إجراءات أمنية غير مسبوقة في تونس تحسبا لعمليات إرهابية

الجمعة 2013/11/01
السياح الأجانب تجولوا أمس في ضاحية سيدي بوسعيد بالعاصمة بشكل عادي دون اكتراث بما يروج عن الإرهاب

تونس - شدّدت تونس، الخميس، إجراءاتها الأمنية في كافة المناطق السياحية والفضاءات التجارية الكبرى، وذلك إثر محاولتي الاعتداء الإرهابيّتين اللتين جرتا، صباح أمس الأول في مدينتي سوسة والمنستير السياحيّتين، تمثلت الأولى في تفجير انتحاري متشدّد نفسه في الشاطئ خلف فندق بسوسة مُنع من الدخول إليه، والثانية في إحباط محاولة انتحاري آخر تفجير ضريح الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة.

واعتبارا إلى إنّ قطاع السياحة يُعدّ من القطاعات المحورية في الاقتصاد التونسي الذي بشهد تداعيا ملحوظا بسبب الأزمة السياسية في البلاد، فقد تضاعفت عمليات المراقبة الأمنية كثيرا في ولاية سوسة (140 كلم جنوب تونس العاصمة). وقد أقيمت الكثير من الحواجز في مقاطع الطرق وانتشر أفراد الشرطة أمام محلات التجارية الكبرى، بالإضافة إلى ما أضحت تعجّ به المنطقة السياحية عموما من دوريات أمنية.

ومع أنّ بعض السياح في منتجع القنطاوي بمدينة «سوسة»، على مسافة عشرة كلم من مكان الاعتداء الانتحاري الفاشل، قد أعربوا عن قلقهم من هجوم الأمس وكذلك في المنستير، حيث جدّت محاولة الاعتداء الإرهابي الثاني، فإنّ أغلبيّتهم قد واصلت التجوال في ربوع المدينتين السياحيّتين دون أن تنساق مع الهلع الذي خيّم على التونسيين أكثر من الأجانب.

وقالت السائحة الفرنسية أوريلي وهي تتنزه مع كلبها «شعرت حقا بالخوف أمس، لكن اعتقد أن هذا النوع من العمليات يشكل خطرا خصوصا على تونس.. جمال الطقس يجلبنا دائما إلى هنا، وأنا مصممة على مواصلة عطلتي إلى نهايتها». وكذلك قرّرت ميشال وهي أيضا سائحة فرنسية في الخمسين من العمر عدم الرحيل وقالت وهي ممدة في الشاطئ «لا أريد أن أفكر في ذلك كي لا يفسدوا عليّ عطلتي».

أمّا في مدينة تونس العاصمة، فقد عززت الشرطة انتشارها في أكبر شوارع تونس «الحبيب بورقيبة»، وقد قطعت حركة السير أمام مبنى وزارة الداخلية بأسلاك شائكة منذ أيام. كما تكثف الانتشار الأمني في المدن السياحية في جنوب البلاد وخاصة في جربة وجرجيس (جنوب شرق)، وهي منطقة سياحية كبرى قريبة جدا من الحدود التونسية الليبية، التي تعتبر معبرا رئيسيّا لمهربي الأسلحة، في ظلّ حالة فوضى السلاح السائدة في ليبيا.

وقد انتشرت مدرعات عسكرية في مدخل منطقة الفنادق، إلى جانب وجود دوريات من الشرطة والعسكر تجوب بشكل مستمر الطريق المؤدية إلى الحدود الليبية، حيث تقوم القوات التونسية بتفتيش العديد من السيارات.

وقد كان مصدرا أمنيا قد كشف أمس عن اعتقال مشتبه فيه كان يحمل في سيارته بنادق كلاشنيكوف وقذائف «آر.بي.جي» وكحول مهرّب، تمّ اكتشافها بعد انقلاب سيارته خلال عملية مطاردة مساء أمس الأول الأربعاء بالقرب من الحدود مع ليبيا. ولم تخف وسائل الإعلام التونسية مخاوفها على مستقبل قطاع السياحة المتداعي أصلا، منذ ثورة يناير 2011 التي أدت إلى انخفاض موارده بنحو الثلث، ولا يزال هذا القطاع الأساسي في الاقتصاد التونسي يجهد في العودة إلى مستواه الريادي الذي كان عليه قبل ثلاث سنوات.

