إجبار الشباب القبطي على دورات قبل الزواج يثير جدلا

أثار القرار الصادر عن المجمع الكنسي المقدس في مصر مؤخرا، بإلزام المقبلين على الزواج من الأقباط بالحصول على “شهادة مشورة” أسرية من الكنيسة، بعد اجتيازهم دورة دراسية، موجة من الغضب بين شباب الأقباط، الذين تساءلوا: كيف يمكن إجبارنا على ” شهادة” لكي نتزوج؟ وماذا لو رسبنا في الدورة؟ هل نمتنع عن الزواج؟
السبت 2016/09/24
المشورة إجبارية للحصول على شهادة مؤهلة للزواج

الجدل الدائر الآن بين الطوائف المسيحية (الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية) في مصر وضع المزيد من العقبات أمام صدور لائحة جديدة للأحوال الشخصية، لأن كل طائفة تريد استحداث لائحة خاصة بها، وهو ما ترفضه الدولة المصرية. يحتاج الاتفاق على اللائحة إلى المزيد من الوقت لإجراء المشاورات، التي ربما لن تسفر عن بنود تقلل معاناة الأقباط من أزمات الطلاق والزواج الثاني، لذلك لجأت الكنيسة إلى ما وصفته بمعالجة جذور المشكلة لتحجيمها، بعدما تزايدت قضايا الطلاق بالمحاكم لتصل إلى ما يقرب من 300 ألف حالة.

توصلت لجنة شؤون الأسرة داخل المجمع المقدس إلى قرار بموافقة البابا تواضروس الثاني (بابا الأقباط الأرثوذكس)، وكحلّ وقائي لأزمات الطلاق والزواج الثاني، بإلزام المقبلين على الزواج بالحصول على شهادة “مشورة” أسرية من الكنيسة بعد اجتياز الدورة المخصصة لذلك.

قال مصدر كنسي لـ”العرب” إن الدورة تتضمن محاضرات نفسية وجسدية وروحية، ويحاضر فيها عدد من الكهنة المتخصصين وأخصائيين نفسيين وأطباء ومدربي مشورة أسرية. وهناك طبيب للرجال وطبيبة للسيدات، ومحاضرات عن حياة الشراكة الأسرية، وشريعة الزوجة الواحدة، وكيفية تربية الأبناء، وأهم قوانين الأحوال الزوجية، فضلا عن إلقاء محاضرات عن الإعداد العاطفي للزواج، والاحتياجات النفسية لطرفي العلاقة، ومشاكل السنة الأولى للزواج وتأثيرها على الحياة.

لا يجوز تلقين جميع المقبلين على الزواج نفس محتوى مواد دورات المشورة الكنسية، لأنهم ليسوا على نفس المستوى التعليمي

وأثبتت تلك الدورات فاعليتها، بعد تجربتها خلال الشهور الماضية في البعض من الكنائس و”الإيبراشيات” (الكنائس الصغيرة) بالمحافظات على مستوى الجمهورية، لذلك تقرر تطبيقها رسميا وإجباريا بداية من يوليو المقبل.

لكن الأقباط المقبلين على الزواج فوجئوا بأنه سيتم تطبيق القرار قبل ستة أشهر من الموعد الذي حدده المجمع المقدس للكنيسة، حيث أعلن العديد من “الإيبراشيات” أنه اعتبارا من أول يناير المقبل لن يتم السماح بعمل صلاة الإكليل للعروسين وإتمام الزيجة إلا إذا اجتاز الخطيبان الدورة الدراسية للمشورة بنجاح.

لم تكن موجة الغضب العارم بين شباب الأقباط، بسبب الفكرة التي لاقت استحسانا من البعض، كونها تثقيفية، إنما لتحولها إلى دراسة إجبارية يجب اجتيازها والنجاح فيها للحصول على شهادة مؤهلة للزواج.

لم يقف الأمر عند حد الغضب أو الاعتراض أو القيام بوقفات احتجاجية لرفض القرار، كما حدث في كل مرة، بل تعداه إلى قيام أشرف أنيس مؤسس رابطة الحق في الحياة المسيحية، برفع دعوى قضائية، السبت الماضي بمحكمة القضاء الإداري اختصم فيها البابا تواضروس الثاني والمستشار حسام عبدالرحيم وزير العدل بصفتيهما، مطالبا بوقف تنفيذ وإلغاء القرار الصادر من الكنيسة. أوضح صاحب الدعوى لـ “العرب” أنه لا يجوز تلقين جميع المقبلين على الزواج نفس محتوى مواد دورات المشورة الكنسية، لأنهم ليسوا على نفس المستوى التعليمي والثقافي.

على الجانب القانوني، أكد مجدي عازر (محامي أحوال شخصية) أن القانون لم يعط أي سلطة للكنيسة لتلزم رعاياها بقرار لم يخولها أحد سلطة إصداره، ثم إن تقييد الزواج بمحرر لم ينص عليه القانون هو انتهاك للدستور المصري، الذي نص على مبدأ تكافؤ الفرص، فالمواطن المصري المسلم لا يُجبر على شهادة مشورة لعقد قرانه، كما أن الإلزام يجب أن يكون بمقتضى قوانين يتم تشريعها من السلطة التشريعية وتطبيقها من قبل السلطة التنفيذية ومراقبتها بمعرفة السلطة القضائية.

وأكد عازر لـ”العرب” أن القرار يمكن أن يفتح ممرا للفساد داخل أروقة الكنيسة، حيث يمكن للأغنياء أن يطرقوا الأبواب الخلفية للحصول على الشهادة المطلوبة، وسيتحول الأمر برمته إلى وسيلة للاسترزاق تدر على القائمين عليه آلاف الجنيهات من فاسدي الذمم.

بدأت تجربة لجان المشورة عن طريق استحداث “كورس” لمدة ستة أشهر بعدها يصبح الدارس خبيرا في شؤون الأسرة المسيحية، ويعهد له بعمل دورات تدريبية لإعداد المقبلين على الزواج.

الدورة تتضمن محاضرات نفسية وجسدية وروحية، ويحاضر فيها عدد من الكهنة المتخصصين وأخصائيين نفسيين وأطباء ومدربي مشورة أسرية

وذكرت إيزيس حنا، فتاة عشرينية اجتازت دورة الإعداد للزواج برفقة خطيبها في معهد المشورة بوسط القاهرة، أنها استفادت من محاضرات التعامل مع الحموات وكيفية إنهاء المشاجرات دون خسائر كبيرة بين الطرفين.

وقالت لـ”العرب” إن بيئتها المحافظة حالت دون فهمها لما تعنيه العلاقة الحميمة بين الزوجين ودورها في الحياة الزوجية، وإن معلوماتها في هذا الأمر تكاد تكون معدومة، لكنها الآن تعرفت على مفاهيم مهمة عن العلاقة الزوجية.

وأضافت أن تلك الدورات تأتي بالفائدة المرجوة منها حينما يكون الطرفان لديهما الرغبة في معرفة المزيد عن حياتهما بعد الزواج، ومن دون هذه الرغبة تصبح الدورات مجرد ورقة لاستكمال إجراءات الزواج.

وسام برسوم (مهندس اتصالات وناشط قبطي) وصف هذه الدورات بـ”الحمل الثقيل”، لأن التركيبة القبطية تختلف بحسب التعليم والبيئة والثقافة والتقاليد والعادات، فالمناهج التي تتناسب مع أبناء القرى والأرياف لن يتكيف معها الذين يعيشون بالمدن، والشخص الأُمّي لن يستطيع أن يجتاز دورات تعليمية كالجامعي.

21