إحباط الربيع العربي يقود عددا كبيرا من الشباب إلى الانتحار

تشير الإحصائيات التي تهتم برصد ظاهرة الانتحار في المجتمعات العربية إلى أن أكثر من 78 بالمئة ممن يقدمون على الانتحار تنحصر أعمارهم ما بين 17 و40 عاما، وأغلب دوافع التخلص من الحياة سببها التدهور الاجتماعي والاقتصادي والفشل في إيجاد فرصة عمل والتراجع السياسي.
السبت 2016/09/10
شهقة يائس

بيروت – سجّل هشتاغ “#أكيد_رح_فيق”، الذي أطلقته الجمعية اللبنانية للأطباء النفسيين (امبراس) مشاركات مكثّفة، خصوصا في التعقيب على الدعوة إلى الخروج في مسيرة منددة بالانتحار ودوافعه، ستكون بطلتها الشابة اللبنانية نورهان حمّود التي أقدمت منذ أيام قليلة على وضع حد لحياتها التي لم تكد تبلغ العشرين سنة.

وقد استحوذ خبر انتحار الشابة التي عرفت بمشاركتها في الحراك المدني العام الماضي ضد انتشار النفايات، على اهتمام كبير في الأوساط اللبنانية خاصة وأنها لم تكن الحالة الأولى من نوعها، حيث تكشف الإحصائيات أن حالات الانتحار ارتفعت بشكل خطير في لبنان.

وجاء انتحار نورهان فيما لا يزال الكثيرون مصدومين من خبر انتحار الراقص السوري الشاب حسن رابح (25 عاما)، برمي نفسه من على شرفة الشقة التي يقطنها في بيروت.

وأوضح أصدقاء الراقص على شبكات التواصل الاجتماعي أنه عانى أخيرا من ظروف نفسية صعبة، إثر نزوحه إلى لبنان بسبب الأزمة السوريّة. وكتب رابح عشية انتحاره تدوينة عبر حسابه على فيسبوك جاء فيها “لست سوى عبد ربي أموت إلى أن أحيا (…) فالحق من الإله الواحد وإلى فلسطين الرجوع”.

وعلى غرار تدوينة الراقص في فرقة “سيما“، كتبت شابة تونسية انتحرت أيضا في نفس الفترة على صفحتها على فيسبوك “لم أعد أبحث عن حل لهذه الحياة وكم يزعجني جهلي بما يحدث حولي، وأنا أشاهد ولا أرى ولا أستشعر شيئا. إنني أفقد إنسانيتي، ورغم هذا يزداد التزامي تجاهها وكأنني أقدرها خصوصا بعد فقداني لها”.

وقبل حوالي أسبوع، ألقى كاتب مصري شاب يدعى عبدالظاهر مكاوي بنفسه من الطابق الرابع بعد أن أصابه الاكتئاب، فيما أعربت منظمة الصحة العالمية عن قلقها من انضمام الانتحار إلى قائمة الأسباب إلى وفاة السوريين، إلى جانب الحرب والهجرة غير الشرعية، حيث باتت ظاهرة الانتحار تتكرر بين صفوف الجيل الشاب السوري بشكل كبير، خصوصا اللاجئين.

الانتحار يشكل اليوم أحد الأسباب الرئيسية للوفيات في العالم للفئات العمرية بين 15 و44 عاما

حكاية التونسية شيماء شروف، ذات الثماني عشرة سنة، ونورهان ورابح وعبدالظاهر، هي حكاية المئات من الشباب العربي الذي لم يعد يتردّد في أذنيه سوى صدى ما قالته أروى صالح، إحدى أبرز أعلام الحركة الطلابية في أوائل السبعينات في جامعات مصر، قبل انتحارها “موتي سلاحي الأخير ضد المبتسرين وناقصي التكوين”.

تشير تقارير المرصد الاجتماعي التونسي إلى أنه تم تسجيل انتحار 549 شابا وشابة، أعمارهم تتراوح بين 15 و35 عاما، العام الماضي، فيما سجلت 305 حالة انتحار بين الشباب، خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام. وفي لبنان أشارت الجمعية اللبنانية للأطباء النفسيين إلى أنه تم تسجيل حادث انتحار كل ثلاثة أيام، وقد سجّلت الأيام العشرون الأولى فقط من 2016، سبع حالات انتحار.

ويسجّل الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر وقوع نحو 3 آلاف محاولة انتحار سنويا، وحوالي 66 في المئة منها كان مصدرها الفئة العمرية التي تتراوح بين 15 و40 عاما. وفي الجزائر وصلت محاولات الانتحار إلى حوالي 27 حالة في اليوم.

المفارقة في هذا السياق أن منظمة الصحة العالمية تصنف الدول العربية ضمن الدول الأقل تسجيلا لنسب الانتحار في العالم، مقارنة بدولة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وروسيا التي تتصدّر قائمة أكثر الدول التي يقبل مواطنوها على الانتحار.

