إحباط داخلي وخارجي من سياسات أوباما المهتزة

الاثنين 2014/06/23
انتقادات ورفض متصاعدان لسياسة أوباما تجاه العراق

القاهرة – توسعت دائرة الانتقادات لسياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما الخارجية لتمتد على صعيد الرأي العام في الداخل الأميركي من ساسة وخبراء وصحف، وربطوا بين فشل سياسة البيت الأبيض وإضرارها بالمصالح الأميركية واختلال مكانتها ونفوذها في العالم، وهو ما تناولته عديد التقارير من مراكز دراسات أميركية وعربية.

ارتبط انخفاض شعبية الرئيس الأميركي باراك أوباما في ولايته الثانية، بمسار إدارة السياسة الأميركية التي تعرضت إلى سلسلة من الانتقادات، لا سيما مع تسارع الاخفاقات على الصعيدين الداخلي والخارجي، وهو ما دفع الكثير من الخبراء إلى توصيف الأمر بأن “العالم أصبح بمثابة مسرح للإخفاقات بالنسبة إلى الرئيس الأميركي”.


اخفاقات متعددة


تناولت العديد من التقارير والصحف العالمية فشل أوباما في تنفيذ ما تعهد به خلال حملته الرئاسية السابقة، وانعكاس ذلك على مصداقية الإدارة الأميركية. من هذا المنطلق وضح هاني سليمان في دراسة تحليلية له بعنوان “البحث عن تفسير: أوباما وانهيار مؤسسة الرئاسة” أسباب فشل أوباما داخليا وخارجيا، حيث بين أن ساحات وقضايا أخرى لا تزال تنتظر توجهات أوضح، إلى جانب الإخفاق الأبرز لأميركا في سوريا، منها: الجدل المتجدد حول حقيقة دور أركان الإدارة في أحداث بنغازي التي أدت إلى مقتل السفير الأميركي، كريستوفر ستيفنز، في 11 سبتمبر 2012، والانسحاب الأميركي المرتقب من أفغانستان دون التوصل إلى اتفاق مسبق مع السلطات المحلية، وقرار روسيا بضم شبه جزيرة القرم الذي أخذ الأجهزة الاستخبارية الأميركية على حين غرة، والأزمة في أوكرانيا، وانتقال الصراع في العراق إلى الصدارة مترافقا مع إخفاق القوات العراقية المدربة أميركيا عن أداء مهامها، والتراجع في مواجهة “داعش”.

ملامح الإخفاق الأبرز لأميركا
◄ خارجيا: الأزمة السورية - الانسحاب الأميركي المرتقب من أفغانستان دون ترتيبات - قرار روسيا بضم شبه جزيرة القرم - الصراع في العراق

◄ داخليا: محاصرة برنامج الرعاية الصحية الشاملة، أوباما كير - فضيحة إخفاق هيئة إدارة شؤون المحاربين القدامى - الصفقة المعقودة مع حركة طالبان وإطلاق سراح 5 من معتقليها

وعلى المستوى الداخلي، لا زال مناوئو الرئيس يلاحقونه، إلى جانب محاصرة برنامج الرعاية الصحية الشاملة، “أوباما كير”، واستهداف مصلحة الضرائب الاتحادية منظمات بعينها محسوبة على الحزب الجمهوري، وفضيحة إخفاق هيئة إدارة شؤون المحاربين القدامى وإهمال متطلبات رعايتهم الصحية، والأحدث، طبيعة الصفقة المعقودة مع حركة طالبان التي بموجبها أُطلق سراح جندي أميركي معتقل، بو بيرغدال، مقابل إطلاق سراح خمسة من معتقلي تنظيم القاعدة من سجن غوانتانامو.

وأوضحت الدراسة الصادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات أن استطلاعات الرأي العام حول أداء الرئيس أوباما جاءت بنتائج متدنية أقلقت أركان الإدارة، إذ بيَّن الاستطلاع الذي أجرته مؤخرا وكالة رويترز للأنباء أن نسبة المؤيدين انخفضت إلى 38 بالمئة مقابل 55 بالمئة للمناوئين.

