إحباط التونسيين يغذي ظاهرة الهجرة السرية إلى إيطاليا

تفشي ظاهرة الهجرة السرية بين التونسيين يرجع إلى حالة الإحباط التي تعتريهم مع فقدان الأمل في أن يتمكن المسؤولون من إصلاح الأوضاع الاقتصادية.
الخميس 2020/08/20
مراقبة الحدود فقط ليست الحل الأمثل

تونس – تختزل المعالجات العقيمة من قبل الحكومات التونسية المتعاقبة لقضية الهجرة السرية نظرة المسؤولين الضيقة لهذه المشكلة المتزايدة وعدم مقدرتهم على الخوض في أسباب تزايدها وخاصة تلك المتوجهة إلى إيطاليا، التي تعاني بدورها من ظروف اقتصادية صعبة للغاية.

ومع أن القوانين الأوروبية تمنح المهاجرين غير الشرعيين فرصة للبقاء بعد ترتيب أوضاعهم القانونية، تصرّ الحكومة الإيطالية على السير عكس هذا الاتجاه بعد أن أعلنت مبرراتها لذلك بشكل واضح وأنها مستعدة لمساعدة تونس ماديا مقابل السيطرة على حدودها في المتوسط.

ويؤدي تعدد أشكال الهجرة غير الشرعية إلى صعوبة تقدير حجمها الحقيقي، ذلك أن المهاجرين يتوارون في أغلب الأحيان عن الأنظار بصورة عامة، وعن أنظار الدولة ومؤسساتها بشكل خاص، فهم معرضون في أي لحظة للترحيل والإبعاد فضلا عن الإيقاف والمحاسبة، والمعاملة السيئة في الكثير من البلدان، ولهذا فالدول لا تقدم توصيفا كاملاً لحجم ظاهرة الهجرة غير الشرعية، إنما تعمل على بيان ما تمكنت من رصده عبر مؤسساتها المختلفة الداخلية منها والحدودية.

ويرى المختصون في شؤون الهجرة أن من أبرز العوامل التي أدت إلى تفجر هذه الظاهرة بين التونسيين بشكل أكبر مما كان في السابق حالة الإحباط الشديدة، التي تعتريهم مع فقدان الأمل في أن يتمكن المسؤولون من إصلاح الأوضاع الاقتصادية.

ويقول العضو في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، إن الهجرة غير الشرعية دخلت طورا جديدا في تونس بسبب الإحباط، داعيا دول الاتحاد الأوروبي إلى العدول عن فكرة الترحيل القسري للمهاجرين بدعوى مخالفته لحقوق الإنسان وحرية التنقل.

رمضان بن عمر: الهجرة غير الشرعية دخلت طورا جديدا بسبب حالة القلق العامة
رمضان بن عمر: الهجرة غير الشرعية دخلت طورا جديدا بسبب حالة القلق العامة

وتدور محادثات على قدم وساق بين تونس وإيطاليا إلى جانب مسؤولي الاتحاد الأوروبي، للتوصل إلى اتفاق للحد من تدفق المهاجرين عبر السواحل التونسية نحو إيطاليا ومنها إلى باقي دول الاتحاد.

وزار وزيرا الداخلية والخارجية في الحكومة الإيطالية تونس الاثنين الماضي، بمعية المفوض الأوروبي لسياسة الجوار والمفوض الأوروبي للشؤون الداخلية، وتعهد الوفد بتقديم الدعم لتونس في مقابل المزيد من التحكم في مسارات الهجرة غير الشرعية عبر سواحلها القريبة من إيطاليا.

وفي تفسيره للزيادة المطردة لأعداد المهاجرين التونسيين نحو إيطاليا يوضح بن عمر لوكالة الأنباء الألمانية أن ظاهرة الهجرة راسخة من قبل بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولكن الوباء عمّق حالة البؤس، مشيرا إلى أن كثيرين خسروا وظائفهم كما أن الآلاف من العمال التونسيين عادوا من ليبيا ولم تكن الإجراءات الحكومية للحد من التدهور الاجتماعي كافية لاحتواء حالة الغضب والسخط.

كما لفت بن عمر إلى أن الأزمة السياسية في البلاد أيضا أشاعت حالة من الإحباط وغذت الرغبة في الهجرة لدى الكثيرين.

وبحسب أرقام وزارة الداخلية الإيطالية، فقد وصل إلى إيطاليا أكثر من ستة آلاف مهاجر تونسي بطرق غير شرعية منذ بداية العام الجاري حتى منتصف أغسطس الحالي، لكن الأعداد تشهد تحولا نوعيا في الفئات المهاجرة إذ تشمل أطفالا قصّر وعائلات بأكملها.

ويرجع بن عمر ذلك إلى تفشي ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة والمعرفة بالقوانين التي تجعل من عمليات ترحيل هذه الفئة من المهاجرين صعبة ومعقدة وهي بدل ذلك توفر الحماية لهم والحق في البقاء.

وقال “فقدت الأسر كافة المبررات لإثناء أبنائها والعدول عن فكرة الهجرة وإقناعهم بالبقاء بسبب اتساع الأزمة الاقتصادية وغياب أي آفاق واضحة، ما نلاحظه اليوم أن أفراد العائلة باتت لديهم دوافع مشتركة للهجرة الجماعية”.

في هذه الأثناء، تسعى إيطاليا للتوصل إلى اتفاق مع تونس يسمح بزيادة أعداد المهاجرين التونسيين غير الشرعيين المرحلين أسبوعيا من إيطاليا، سواء عبر رحلات جوية أو عبر بواخر، وهي سياسة تلقى معارضة من المنظمات الحقوقية في تونس.

ويعتبر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن الأصل في الشيء أن الترحيل القسري يتعارض مع حقوق الإنسان ومع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وأكد أنه يدرس الآليات القانونية لملاحقة مثل هذه السياسات لدى القضاء، “وهي في تقديرنا سياسة تعكس نزعة راديكالية تميل إلى طرد جماعي على الجنسية”.

ولقد عرفت إيطاليا موجات هجرة واسعة لشبابها منذ القرن التاسع عشر بهدف البحث عن آفاق أخرى في العالم، ما يحصل أن إيطاليا وغيرها من الحكومات الأوروبية وباسم القوانين الوطنية، تصادر اليوم هذا الحق عن باقي المهاجرين ومن بينهم التونسيون، نحن نتحدث في المقام الأول عن مصادرة حقوق أساسية.

وبدل المطالبة بتسريع عمليات الترحيل في الدول الأوروبية، يرى بن عمر أنه سيكون من المهم من الجانب التونسي بذل جهود أكبر لتنقية المناخ السياسي في تونس وتبديد حالة القلق العامة في البلاد، مضيفا أن الرئاسة التونسية يمكنها أن تطرح من جانبها مفاوضات جادة مع الجانب الأوروبي من أجل إحداث برامج للهجرة المنظمة.

7