إجراءات العبادي تربك سلطة الاحزاب الدينية في العراق

الإجراءات الصارمة التي اتخذها رئيس الوزراء العراقي في إطار محاربة الفساد ومست أطرافا نافذة في السلطة لم تكن لتتم دون رعاية المرجعية الشيعية، التي استشعرت مخاطر انهيار سلطة الأحزاب الدينية.
الاثنين 2015/08/10
تجمع لمسيحي العراق في الاردن وصلاة على أمل العودة الى وطنهم

بغداد - وصف مراقبون الإجراءات العاجلة التي اتخذها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لتطويق الغضب الشعبي الذي تفجّر احتجاجا على تردي الخدمات وتحوّل إلى غضب عام من فساد السياسيين وفشلهم، بـ”العملية الجراحية المؤلمة والضرورية” التي كان لا بدّ منها لإنقاذ حكم الأحزاب الدينية التي جاءت إلى السلطة بفعل العملية السياسية التي انطلقت سنة 2003 وبدا أنها انتهت إلى طريق مسدود بعد أن دفعت الدولة العراقية إلى شفا الانهيار الشامل اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

وكانت المظاهرات أربكت الأحزاب الشيعية في العراق وأظهرت مجدّدا صراعاتها الداخلية حيث بادرت بعض الشخصيات إلى الترحيب بها ودعمها أملا في إسقاط خصومها داخل العائلة السياسية الواحدة، فيما اتخذت شخصيات أخرى على غرار رئيس المجلس الأعلى الإسلامي موقفا متحفظا إزاءها مخافة المحاسبة وخسارة مواقع في السلطة.

وطالت الإجراءات التي اتخذها العبادي وصادق عليها مجلس الوزراء أمس، رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، النائب الحالي لرئيس الجمهورية والذي يمتلك نفوذا سياسيا وحزبيا كبيرا بقيادته حزب الدعوة الحاكم، كما طالت شخصيات أخرى تمتلك التيارات التي تنتمي إليها أذرعا عسكرية تتمثل بالميليشيات على غرار بهاء الأعرجي المنتمي للتيار الصدري صاحب ميليشيا “جيش المهدي”.

وتوقّعت مصادر عراقية أن تأخذ محاسبة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي يعتبره العراقيون أحد أكبر رؤوس الفساد وسببا مباشرا لانهيار الدولة ووقوع أجزاء كبيرة من أراضيها تحت سيطرة تنظيم داعش اتجاه “إعدامه سياسيا” والتضحية به إنقاذا لحكم الأحزاب الدينية الشيعية المهدّد بالانهيار تحت ضغط انتفاضة شعبية متوقّعة.

وقالت المصادر إنه سيجري في نطاق محاسبة المالكي فتح الكثير من الملفات الداخلة ضمن مسؤوليته طيلة ولايتيه على رأس الحكومة من بينها عقود الكهرباء السابقة، وملف صفقة السلاح الروسي، وملف شراء أجهزة كشف المتفجرات التي تبين أنها لا تعمل، وملف 50 ألف عنصر فضائي (وهمي) في الجيش العراقي.

وحسب ذات المصادر فإن هذا الخيار هو خيار المرجعية الشيعية ممثلة برجل الدين علي السيستاني والراعية للأحزاب الدينية.

ومن جهتها قالت مصادر قريبة من مرجعية النجف إنّ المرجعية استشعرت خطر ضياع الحكم من يد الأحزاب الدينية الشيعية مع تصاعد الاحتجاجات، وتحديدا في بغداد ومحافظات الجنوب التي تمثّل الخزان البشري الرئيسي لتلك الأحزاب، وأنها تلقت تقارير محذّرة من تحوّل الاحتجاجات إلى ثورة عارمة تطيح بالعملية السياسية ككل.