لم تنحصر مصادر القلق في قواعد الخصم للحزب الجمهوري فحسب، بل امتدت إلى عدد من مؤيديه السابقين في الحزب الديمقراطي وشريحة الناخبين المستقلين أيضا، حيث عنونت أسبوعية “ناشيونال جورنال” المؤيدة إجمالاً للرئيس أوباما مقالها الرئيسي “بلغ السيل الزبى” موضحة أن إقلاع الممثلين الديمقراطيين في الكونغرس عن تأييد الرئيس أوباما في صفقة إطلاق سراح الجندي الأميركي شكّل الخطوة الأحدث في مسار “القشة التي قصمت ظهر قادة الحزب الديمقراطي معبرين عن مدى الإحباط من قيادة الرئيس″. ونقلت عن هؤلاء قولهم إنهم “يكنون الاحترام والإعجاب لشخص الرئيس لكنهم على اعتقاد بأن منصب الرئاسة قد تعرض للضرر نتيجة قصور أدائه”.

ويؤاخذ على أوباما أنه “لا يصغي لنصائح المقربين منه وبات يترنح متنقلاً بين مأزق وآخر من صنع يديه”: خطاب الرئيس أوباما في الأكاديمية العسكرية، ويست بوينت، رمي لدحض مشاعر الضعف في أداء السياسة الخارجية. بينما صفقة إطلاق سراح بيرغدال تم توقيتها لتهدئة حدة الانتقادات المتصاعدة لهيئة إدارة شؤون المحاربين القدامى واستغلال العواطف الشعبية لاستعادة جندي أسير، اتهمه الخصوم لاحقاً بأنه فار من الخدمة، مما أدى إلى اختلاط مشاعر المحاربين القدامى بين مؤيد ومعارض. وعلى ضوء التعبئة المناهضة للصفقة أعرب نحو 68 بالمئة من عائلات المحاربين معارضتهم لها. وتفاقمت أزمة الصفقة مع تشبث الكونغرس بنص قانون يلزم الرئيس إعلامه بشروط صفقة من هذا القبيل خلال 30 يوما قبل اتمامها، الأمر الذي ضاعف من تدهور مصداقية الإدارة وباتت في موقف الدفاع لاحتواء الضرر وتداعياته على الممثلين عن الحزب الديمقراطي في مجلسي الكونغرس.

المحاربون الاميركيون في العراق ضد سياسة أوباما
واشنطن - يراقب المحاربون الأميركيون القدامى في العراق تصاعد النزعة الجهادية في البلاد ويعربون عن غضبهم لأن جهودهم ذهبت هدرا بسبب طائفية القادة العراقيين وقرار باراك أوباما سحب القوات في نهاية 2011.

وكان استيلاء مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” على الفلوجة رمز الالتزام الأميركي في العراق، أول انتكاسة. و بعد أن سيطر المتمردون السنة على مناطق واسعة في شمال وشرق العراق قال جون ناغل إنه يشعر بـ”الغضب والحزن والمرارة”.

وتابع الضابط السابق المتخصص في عمليات مكافحة أنشطة التمرد “قتل عدد لا يستهان به من أصدقائي ومن العراقيين لتكون للعراق فرصة بأن يصبح دولة حرة ومستقرة متعددة الإثنيات”.

وهو رأي يؤيده بول هيوز الكولونيل السابق في العراق الذي أصبح يعمل في المعهد الأميركي للسلام قائلا إنه “لا يريد أي جندي أن ينظر إلى الوراء ليتذكر التضحيات التي تم تقديمها وأن يلاحظ بأنها لم تفض إلى شيء”.

لكن العديد يشككون في صحة قرار الرئيس باراك أوباما سحب القوات من البلاد في نهاية 2011 بعد رفض القادة العراقيين منحهم الحماية القانونية التي يطالبون بها.


طبائع شخصية الرئيس أوباما


المحصلة لآداء أوباما أدى إلى تراكم عدد من الأزمات لإدارته، فضلاً عن النتائج السلبية المرافقة لعنجهية السياسة الأميركية نحو بعض حلفائها، كالتجسس على المستشارة الألمانية، وتضعضع ثقتهم بقدرة الإدارة الأمريكية على مواجهة التحديات المتنامية. يستشهد خصوم أوباما بصعود روسيا القوي على المسرح الدولي بمديات أبعد مما كانت عليه التوازنات إبان الحرب الباردة، إضافة إلى عزم الصين ممارسة نفوذها وقوتها في الإقليم ولجوئها إلى اتخاذ تدابير أقلقت الدول المجاورة في بحر الصين الجنوبي.

