إجماع عربي على جمود الثقافة وضرورة المراجعة النقدية والتغيير

عام سريع الإيقاع في أحداثه، بطيء في تأثيره.. هكذا يمكن أن نصف عام 2015 إجمالا، فوسط الصخب الشديد المكتظ بالعديد من الفعاليات والتغييرات في المشهد الثقافي المصري، ووسط تغيير العديد من الوجوه في وزارة الثقافة المصرية وعلى رأسها الوزير نفسه، وفي ظل كثرة الفعاليات الثقافية التي شهدت مناقشات عدة حول واقع الثقافة في مصر، وسبل الدفع بها نحو الأمام، بقيت الثقافة على حالها رغم تعدد محاولات الإصلاح، لكنها كانت محاولات مرتبكة غارقة في الضبابية.
الخميس 2016/01/07
الشارع مازال بعيدا

ظلت الثقافة المصرية في مكانها الذي لم تبرحه منذ أعوام، ولا تزال غائبة عن الشارع ومنعزلة تماما عنه، والوضع لا يزال غير مُرضِ للمثقفين، ولا يزال التغيير الحقيقي والفعلي محض أقاويل لا تمت للواقع بصلة.

ثلاثة وزراء تناوبوا على مقعد وزارة الثقافة خلال عام واحد؛ فوسط هجوم شرس من قِبل المثقفين على الدكتور جابر عصفور، الذي تولى مسؤولية وزارة الثقافة في الفترة من يونيو 2014 وحتى مارس 2015، إثر تشابكه العنيف مع مؤسسة الأزهر بسبب موافقته على عرض فيلم “نوح” الذي يتناول حياة النبي نوح، واتهامه لبعض قيادات الأزهر بضيق الأفق، فضلا عن تصريحاته الجريئة التي لم تلق قبولا من المؤسسات الدينية في مصر، قررت القيادة المصرية إقالته وتعيين الدكتور عبدالواحد النبوي خلفا له.

اختيار عبدالواحد النبوي لتولي حقيبة وزارة الثقافة، أثار الكثير من الجدل في ساحة الثقافة المصرية، فالوزير يُعدّ من الوجوه غير المعروفة في أروقة وزارة الثقافة بشكل كبير، كما أنه خريج لجامعة الأزهر، وهو أمر غير معتاد في وزراء الثقافة، ما أثار الكثير من الاتهامات له بأنه يحاول “أخونة” الثقافة وأنه لا يمتلك رؤية أو إستراتيجية واضحة في التعامل مع مشكلات الثقافة بمصر، لتتم إقالته وتعيين الكاتب الصحفي حلمي النمنم وزيرا للثقافة كبديل له، وهو وزير الثقافة الحالي.

معرض للكتاب

يأتي معرض القاهرة الدولي للكتاب، كواحد من أهم وأبرز الفعاليات، التي تحتضنها مصر في بداية كل عام، وفي عام 2015، شهدت الدورة الـ46 من معرض الكتاب في مصر، والتي حملت شعار “الثقافة والتجديد”، إقبالا واسعا من مختلف الدول العربية؛ إذ شاركت في المعرض 26 دولة، ووصل عدد الناشرين إلى 850 ناشرا، منهم 550 ناشرا مصريا.

لا يزال هناك الكثير من الارتباك والإصرار على الحقوق وتجاهل الواجبات، فنحن في أدنى مستويات الوعي الشعبي

شاركت دور النشر المصرية بالكثير من إصداراتها الهامة خلال المعرض، وكانت الكتب النقدية والفكرية في منافسة مع المؤلفات الأدبية، إذ اهتمت دور النشر بطرح عدد من الكتب الفكرية التي سلطت الضوء على الأصولية والإرهاب وقراءة التراث؛ وهي من الموضوعات التي شكّلت بؤرة اهتمام للكثير من المصريين طوال العام.

تنوعت الإصدارات الأدبية بين الروايات والقصص الصادرة عن أدباء شباب، وأخرى صادرة عن كبار الأدباء من أجيال الستينات والسبعينات؛ إذ أصدرت الدار المصرية اللبنانية ومكتبة الدار العربية للكتاب، رواية “كلاب الراعي” للروائي أشرف العشماوي، ورواية “مسيا” للروائي الشاب عمرو الجندي، و”أتما” لبسمة الخولي، و”جواري العشق” لرشا سمير، في حين أصدرت رواية “حكايات الحب الأول” لعمار علي حسن، ورواية “أداجيو” للروائي الكبير إبراهيم عبدالمجيد، أما عن الكتب الفكرية فكان أبرزها “الخسيس والنفيس: الرقابة والفساد في المدينة الإسلامية” للسفير خالد زيادة، و”حكايتي في تل أبيب” للسفير رفعت الأنصاري، و”العلاقات العامة والاتصال المؤسسي عبر الإنترنت” لخيرت عياد.