كاظم الشمري: رئيس الوزراء أمام فرصة تاريخية لتغيير الوضع السياسي بالبلد

وكشفت المصادر ذاتها أنه جرى التفكير قبل الإيعاز لرئيس الحكومة باتخاذ إجراءات صارمة تطال بعض الشخصيات النافذة، في محاولة صرف اهتمام المحتجّين نحو الخطر الأمني بإشاعة خبر عن تسرّب تنظيم داعش إلى محافظات الجنوب، ثم إصدار المرجعية تبعا لذلك فتوى “للنفير العام” تلزم سكان تلك المحافظات بصرف كل جهودهم نحو الاستعداد للخطر الداهم وتحرّم عليهم الانصراف إلى أي شأن آخر مثل التظاهر والاحتجاج.

غير أنه تمّ العدول عن هذه الفكرة -تضيف المصادر ذاتها- مخافة المساس بمصداقية المرجعية، وخشية حدوث بلبلة أمنية في تلك المحافظات، وأن يشكل الأمر دعاية مجانية لتنظيم داعش مناقضة لعملية الترويج للانتصارات في الحرب عليه في المحافظات الأخرى.

وبدلا من ذلك اختارت المرجعية الشيعية الانحناء أمام مطالب المحتجين والتي تضمّن جزء منها محاسبة الفاسدين من السياسيين والقادة، ووفرت الغطاء الشرعي لرئيس الوزراء حيدر العبادي الذي لم يكن يستطيع دون دعم المرجعية المساس بسلفه نوري المالكي وإلغاء منصبه السياسي الحالي كنائب لرئيس الجمهورية.

وفي نطاق الإجراءات الهادفة إلى امتصاص غضب العراقيين أعلن المتحدث الرسمي باسم السلطة القضائية أمس الإيعاز إلى محاكم النزاهة بالتحقيق بتهم الفساد المالي، المنسوبة إلى بهاء الأعرجي نائب رئيس مجلس الوزراء عن كتلة الأحرار التي تمثل التيار الصدري، والمتهم من قبل أعضاء في البرلمان بالاستحواذ على عقارات في العاصمة بغداد وتحويل مبالغ مالية كبيرة للاستثمار في الخارج، وشراء عقارات في دول أوروبية”. كما طالت الإجراءات القطاع الأمني بإحالة 49 ضابطا من ضباط وزارة الداخلية برتب مختلفة إلى التحقيق وذلك بعد الإعلان عن توقيف 35 ضابطا آخرين على ذمة التحقيق على خلفية تهم فساد مالي.

وباعتبار الفساد في العراق لم يستثن أي قطاع، نقل أمس عن مصدر بالخارجية العراقية تأكيده فصل سبعة سفراء وإحالة 65 دبلوماسيا على التقاعد بتهم تتراوح بين تزوير الشهادات التعليمية والتلاعب بأموال بعثات وهيئات دبلوماسية.

وقوبلت خطوات حيدر العبادي بترحيب حذر من قبل ساسة وقادة رأي عراقيين، حيث اعتبر النائب عن ائتلاف الوطنية كاظم الشمري أمس أن رئيس الوزراء أمام فرصة تاريخية لتغيير الوضع السياسي بالبلد، مبينا أن أغلب الكتل السياسية مكرهة على قبول قراراته الأخيرة.

ومن جانبه وصف النائب عن كتلة “متحدون” ظافر العاني قرارات العبادي بالمناسبة لكنه اعتبرها غير كافية “لأن العراق يحتاج إلى قرارات أكثر جدية وضبط إيقاع الدولة في قضايا الفساد والترهل الوظيفي”.

ويدفع عراقيون مخاوفهم إلى مدى أبعد محذّرين، من جهة، من التفرّد بقرارات الإصلاح وصدورها عن طرف حزبي هو ذاته المسؤول عن استشراء الفساد في الدولة، في إشارة إلى حزب الدعوة الحاكم.

كما يحذّرون من اتخاذ المطلب الجماهيري بإلغاء المحاصصة الطائفية للدفع باتجاه “دكتاتورية الطائفة الواحدة”، على اعتبار الطائفة الشيعية تمتلك الأغلبية في البرلمان وتهيمن على الحياة السياسية بفعل كثرة الأحزاب المقامة على أسس دينية وطائفية.

3