ابتعاد أوباما عن النبض الشعبي أدى به إلى عدم قراءة التوجهات الانتخابية بدقة، كما برهنت صفقة إطلاق السراح المتبادل وسوء إدارة هيئة شؤون المحاربين القدامى. ولا يزال يعبر عن ثقته العالية بأن مشروع الرعاية الصحية، “أوباما كير”، ينال رضى الشعب الأميركي الذي تعارضه أغلبية معتبرة. وفي ذات السياق تندرج الأزمات السياسية المرافقة للقضايا الداخلية الأخرى.


ماذا عن المستقبل


أوضحت الدراسة أن متاعب الرئيس أوباما في ولايته الثانية لا تقتصر على شخصه فحسب، إذ اقترن ذلك بتعاظم الغضب الشعبي على الرئاسة في ولايتها الثانية، فهل سيستطيع استرداد شعبيته المفقودة؟ يجيب الباحث هاني سليمان “على الأرجح أنه لن يكون بوسعه ذلك”.

ووضح سليمان أن الاستدارة السياسية لمعالجة الأوضاع الراهنة تتطلب توفر شرطين: طاقم جديد من المستشارين المقربين وتعديل أوباما لمسلكه في التعاطي مع الأمور، وعليه يبقى استمرار الرئيس أوباما في انتهاج ما سلف ذكره أكثر ترجيحا، وربما سيشهد مزيدا من تقلص أعضاء مستشاريه بالترافق مع اشتداد المعارضة لسياساته.

وبما أن أوباما يعد رئيسا للحزب الديمقراطي أيضا، تتسع أبعاد المعضلة أمام الحزب سيما وأنه مرتبط ارتباطا عضويا بالسياسات المقررة وانعكاساتها التي سيدخل موسم الانتخابات عليها قبل نهاية العام الجاري، بالمقابل، تشير كافة الدلائل إلى أن الحزب الجمهوري سيحافظ على مكانة الأغلبية في مجلس النواب وربما يستطيع الفوز أيضاً بأغلبية تمثيلية في مجلس الشيوخ.

نسبة المؤيدين لأوباما انخفضت إلى 38 بالمئة مقابل 55 بالمئة للمعارضين

في ظل هذا السيناريو يتحكم الحزب الجمهوري بمقاليد السلطة التشريعية كافة وهو ما ينذر بمتاعب جديدة للرئيس أوباما فيما تبقى له من ولايته الرئاسية، ومن المرجح أن يعزل نفسه داخل فقاعة تُدخل إليه بعض الطمأنينة الذاتية في انتظار يوم مغادرته البيت الأبيض، 20 يناير 2017.

ويخلص هاني سليمان في تحليله إلى أن خيار الانعزال والتقوقع لا يتوفر للحزب الديمقراطي الذي سيسارع الخطى للبحث عن شخصية قيادية تدير دفة مستقبله السياسي تمهيدا للانتخابات الرئاسية المقبلة، 2016، في هذا الصدد، برزت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في مكانة تتهيأ فيها لقيادة الحزب والتميز عن سياسات الرئيس أوباما السابقة، وقد يسعفها تخبط سياسات البيت الأبيض في بلوغ مكانتها أمام القوى المؤثرة في الحزب، سيما في قدرتها على جمع التبرعات المالية لمرشحي الحزب لخوض الانتخابات المحلية والقومية، وقد صرح أوباما نفسه بأن كلينتون ستكون رئيسة فعالة جدا في حال انتخابها خلفا له رئيسة للبلاد.

يسود إجماع بين المراقبين السياسيين يفيد بأن نفوذ البيت الأبيض في تراجع، في المقابل، يتأهب الحزب الجمهوري لاستغلال ما يستطيع من ثغرات حقيقية أو متخيلة لمصلحته السياسية في الانتخابات المقبلة، مطمئنا إلى أن خصمه الديمقراطي يحث الخطى للتوصل إلى شخصية قيادية تخلف الرئيس أوباما، و تغطي سلسلة من الاخفاقات والأخطاء.

6