"شرف" الانتحار

تتصدر دولة السودان الدول العربية في نسبة الانتحار، وفق مؤشر ـ4 منتحرين في كل 100 ألف نسمة، تليها كل من المغرب وقطر واليمن وموريتانيا وتونس والأردن والجزائر وليبيا ومصر والعراق والأردن وعمان ولبنان وسوريا والسعودية. لكن، مع ذلك لا تبعث هذه النتيجة على الطمأنينة. ويقول الخبراء إن الخطر الكامن في هذه الظاهرة ليس الأرقام، بقدر ما هو الأسباب المؤدّية إلى الانتحار والمستجدّات التي تعيشها المنطقة على ضوء المتغيرات الأمنية والسياسية والاجتماعية، التي أدّت إلى استسهال الانتحار إلى درجة أنه بات مهربا لكلّ من يعترضه أيّ عائق في حياته، مهما كان بسيطا أو معقّدا.

ولطالما كان الدين والمجتمع ترياقا منيعا ضدّ الانتحار في المجتمعات العربية، لكن، رغم ذلك تخبرنا الإحصائيات بأن نسبة الانتحار في تزايد مستمر وقوي، تحديدا في السنوات الأخيرة حيث بلغت حالات الانتحار درجة مقلقة، نتيجة الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ازدادت سوءا بعد الربيع العربي.

تقارير المرصد الاجتماعي التونسي تشير إلى أنه تم تسجيل انتحار 549 شابا وشابة، أعمارهم تتراوح بين 15 و35 عاما، العام الماضي، فيما سجلت 305 حالة انتحار بين الشباب

وتشكل الاضطرابات النفسية والعقلية كالاكتئاب المزمن والانهيار العصبي وإدمان المسكرات سببا رئيسيا للإقدام على الانتحار، لكنّ هناك أسبابا أخرى أكثر تعقيدا وهي مرتبطة بعوامل اجتماعية وثقافية. كما تلعب التحولات الكبرى سواء أكان ذلك على الصعيد الشخصي من طلاق أو انفصال أو موت قريب، أم على الصعيد العام كالأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية دورا رئيسيا في تعزيز الرغبة في وضع حد للحياة.

ونظرا إلى أن العالم العربي ليس بمعزل عن تلك المشكلات والأزمات، لا بل هو في قلبها، فإن شبابه الذي يرى نفسه عاجزا عن إيجاد الحلول أو إحداث تغــيير يفقد الأمل في غده وينهي أيامه.

والأخطر في هذا الموضوع لا فقط ارتفاع عدد المنتحرين في العالم العربي بل تغير النظرة إلى الانتحار منذ أن أحرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي نفسه ليتحول جسده المحروق إلى رمز للاحتجاج، ويتحول المنتحر إلى “بطل” متعاطَف معه إعلاميا واجتماعيا. ولم تقتصر أسباب الانتحار على انتشار البطالة والفقر والتقاليد الاجتماعية القاسية بل سبقته الأوضاع السياسية غير المستقرة، والتضييق على الحريات، وغياب العدالة والديمقراطية، والحروب.

وفي السابق، كان المجتمع التونسي، كغيره من المجتمعات العربية، يرفض الانتحار، لكن تغيّر الوضع وانقلب بانقلاب حال البلاد التي كانت رمزا للاعتدال والتسامح وأصبحت اليوم مصدّرا رئيسيا للمقاتلين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية، وما شابهه، في ظاهرة يصنّفها خبراء على أنها نوع من الانتحار أيضا؛ حيث يندفع الشباب إلى هذا التنظيم لأسباب كثيرة، لا علاقة لها بالدين أو الجهاد، بل كشفت بعض الشهادات أن للعائد المادي المغري دورا كبيرا في تحفيز الشباب على هذا العمل الانتحاري، بالإضافة إلى الاكتئاب وحالات التمرّد المرضي ورفض الواقع.

العالم ينتحر

يأتي هذا الارتفاع في معدلات الانتحار في المنطقة العربية ليزيد من الضغوط على منظمة الصحة العالمية التي تدق ناقوس الخطر، وهي تحيي اليوم العالمي لمنع الانتحار، (10 سبتمبر من كل سنة)، محذرة من أنها لن تنجح في هدف خفض معدل الانتحار في البلدان بنسبة 10 بالمئة بحلول عام 2020.

وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن 1530000 شخص سيموتون عام 2020 بسبب الانتحار، ما يعني أنّ العدد الحالي سيتضاعف، رغم حملات الوقاية. وقد شهدت معدلات الانتحار في شتى أنحاء العالم زيادة بنسبة 60 بالمئة خلال السنوات الخمسين الماضية، وبخاصة في البلدان النامية.

وقال شيخار ساكسينا، مدير إدارة الصحة النفسية والإدمان لدى منظمة الصحة العالمية، إن أكثر من 800 ألف شخص سنويا يموتون منتحرين، وقد سُجل الانتحار كثاني أهم سبب للوفيات بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما على الصعيد العالمي، مؤكّدا على “الحاجة إلى رفع مستوى الوعي حول هذه المشكلة واتخاذ الخطوات اللازمة لوضع حد لها”.

7