أما دار مصر العربية فقد شاركت بإصدارات فكرية بارزة من بينها أربعة كتب للدكتور علي مبروك، وهي “أفكار مؤثمة”، “الدين والدولة في مصر”، “الخطاب السياسي الأشعري”، و“القرآن والشريعة”، فضلا عن كتب مثل “مصادر تاريخ العصور الوسطى” للدكتور محمد زايد عبدالله، و”ذهنية التكفير: الأصوليات الإسلامية والعنف المقدس” للدكتور حسن حماد، وكتاب “تجديد العقل العربي: رؤية تربوية” لمحمد فوزي سلامة، و“تأنيث الفقر” لأماني زاهر، و“اللغة والمذهبية” للدكتور إيهاب النجمي.

أما دار الشروق فقد تنوعت إصداراتها ما بين الكتب الفكرية، والأعمال الأدبية لكبار الأدباء، فضلا عن روايات سطّرها أدباء شباب، إذ شاركت الدار بكتاب “داعش: السكين التي تذبح الإسلام” لناجح إبراهيم وهشام النجار، وفي حقل الرواية شاركت بـ“بغلة العرش” للراحل خيري شلبي، وروايتي “الخباء” و”نقرات الظباء” لميرال الطحاوي، فضلا عن رواية لمحمد المنسي قنديل بعنوان “كتيبة سوداء”، ورواية “إيقاع” للكاتب الشاب وجدي الكومي.

وتنوعت إصدارات دار سلامة للنشر، بين الأدب والفكر، وكان على رأسها “مصر المجهولة” لوليد فكري، و“الذي فعله عبدالقوي بروحية” للقاص محمد عثمان الفندي، و“مشاغبات مع الكتب” للناقد إيهاب الملاح، وديوان “أنا وخوسيه” للشاعر أشرف سليمان، و”فن الحب” لإريك فروم.

الثقافة بقيت على حالها رغم تعدد محاولات الإصلاح، لكنها كانت محاولات مرتبكة غارقة في الضبابية

أما الهيئة المصرية العامة للكتاب فقد تنوعت إصداراتها الهامة، وكان على رأس منشوراتها الأعمال الكاملة، لكل من أمين ريان، وخيري عبدالجواد، ومحمود أمين العالم، والأعمال القصصية للكاتب الكبير جمال الغيطاني، وكذلك الأعمال الكاملة للكاتب الكبير محمد سلماوي، فضلا عن عدد من الكتب الفكرية البارزة مثل “الليبرالية: نشأتها وتحولاتها وأزمتها في مصر” لوحيد عبدالمجيد، و“اقتصاديات جماعة الإخوان المسلمين في مصر والعالم” لعبدالخالق فاروق، و“لاهوت الاستبداد” للدكتور علي مبروك، و“خريطة الجهاد المسلح” لمنير أديب، و“الإسلام المعاصر ومحنة النهوض” للشحات الجندي.

مؤتمر الرواية

بعد غياب دام أربع سنوات، بسبب الأحداث السياسية المضطربة إبان ثورة يناير، انعقد مؤتمر الرواية العربية في القاهرة في الفترة من 15 إلى 18 مارس، تحت عنوان “تحولات وجماليات الشكل الروائي”، وحمل المؤتمر اسم الروائي الراحل فتحي غانم.

احتفى الملتقى بفن الرواية وقضايا السرد العربي، وتضمن عددا من المحاور مثل الرواية وحدود النوع، واللغة في الرواية، وتطوّر التقنيات الروائية، والفانتازيا والغرائبية، والرواية والتراث، والرواية والفنون، وشعرية السرد، والقمع والحرية، وتقنيات الشكل الروائي، والرواية ووسائط التواصل الحديثة.

وشارك في الملتقى 250 ناقدا وروائيا من 20 دولة حول العالم، وفي حفل الختام أُعلن عن فوز الروائي المصري البارز بهاء طاهر بجائزة الرواية العربية، التي تبلغ قيمتها 200 ألف جنيه، والتي أقرتها لجنة يرأسها الروائي الجزائري واسيني الأعرج، وتضمّ عددا من النقاد العرب منهم إبراهيم فتحي وخيري دومة وبطرس حلاق وصبحي حديدي.

“العرب” استطلعت آراء عدد من المبدعين والمثقفين حول أبرز الظواهر والأحداث الثقافية خلال العام الذي ودّعناه، وعن المكانة التي وصل إليها الفكر العربي، وهل يمكن الحديث عن فكر عربي حقيقي أثبت تطوّره خلال العام الماضي، وإلى أيّ مدى نجحت الثقافة العربية في أن تنتج سؤالا فكريا وثقافيا جامعا؟

إقرأ أيضا:

تراجع الحلم العربي

الإصرار على الحقوق وتجاهل الواجبات

أقلام في وجه الهجمة الشرسة للإرهاب والتشدد

مواجهات ثقافية حادة

15