إجبار الزوج على العودة إلى بيت الزوجية سابقة تعزز حقوق المرأة المغربية

القضاء المغربي يمنح من خلال حكم نموذجي قاعدة يمكن الاستناد عليها في قضايا تتعلق بمغادرة الزوج المنزل وإهمال أسرته.
الخميس 2021/02/25
الزواج تترتب عنه حقوق وواجبات ملزمة للرجل والمرأة

اعتبر عدد من القانونيين والحقوقيين في المغرب حكم ابتدائية مراكش، القاضي برجوع زوج إلى بيت الزوجية بعد أن غاب عنه مدة طويلة مع النفاذ العاجل وتحميله تكاليف القضية المادية ورفض باقي الطلبات، سابقة قضائية، حيث جرت العادة أن يتم الحكم برجوع الزوجة إلى بيت الزوجية. ويمكن لباقي النساء اللواتي يعانين من مغادرة أزواجهن للبيوت أن يستندن على هذا الاجتهاد القضائي باعتبار أن الزواج تترتب عنه حقوق وواجبات متبادلة يلتزم بها الطرفان.

قضت محكمة ابتدائية في مراكش، برجوع زوج إلى بيت الزوجية بعد أن غاب عنه مدة طويلة في سابقة من نوعها بقانون الأسرة المغربي (مدونة الأسرة).

ففي الوقت الذي كان من المعتاد طلب الزوج بعودة الزوجة إلى “بيت الطاعة” قضت المحكمة المغربية، في حكم يعتبر اجتهادا قضائيا، بعودة “رجل غائب” إلى بيت الزوجية.

ترحيب

قد لقي هذا الحكم ترحيبا كبيرا من قبل الحقوقيين ورجال القانون الذين اعتبروا أن قانون الأسرة المغربي منح حقوقا غير مسبوقة للنساء المغربيات من أجل تحرير أنفسهن من الوصاية الذكورية وضمان حقوق الطفل.

وجاء في حيثيات الحكم القضائي، أنه بناء على المقال الافتتاحي المودع بكتابة الضبط بتاريخ 22 أكتوبر 2019، أوردت المدعية أنها متزوجة بالمدعى عليه وأنجبت منه ثلاثة أبناء، موضحة أنه غادر بيت الزوجية منذ الفاتح من يوليو 2019، وأخلّ بواجباته الزوجية، ملتمسة من المحكمة الحكم عليه بالرجوع إلى بيت الزوجية تحت طائلة غرامة تهديدية قدرها 500 درهم، (50 دولارا) عن كل يوم تأخير عن التنفيذ، مع شمول الحكم بالنفاذ العاجل.

منير بلغيتي: القانون اعتبر غياب الزوج إهمالا موجبا للعقاب
منير بلغيتي: القانون اعتبر غياب الزوج إهمالا موجبا للعقاب

وبعد المداولة قضت الهيئة الناظرة في الملف من حيث الشكل بقبول الدعوى لاستيفائها الشروط الشكلية، وكذلك من جانب الموضوع “حيث إن طلب المدعية يهدف إلى الحكم على المدعى عليه بالرجوع إلى بيت الزوجية، وحيث إن العلاقة الزوجية ثابتة بين الطرفين بمقتضى رسم الزواج، وحيث إن محاولة الصلح بين الطرفين باءت بالفشل، وحيث إن الزواج النافذ شرعا يرتب حقوقا وواجبات متبادلة بين الزوجين أهمها المساكنة الشرعية ومسؤولية تسيير ورعاية شؤون البيت والأطفال، والتي لن تتأتى إلا بإقامة الزوجين معا في بيت واحد تحت سقف واحد”.

ويضيف الحكم القضائي “وحيث إن المدعى عليه توصل ولم يحضر، ما يشكل إقرارا ضمنيا منه بتواجده خارج بيت الزوجية ثابت بإقرارها، الأمر الذي يخالف ما تستوجبه التزامات الزواج من مساكنة ومعاشرة بالمعروف، ما يستدعي الحكم عليه بالرجوع إلى بيت الزوجية، وحيث إن الغاية من الغرامة التهديدية هي إجبار المحكوم عليه على التنفيذ، وهذه الغاية تتحقق بوسيلة أنجع في نازلة الحال، ذلك أنه في حالة ترك الأب أو الأم بيت الأسرة دون موجب قاهر لمدة تزيد على شهرين وتملص من كل أو بعض واجباته المعنوية والمادية الناشئة عن الولاية الأبوية، فإنه يكون قد ارتكب جريمة إهمال الأسرة، التي يعاقب عليها القانون الجنائي بالحبس والغرامة، فضلا عن التعويض”.

وقالت سهام بن مسعود، عضوة بالودادية الحسنية للقضاة وبفريق البحث العلمي بمختبر الدراسات القانونية والقضائية بجامعة المولى إسماعيل في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، “إن مقتضيات مدونة الأسرة تمنح الحق للزوجة طبقا للمادتين51 و52 في مطالبة الزوج بالرجوع إلى بيت الزوجية في إطار دعوى مدنية أمام قضاء الأسرة”.

وأضافت، في تصريح لـ”العرب”، أنه يمكن في حالة الحكم برجوع الزوج بمقتضى دعوى أمام القضاء المدني وامتناع الزوج عن تنفيذ الحكم بالرجوع إلى بيت الزوجية، اللجوء إلى القضاء الزجري حيث يمكن تكييف فعله هذا على أنه جنحة إهمال أسرة شريطة توفر عناصر الفصل 479 من القانون الجنائي، بأن يكون أبا، أي وجود أولاد أو أن يكون عالما بحمل زوجته وأنه قد ترك بيت الأسرة لمدة تزيد عن شهرين وأن لا وجود لموجب قاهر.

