إثيوبيا توظف ورقة النزاع الحدودي لاستمالة السودان بشأن سد النهضة

مراقبون يرون أن الخرطوم تسعى للحفاظ على المستوى المتقدم من العلاقات مع أديس أبابا وعدم خسارتها وتسوية أي أزمة معها.
الاثنين 2020/05/18
أكثر ليونة

الخرطوم - تسعى إثيوبيا لتوظيف ورقة النزاع الحدودي مع السودان لاستمالة الخرطوم وتليين موقفها حيال أزمة سد النهضة لاسيما بعد رفض الأخيرة مقترحا لأديس أبابا لتوقيع اتفاق جزئي معها بشأن السد.

واختتم وفد سوداني رفيع المستوى، السبت، زيارة لأديس أبابا بلقاء رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أكد خلاله الجانبان على متانة العلاقات المشتركة والحرص على تطويرها، والقدرة على تخطي التحديات التي تواجه البلدين.

وجاء اللقاء في إطار مشاركة الوفد السوداني برئاسة وزير شؤون مجلس الوزراء عمر بشير مانيس، في اجتماعات اللجنة السياسية العليا للحدود التي استضافتها أديس أبابا يومي الجمعة والسبت.

وضم الوفد مسؤولين كبارا في مجالي السياسة والأمن، فإلى جانب مانيس، حضرت وزيرة الشؤون الخارجية السودانية أسماء محمد عبدالله، ووزير الدولة بالخارجية عمر قمرالدين، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق جمال عبدالمجيد.

وسدت الإشارات الأولية للزيارة جانبا من الفجوة التي نجمت عن مشكلة حدودية كادت تصبح أزمة مستعصية، بعد أن فشلت لقاءات عدة في تخفيض التوتر بشأن منطقة “الشفقة” التي يتنازع البلدان السيادة عليها.

وجددت أديس أبابا التزامها بالعمل وفقا للتفاهمات السابقة حول “الشفقة” لمنع التصعيد المتكرر، خاصة أن السلطة الانتقالية السودانية تعاملت مع التجاوزات الإثيوبية الأخيرة في المنطقة بحزم واضح، واستخدمت لهجة صارمة لحماية حدود البلاد بكل الوسائل الممكنة.

وعلمت “العرب” من مصادر سودانية، أن الزيارة تطرقت إلى آخر ما توصلت إليه اللجان الفنية لتعيين الحدود بين البلدين، ووجد الوفد السوداني تجاوباً بشأن العلامات التي وضعتها هذه اللجان لمنع التصعيد، ما يمثل دعما لوسائل التسوية الودية، في ظل حرص الخرطوم على تخطي العقبات وعدم الربط بين الخلافات الحدودية الثنائية، وأزمة سد النهضة الثلاثية.

ولفت المحلل السياسي، شوقي عبدالعظيم، إلى أن السودان يسعى للحفاظ على المستوى المتقدم من العلاقات مع إثيوبيا وعدم خسارتها وتسوية أي أزمة معها، حيث لعبت قيادتها السياسية دورا فاعلا في إنهاء الخلافات بين المكونين المدني والعسكري عقب الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير، لذلك يعبر التنسيق والتقارب عن رغبة مشتركة في التعامل مع ملفي الحدود وسد النهضة من منطلق الحفاظ على العلاقات الجيدة.

تلميحات إثيوبيا بالربط بين مشكلات الحدود والمياه من حين لآخر قد تزيد الأمور تعقيدا مع السودان

وألمح لـ“العرب”، إلى تمكن الوفد السوداني من الوصول إلى تفاهمات جديدة بشأن الحدود، غير أن المشكلة ستظل في ضعف الحضور الرسمي في المناطق الحدودية على الجانبين، والتي تتزايد فيها سطوة العصابات المسلحة والمزارعين، وسيكون من الصعب إرغام المعتدين من الجانب الإثيوبي (عصابات) على وقف خروقاتهم، وترك المناطق التي توغلوا فيها طيلة السنوات الماضية، وبالتالي فأي اتفاقات سياسية قد تواجه صعوبات في التطبيق على أرض الواقع.

واستغلت أديس أبابا زيارة الوفد السوداني لوضع النقاط على الحروف في ملف سد النهضة، حيث بدأت الخرطوم تعيد النظر في بعض مواقفها منه، بما فهمته دوائر مصرية على أنه تحول نسبي في موقفها ينتصر لرؤية القاهرة التي تطالب بحل عادل لملف المياه.

وثمن رئيس الحكومة السوداني عبدالله حمدوك، الزيارة ووصفها بـ”الناجحة”، حيث تناولت العلاقات بين البلدين والتعاون في المجالات الاقتصادية، وسبل دعمها، وكيفية تسوية التحديات على الحدود، والقضايا ذات الصلة بسد النهضة، وغرد على تويتر قائلا “أنا واثق من أن الشراكة التاريخية بين بلدينا ستبقى قوية ومتحدة في مواجهة هذه الأوقات الصعبة”.

وقال، آبي أحمد في تغريدة مماثلة على تويتر إنه “جد سعيد” باستقبال الوفد السوداني، وأنه مرتاح للنقاشات التي جرت حول تعزيز العلاقات الاقتصادية، وسد النهضة، ومسائل الحدود، وكيفية مجابهة جائحة كورونا. وأوضح الباحث السوداني، عصام دكين، أن قضية الحدود أثرت على التنسيق بين البلدين في ملف سد النهضة، وتعتقد أديس أبابا أن السلطة الانتقالية السودانية تتخذ مواقف قريبة من القاهرة، فيما تحاول الخرطوم شرح وجهة نظرها المرتبطة بالحفاظ على الحقوق التاريخية لجميع دول حوض النيل المتفق عليها منذ خمسينات القرن الماضي.

وأشار لـ“العرب”، إلى أن الخلافات بين البلدين بشأن الحدود ما زالت قائمة، وأن تلميح إثيوبيا بالربط بين مشكلات الحدود والمياه من حين لآخر قد يزيد الأمور تعقيداً، وقد أعاد الوفد السوداني التأكيد على رفض البدء في ملء خزان السد دون توافق فني بين الدول الثلاث (السودان ومصر وإثيوبيا)، لارتباط ذلك بالأمن القومي السوداني الذي قد يتضرر هو الآخر منه، حال اتمام الملء بعيدا عن المواصفات الفنية المعتمدة والمتفق عليها.

وأعلنت وزارة الري والموارد المائية في 12 مايو، أن السودان رفض مقترحا إثيوبياً بتوقيع اتفاق جزئي حول ملء بحيرة سد النهضة المتوقع أن يبدأ في يوليو المقبل.

وأبلغ حمدوك نظيره الإثيوبي بأن توقيع أي اتفاق جزئي للمرحلة الأولى لا يمكن الموافقة عليه لوجود جوانب فنية وقانونية يجب تضمينها، لافتا إلى أن الطريق للوصول إلى اتفاقية شاملة يمر عبر الاستئناف الفوري للمفاوضات بين الدول الثلاث، والتي أحرزت تقدما خلال الشهور الماضية.

وتوقع المراقبون أن تبدو إثيوبيا أقل تشددا في ملف الحدود لإجبار السودان على تخفيف تشدده الفني في السد، أو على الأقل دفعه إلى إعادة التذكير بملف حدودي آخر ملتهب مع مصر، يتمثل في مثلث حلايب وشلاتين، لقطع الطريق على تقارب محتمل بين القاهرة والخرطوم.

2