إجراءان لتفعيل دور برلمان لم ينتخبه الشعب

الأربعاء 2015/05/13

يحدد النص الدستوري العراقي أن يكون لكل مئة ألف مواطن نائب واحد ليكون البرلمان ممثلا للشعب. ويشير واقع الحال إلى أن البرلمان العراقي بدوراته الثلاث (2005 و2010 و2014) لم ينتخبه الشعب، لأن نسبة من اجتاز تلك العتبة لا تتعدى الـ5 بالمئة.

السبب الأول في ذلك، خلل ارتكبه واضعو قانون ونظام الانتخابات العراقي يتيح لمن يحصل على أصوات أقل الفوز بمقعد برلماني إذا كان المتسابق في الانتخابات مترشحا عن قائمة طائفية أو قومية، فيما الانتخابات ينبغي أن تقوم على أسس الوطنية والنزاهة والكفاءة والمهنية والخبرة التي تنشأ عليها الأنظمة السياسية الحديثة. على سبيل المثال 310 نواب من أعضاء برلمان 2010، لم ينتخبهم الشعب لعدم حصولهم على الأصوات التي تجعلهم نوابا، بل صاروا كذلك بإضافة عدد من أصوات الكيانات السياسية التي ينتمون إليها، و15 شخصية فقط حصلت على القاسم الانتخابي والعتبة الانتخابية توزعوا على أربعة كيانات (العراقية والائتلاف الوطني ودولة القانون والتحالف الكردستاني والإسلامي) دخلوا بأصواتهم لا بأصوات كياناتهم. الحال نفسه تكرر مع برلمان 2014 الذي كان 70 بالمئة من أعضائه لا يحملون الشهادة الجامعية، وسيظل ذلك يتكرر ما دامت الطائفية والعشائرية شغّالة.

الخلل الثاني، نظام الحصص المتمثل في الكوتا النسائية، وهو في الأصل أسلوب يهدف إلى توفير فرص للفئات الأقل حظا لأن تكون مشاركة في العملية السياسية. ونظرا إلى ذكورية المجتمعات وضعف اهتمام المرأة بالعمل السياسي، فإن دول العالم دعت إلى التوقيع على اتفاقية خاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتضمينها في برنامج بكين الصادر عن المؤتمر العالمي حول المرأة عام 1995، تلاه تقرير الأمين العام الأممي سنة 2003 مؤكدا ضرورة تعزيز تمكين المرأة في المجالات السياسية، وأخذ على صعيد التطبيق مسارين: نظام حصص بموجب الدستور، ونظام حصص بمقتضى القانون الانتخابي سمح، كلاهما، بتنافس النساء على عدد أو نسبة من المقاعد المخصصة في المجالس التشريعية.

في العراق، نظّم قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية نظام الكوتا النسائية في الجمعية الوطنية بالمادة 30 الفقرة (ج) ونصها “تنتخب الجمعية الوطنية نسبة تمثيل للنساء لا تقل عن الربع من أعضاء الجمعية الوطنية”. وجاء بالمادة 11 من قانون الانتخاب العراقي رقم 16 لسنة 2005 “يجب أن تكون مرأة واحدة على الأقل ضمن ثلاثة مرشحين في القائمة، كما يجب أن تكون ضمن أول ستة مرشحين في القائمة امرأتان على الأقل وهكذا حتى نهاية القائمة”.

لندع ما يقوله الفقه والقانون ورأي المعارضين الذين رأوا فيها إخلالا بمبدأ المساواة الذي أقرّه الدستور، وأنه ينبغي ترك الأمر للشعب يختار من المرشحين من يراه جديرا بالانتخاب دون وصاية أو شروط، ولنتفق مع تقرير الهيئة الدولية للانتخابات العراقية لمجلس النواب (ديسمبر 2005) الذي عبّر عن ارتياحه لهذا النظام واصفا هذا التشريع بأنه “يعد من بين التشريعات الأكثر تقدما في العالم، حيث أدى إلى حصول النساء على 25 بالمئة من مقاعد مجلس النواب” ولنتمعن في قضيتين أساسيتين:

الأولى، أن المهمة الأساسية لمجلس النواب هي العمل على تطوير الحياة الاجتماعية والاقتصادية للناس، ونقل البلد من حالة التخلف إلى حالة الازدهار، وأنه لن يستطيع تحقيق ذلك ما لم يتمتع أعضاؤه بالخبرة والكفاءة في كافة الاختصاصات.

والثانية أن الممارسة العملية في ثلاث دورات للانتخابات، أثبتت أن المرأة صارت ندا للرجل، وأن المرأة الكفأة استطاعت الفوز دون حاجة إلى الكوتا النسائية.

الواقع أن الكوتا النسائية ألحقت ضررا بالغا بالعملية الانتخابية. ففي برلمان 2010، كانت هنالك 60 إمرأة عضوا من أصل 81 سلبن حق من هو أجدر منهن وأكفأ، وتكرر الحال في برلمان 2014، إذ حصلت إحداهن على 1400 صوت وأخذت حق ممثل أعرق حزب سياسي في العراق حصل على 17 ألف صوت، لأن ترتيبها كان الرابع مع أنه كان الثاني، بل أدى الأمر إلى وصول عشرات المرشحات إلى البرلمان بينهن من حصلت على مئتي صوت، فيما مرشحون رجال بينهم أصحاب شهادات عليا وخبرات وكفاءات، حصل بعضهم على عشرة آلاف صوت ولم يفز في الانتخابات.

يشير واقع البرلمان الحالي إلى أن أكثر من خمسين نائبا فيه هنّ طاقات معطلة، وأنه لا يمكن تفعيل دوره إلا بالنظر إلى الكوتا النسائية على أنها إجراء مرحلي أخذ حقه ووجب إلغائه بعد عشر سنوات وفرت الفرصة للمرأة لتكون ندّا للرجل في التنافس الانتخابي، أثبتته بدليل عملي هو أن 22 امرأة عراقية حصلن على أصوات كاملة دون الاستعانة بالكوتا النسائية في الانتخابات التشريعية الأخيرة 2014، فضلا عن نساء حصلن على أصوات أكثر من أصوات رجال، بينهن مرشحة من محافظة ذي قار حصلت على 14 ألف صوت، ما يعني أن المرأة الجديرة بأن تكون نائبا في البرلمان، ما عادت بها حاجة إلى أن “يتصدّق” عليها القانون الانتخابي بكوتا كانت مشروعة وأصبحت الآن معيبة، اعتباريا وسياسيا ونفسيا، فضلا عن أن بين البرلمانيات الحاليات من أخذن البرلمان “سرّقفلية”، وأغلقنّ الباب بوجه طاقات وثقافات نسوية جديدة بعد أن عملن على تقوية علاقاتهن بكياناتهن السياسية، وتملقهن لرئيس القائمة.

طبيعي أن الكتل الفاعلة لن تسمح بتغيير قانون ونظام انتخابات يؤمّن بقاءها، لكن الأمر ممكن بإلغاء الكوتا النسائية، لأن في إلغائها اعترافا بأن المرأة صارت ندّا للرجل في العملية السياسية، وتفعيل لدور البرلمان يفضي إلى تعديل قانون الانتخابات بما يضمن مجيء برلمان وطني نزيه وكفء، هذا إذا بقي العراق موحّدا و”ما صار شي”.

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

9