وكانت العديد من الاعتداءات والاشتباكات مع المقاتلين الاسلاميين قد استهدفت الشرطة والحرس الوطني والمعارضة التي أغتيل اثنان من رموزها هذه السنة، بما دفع البلاد إلى أزمة سياسية عميقة. وقد أسفرت العمليات الإرهابية عن سقوط تسعة عناصر من قوات الأمن خلال النصف الثاني من شهر أكتوبر الماضي.

وكانت الحكومة التي يقودها حزب «حركة النهضة» الإسلامي قد دأبت قبل بدء الاغتيالات على التهوين من خطر الجماعات المتشدّدة، لاسيّما أن عددا من قيادات الحزب الإسلامي الحاكم قد انتُقدوا بشدّة لإقامتهم علاقات بالجماعات السلفية المتشدّدة.

وقد تحدّثت مختلف وسائل الإعلام التونسيّة بالأمس عن المنعرج النوعي في العمليات الإرهابية التي قرّر أصحابها مغادرة جحورهم في بعض الجبال والغابات، ليبادروا بضرب الاقتصاد ويخترقوا أمن المدن وعموم التونسيين.

وقد كتبت صحيفة «لوتان» أن المقاتلين الاسلاميين «باتوا يستهدفون الآن القلب النابض للاقتصاد التونسي، ومن يدري إن كانوا لا يدبرون لتنفيذ عملياتهم في المدن حيث تكثر الحشود».

ومن جهتها، عنونت صحيفة لوكوتيديان «منعطف خطير»، داعية في الوقت نفسه إلى «عدم الاستسلام للهلع». غير أنّ اعتبرت أن الاعتداءين لا يشكلان مفاجأة مع تزايد المواجهات بين الشرطة والجهاديين خلال الأشهر الاخيرة.

وقالت إن «ما حدث مع أنه حزين وخطير، فهو ليس مفاجئا إذ أن المراقبين المطلعين.. حذروا السلطات الأمنية والسكان من هجمات محتملة في الأماكن العامة».

من جانبه، فضّل رئيس الاتحاد التونسي لوكالات الأسفار، محمد علي التومي، إبداء التفاؤل مع اقتراب فصل الشتاء المفضلة للرحلات نحو الصحراء عند الحدود الليبية والجزائرية.

وقال إن «الناس متحفظين في حجز عطلات هذا صحيح، لكننا نقدر أن يكون ذلك عابرا، وسيكون ذلك صعبا خلال الأيام المقبلة لكننا بعد ذلك سنعود إى الحياة العادية إن شاء الله».

والجدير بالذكر أن الحادثين الإرهابيين الأخيرين قد جدّ أمس الأوّل الاربعاء تزامنا مع تقدّم الحوار الوطني في تونس بين أحزاب المعارضة والموالاة لتعيين رئيس حكومة جديد يكون مستقلا وكفأ قبل حلول يوم السبت، ليحلّ محل علي العريّض، القيادي في حزب النهضة الإسلامي، من أجل إخراج البلاد من أزمة سياسية محتدمة.

ومن شأن هذه المفاوضات أيضا أن تسهم في المصادقة على الدستور الذي تكتمل صياغته منذ سنتين، بالإضافة إلى التوافق حول تنظيم انتخابات تعطي البلاد مؤسسات دائمة.

وكان رئيس الحكومة التونسية علي العريض قد أكد أمس، في حوار صحفي، أن الحكومة أحرزت تقدما كبيرا في عمليّة تفكيك ما يسمّى بتنظيم «أنصار الشريعة» الذي تتهمه السلطات التونسية بالوقوف وراء اغتيال كلّ من المعارض السياسي البارز شكري بلعيد والنائب المعارض محمد البراهمي وكذلك أيضا عددا من الجنود ورجال الأمن التونسيين.

2