من جهته أكد المحامي منير بلغيتي، أن الزوجة هي من تقدمت بطلب الحكم على الزوج بالرجوع إلى بيت الزوجية أي أنها في المركز القانوني للمدّعي وأن طلبها أو ملتمسها تحدد في الرجوع إلى بيت الزوجية في حين أن الزوج المدعى عليه تخلف عن الحضور ولم يدل بأوجه دفاعه ووجهة نظره في الطلب بدليل أن المحكمة أشارت إلى توصله عن طريق أخيه بالاستدعاء وتخلف عن الحضور.

ولفت بلغيتي، في تصريح لـ”العرب” إلى أن التعليل استند إلى ثلاثة أركان: ثبوت واستمرار العلاقة الزوجية وأن من شروط هذه العلاقة المساكنة والمعاشرة بالحسنى ولا يتصور زواج من دون هذا الشرط والركن في نفس الوقت.

وقد اعتبرت المحكمة، حسب بلغيتي، تغيب المدعى عليه رغم التوصل إقرارا ضمنيا بهذا الواقع وأن القانون الجنائي اعتبره من باب الإهمال الموجب للعقاب، ما حدا بها إلى الاستجابة للطلب، لأن هجران بيت الزوجية يقوّض ركنا جوهريا من أركان الزواج سواء كان التصرف من الزوج أو الزوجة وهو توجه منطقي يكرس القاعدة القرآنية: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان أي دون إلحاق الأذى بأحد أطراف العلاقة الزوجية سواء من حيث الرعاية أو الاهتمام أو الإنفاق أو الحقوق الشرعية.

واجب المساكنة

الحكم حجة على الزوج الذي أخلّ بالتزاماته الزوجية دون مبرر
الحكم حجة على الزوج الذي أخلّ بالتزاماته الزوجية دون مبرر 

ويرى حقوقيون، أن مثل هذه الاجتهادات جيدة وتخدم استقرار الأسرة، مضيفين أن الحكم حجة على الزوج الذي أخلّ بالتزاماته الزوجية دون مبرر وهو واجب المساكنة أي التواجد ببيت الزوجية برفقة زوجته.

ويأتي هذا الحكم في سياق العناية التي لقيتها المرأة المغربية خلال العقود الأخيرة والتي توّجت بمنحها حقوقا في غاية الأهمية مع صيانة كرامة الرجل، والتي أدرجت بمدونة الأسرة في المغرب الصادرة عام 2004.

وترى الجمعيات الحقوقية التي تعنى بحقوق المرأة أن القضاء المغربي منح بهذا الحكم النموذجي قاعدة يمكن الاستناد عليها في قضايا مشابهة، حين يغادر الزوج المنزل ويهمل أسرته وواجباته تجاه الزوجة والأطفال، وإنه كذلك دعوة إلى مراجعة بعض بنود المدونة.

وميزت بن مسعود، في تحليلها للقضية بين ما ورد في مدونة الأسرة بخصوص الإرجاع في الفرع الأول، فطبقا للمادة 51 منها هناك حقوق وواجبات للزوجين، وطبقا للمادة 52 من المدونة فإن إصرار أحد الزوجين على الإخلال بالواجبات المشار إليها في المادة السابقة يمكن للطرف الآخر المطالبة بتنفيذ ما هو ملزم به.

وقالت “نميز بين الإرجاع المنصوص عليه في المادة 53 من مدونة الأسرة بتدخل النيابة العامة الفوري لإرجاع أحد الزوجين إذا قام أحدهما بإخراج الآخر من بيت الزوجية دون مبرر، وكذلك بين حالة سقوط النفقة بالنسبة إلى الزوجة في حالة الحكم عليها بالرجوع إلى بيت الزوجية وامتنعت، وهاته الحالة لا تخص الزوج لأنها وردت بالباب الثاني المتعلق بنفقة الزوجة ضمن المادة 195 من مدونة الأسرة”.

هجران بيت الزوجية يقوّض ركنا جوهريا من أركان الزواج سواء كان التصرف من الزوج أو الزوجة ويلحق الأذى بالأسرة

واعتمدت مدونة الأسرة منذ أكثر من 15 سنة، وتعدّ قفزة مهمة لصالح المرأة المغربية وتتويجا لنضالات الحركة النسائية، وذلك بتضمنها لعدد من المقتضيات القانونية المهمة بعد تدخل العاهل المغربي الملك محمد السادس لإنهاء نقاش مجتمعي احتدم بين الحداثيين والمحافظين آنذاك. وكان الملك قد دعا في فبراير 2018 إلى إعادة النظر في مدونة الأسرة، من خلال “تقييمها وتقويمها” لمواجهة اختلالاتها، موضحا في كلمة وجهها إلى الوزراء المكلفين بالطفولة، “عملنا على تعزيز تماسك الأسرة، من خلال اعتماد مدونة متقدمة للأسرة، تراعي المصلحة الفضلى للطفل وتصون حقوقه، في كل الظروف، والأحوال، داعين إلى مواكبتها بالتقييم والتقويم، لمعالجة النقائص، التي أبانتها التجربة”.

وعلى المستوى القانوني نص الفصل 479 من القانون الجنائي على حالتين: الحالة الأولى، نص فيها المشرع على الأب أو الأم إذا ما ترك أحدهما بيت الأسرة دون موجب قاهر لمدة تزيد على شهرين وتملص من كل أو بعض واجباته المعنوية والمادية الناشئة عن الولاية الأبوية أو الوصاية أو الحضانة. والحالة الثانية، حول الزوج الذي يترك عمدا لأكثر من شهرين ودون موجب قاهر، زوجته وهو يعلم أنها حامل. وأورد الفصل أعلاه عقوبة عن الأفعال المذكورة بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من 200 إلى 2000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.

21