري للفن، ودور الفن في رصد قضايا المجتمع والسعي إلى معالجتها بعين ذات بصر وبصيرة. كما أشار الفنان إلى استيائه من برامج المقالب الحالية، معربا عن ضجره من أي فن يقدم الشتائم أو يحرض على العنف، مهما بلغت درجة جودته من حيث الإبهار والخدع البصرية والتقنيات المتفوقة.

الحرية في مفهوم نصر قرينة المسؤولية، وهذه المسؤولية ذات جناحين؛ جناح فني: بمعنى المصداقية والإخلاص والبساطة والطزاجة والإدهاش والروح الإنسانية، وجناح اجتماعي: بمعنى الرسالة والالتزام، حتى وإن أدى ذلك إلى قدر من التحفظ. المغامرة نفسها لدى نصر في داخلها وعي وانضباط، ولذلك فإنه لم يتحمس إلى التجديد في الأعمال الفنية، القائمة على الجرأة في الموضوعات والتناول واستخدام ألفاظ يراها البعض خارجة، بل إنه دعا إلى تفعيل الدور الرقابي وتغليظ القوانين المنوط بها تنقية المصنّفات ومحاسبة صُنّاعها، خصوصا في العروض التلفزيونية التي تدخل البيوت، ويشاهدها الصغار والكبار على السواء.

وقد وعى نصر مقولة سعد أردش عميد معهد الفنون المسرحية له “أنت فنان كبير موهوب، ولا تحتاج إلى الدراسة”، ومقولة أحمد خالد توفيق عنه “إبراهيم نصر فنان بارع يملك مثل وزنه موهبة، ويشبه الجوكر من حيث إنه يصلح في أي دور ويقنعك في كل مرة”، فكانت مثل هذه المقولات دافعا له للتجويد الذاتي العملي، المبني على الثقة بالذات، كبديل عن إهدار الوقت من أجل شهادة قد تكون بالنسبة لكثيرين من غير الموهوبين مجرد تتويج شكلي وزينة متحفية.

12