إحباط عاطفي

ليس من باب المصادفة أن يتعلم التلميذ الدين والتاريخ والفلسفة والتنوير والأيديولوجيا باعتبارها محطات في إدراك البشرية لذاتها. لكن كيف نبني وعيا للذكاء الاصطناعي يقوم على أسس شبيهة؟
الأربعاء 2018/09/12
ليس الهدف التعلم أو الخبرة لكنه الفوز لا غير

يذكرني الذكاء الاصطناعي بالصينيين. درست مع الصينيين وعملت معهم واستمعت إلى الكثير من القصص لرجال أعمال تعاملوا مع تجار وصناعيين من الصين. الطالب مهتم أن ينجح، بغض النظر عن طريق النجاح. رجل الأعمال الصيني مهتم أن يربح مهما كانت الوسيلة. تعيش معهم وتأكل وتشرب وتتناقش، لكن إحساسا مستمرا يبقى ملازما لك بأن حاجزا نفسيا يبقى بينك وبينهم. لربما هو البعد الثقافي والتربية في بيئة مختلفة. لكن الانتقال إلى بيئة مختلفة، ينبغي أن يغير المرء، وهذا ما لا تستطيع أن تلمسه عند العمل أو التعامل مع صينيين.

الذكاء الاصطناعي يفعل الشيء نفسه.

في تجربة لاختبار قدرة الآلة على التفوق على البشر، تعلم الذكاء الاصطناعي لعبة "غو" الاستراتيجية الشهيرة. مارس البرنامج اللعبة لملايين المرات بسرعة هائلة وصار مستعدا لمواجهة أفضل لاعب في العالم. لم يعلمه أحد قوانين اللعبة. فقط هذه لوحة عليك أن تنشر عليها القطع لبسط السيطرة الاستراتيجية. هي لعبة معقدة جدا، وتختلف عن الشطرنج.

أتقن الذكاء الاصطناعي اللعبة وهزم متحديه من البشر في أربع جولات من خمس. استنبطت الآلة مفاهيم جديدة للعب غير مألوفة عند البشر لتحقيق الفوز. الربح، والربح فقط، كان محرك الذكاء الاصطناعي. ليس الهدف التعلم أو الخبرة، ولكنه الفوز لا غير.

هذا النوع من التعلم مشكلة. أن تنتهي العلاقة بالأشياء حسابيا وليس مفهوميا أو أخلاقيا. ثمة بعد مفقود يوحي بالفراغ. الذكاء الاصطناعي ينتصر على اللاعب البشري، ولكن لأية غاية؟ هل هو سعيد أم أن الأمر مرتبط برقم نهائي يجسد الفوز أو الربح؟

المشكلة ببعد إضافي. فهذا الذكاء الاصطناعي يستبدل الكثير من المهام البشرية. أي أننا صرنا نطمئن له في أن يقوم بمهام كانت حصرا على البشر. أغلب الاستفسارات التي توجهها إلى المؤسسات عبر صفحاتها على الإنترنت، يرد عليها برنامج من برامج الذكاء الاصطناعي. هذا النسق سيتعمم ويصبح ربما وسيلة للتعليم في المدارس. ليس من باب المصادفة أن يتعلم التلميذ الدين والتاريخ والفلسفة والتنوير والأيديولوجيا باعتبارها محطات في إدراك البشرية لذاتها. لكن كيف نبني وعيا للذكاء الاصطناعي يقوم على أسس شبيهة؟

عندما انطلقت ثورة الذكاء الاصطناعي قبل عقود، كان الأساس هو تسهيل مهمة استرجاع المعلومات التي تعلمها البشر من خلال الآلة. أي أن يضع الطبيب الخبير ألف سؤال وجواب عن الأعراض المرضية وعلاجها، فيأتي طبيب آخر ليستخدم “المنظومة الخبيرة” وليست الذكية، لكي يرد بسرعة على المريض. العملية الآن تسير بفكرة مختلفة لا علاقة لها بخبرة الإنسان أو قدراته الإدراكية. أكوام من البيانات تتحول إلى "فكرة" لدى الذكاء الاصطناعي يبني عليها ويتصرف.

لعل ما كان يؤرقني في علاقتي مع الصينيين هو افتقادي للتجربة الإنسانية واختزال التواصل بربح وخسارة. أنا فرح بما يحققه الذكاء الاصطناعي من اختراقات بحكم حبي للتقدم العلمي. ولكني على موعد مع إحباط "عاطفي".

24