إجراءات حكومية جديدة تعزز مسار إصلاح الإدارة التونسية

يخص رئيس حكومة الوحدة الوطنية في تونس يوسف الشاهد باهتمام كبير مسألة إصلاح الإدارة وتطوير الضمانات المتعلقة بشفافية أدائها، عبر جملة من الإجراءات التي تتكامل مع مسار الحرب على الفساد و تعزيز آليات الحوكمة الرشيدة.
الأربعاء 2017/06/21
اجتماعات عمل جادة

تونس - أقر رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد وقف الانتدابات الجديدة في مسالك الوظيفة العمومية خلال السنة القادمة، حسب ما ورد في تعميم صادر عن رئاسة الحكومة بشأن تعويض موظفين تمت إحالتهم على التقاعد.

ونص المنشور الحكومي على اعتماد سياسة تدوير الموارد البشرية وإعادة توظيفها بين الهياكل الوزارية والإدارات.

وتضمن المنشور جملة من الإجراءات والتدابير الاستثنائية منها التحكم أكثر في الترقيات وإخضاعها إلى مبادئ الكفاءة والتميز وإحكام التصرف في الساعات الإضافية، من خلال إسنادها عند ثبوت العمل الفعلي المنجز وترشيد منحة الإنتاج المسندة وربطها فعليا بالأداء.

ويسعى هذا الإجراء الحكومي إلى الحد من العجز الذي تواجهه الموازنة العمومية عبر تجميد الانتدابات والعمل على استغلال المئات من المنتدبين في السنوات الماضية، خاصة من المتمتعين بالعفو التشريعي العام وإدماجهم في الأجهزة والمرافق الإدارية.

وأدت القرارات التي اتخذتها حكومة الترويكا، برئاسة حركة النهضة الإسلامية زمن حكمها، إلى زيادة العبء المادي والبشري بالوظيفة العمومية عبر الآلاف من الانتدابات التي زادت التضخم داخل الإدارات دون إنتاجية ملموسة، ما فاقم مشاكل هذا القطاع في تونس.

ويرى المراقبون أن الإجراء الأخير يأتي مواصلة لتوجه حكومي نحو العمل على إصلاح منهجي للإدارة بطريقة مرحلية ومتتابعة، بما يضمن فاعلية الإجراءات المتخذة وتحقيقها للنتائج المطلوبة.

وتشير مصادر قريبة من دوائر القرار برئاسة الحكومة إلى أن تراكم الملفات ذات الأولويات التنموية والسياسية، وخاصة الحرب على الفساد، لم تمنع الشاهد من منح تحديث الإدارة والحد من مشاكلها التنظيمية ومعالجة بطئ أدائها المكانة الضرورية بحكم ارتباطها الوثيق بإرساء الشفافية.

ويمثل إصلاح المنظومة الإدارية إحدى النقاط الأساسية الواردة بوثيقة اتفاق قرطاج التي تم التوافق عليها بين منظمات وطنية وأحزاب سياسية بارزة في تونس. وكانت وثيقة قرطاج قاعدة تشكلت على أساسها حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الشاهد. وحددت الاتفاق أولويات عمل الحكومة.

وقال الكاتب الصحافي والمحلل السياسي معز الباي، في تصريح لـ”العرب”، إن إصلاح الإدارة يمثل أحد أبرز التحديات التي تتطلب مراجعة المنظومة العمومية برمتها “فكلما تضخم حجم الإدارة إلا وزاد حجم البيروقراطية والفساد”.

ولفت الباي إلى أن السياسات التي اتبعتها حكومة الترويكا وحركة النهضة بشكل خاص بعد الثورة، عبر إدماج المتمتعين بالعفو العام في الوظيفة العمومية وإفراد المئات منهم بترقيات مهنية استثنائية غير مستحقة بمفعول رجعي، كانت من بين الخيارات الخطيرة التي زادت من تعميق أزمات القطاع العمومي.

وأضاف الباي “هذه التعيينات زادت في تعميق عجز الجهاز الإداري وإصابته بحالة من الترهل نتيجة العدد الكبير من الموظفين الزائدين عن الحاجة دون فائدة ملموسة”، مشيرا إلى أن معايير الاختيار خضعت بدورها لمنطق المحاباة دون اعتبار الكفاءة مما أدى إلى تخريب المرفق العمومي بشكل ممنهج.

ويرى الباي أن الإجراءات التي أقرها رئيس الحكومة تحاول معالجة البعض من مشاكل القطاع العمومي في تونس، من خلال المصادقة على قانون التقاعد المبكر وتجميد الانتدابات.

وأكد أن الإصلاح يتطلب شمولية أكبر في القرارات والإجراءات، عبر إطلاق استشارة وطنية حول إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية وصياغة إستراتيجية شاملة بمشاركة كل الأطراف المتداخلة وبالشراكة بين المركزية النقابية والحكومة.

وفضلا عن إعادة هيكلة القطاع العمومي، يشمل مشروع تطوير الإدارة إضفاء المزيد من الشفافية على المصاريف العمومية والحد من إهدار المال العام وترشيد النفقات.

واتخذت الحكومة، في وقت سابق من الشهر الحالي، جملة من القرارات لتقنين استعمال الإدارية التي تعتبر أحد وجوه وسوء الاستغلال والتصرف المخالف للقوانين.

وتقضي الأوامر الحكومية بفرض مراقبة دورية على جولان السيارات الإدارية واعتماد أذون محددة بالمهام الموجهة لاستعمالاتها، إلى جانب التقليص من أسطول السيارات الإدارية ومراقبة الدعم المتعلق بالمحروقات الخاص بها.

وطوال السنوات التي أعقبت الثورة لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من ضبط استعمال السيارات الإدارية، والتي اتسع نطاق استعمالها من طرف المنتفعين بها في أغراض ثانوية وشخصية مع إثقال كاهل المؤسسات بتكاليف المحروقات.

ويرى معز الباي أن وضع مقاييس جديدة وصارمة لاستغلال السيارات العمومية يأتي متماهيا مع انتقادات كبيرة تسود الشارع التونسي تجاه هذه القضية، والتي تعتبر أحد أبرز مظاهر الفساد التي تنخر القطاع العمومي وإهدار أموال المجموعة الوطنية. ويمكن لترشيد استغلال السيارات الإدارية أن يقضي على سوء التصرف وغياب الرقابة التي كانت مهيمنة على استغلال الآلاف من السيارات التابعة للمؤسسات العمومية.

ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن سلسلة إجراءات أخرى اقترحتها الحكومة وتشمل خاصة التحكم في نفقات استقبال الوفود الأجنبية والإقامة ومهمات مسؤولي الدولة الكبار بالخارج، والتشديد على عدم تجاوز الاعتمادات المخصصة لأعضاء الحكومة والموظفين المكلفين بمهام، إلى جانب العمل على ترشيد استهلاك الطاقة من خلال الضغط على الاستهلاك واستعمال الطاقات البديلة.

4