إحجام سعيّد عن حملته الانتخابية يزيد الغموض حول برنامجه

المرشح المستقل للرئاسة يستبق فرضية الطعن في نتائج الإنتخابات التونسية في حال فوزه.
الخميس 2019/10/10
سعيّد يطرح نفسه بديلا عن المنظومة الحاكمة

فتح قرار المرشح للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد باب النقاش في تونس بخصوص عدم القيام بحملته الانتخابية مما زاد من الغموض حول برنامجه الانتخابي الذي يتوق الناخبون لمعرفته.

تونس - طرح إحجام المرشح للانتخابات الرئاسية في تونس قيس سعيد عن القيام بحملته الانتخابية تضامنا مع منافسه نبيل القروي الذي غادر محبسه مساء الأربعاء، أسئلة قانونية، حول مدى تأثير هذه الخطوة على العملية الانتخابية، وأخرى سياسية تتعلق بأبعاد هذا الامتناع، وما يخفيه من مكاسب انتخابية يسعى المرشح إلى تحقيقها.

وأوضح قيس سعيد المرشح المستقل وأستاذ القانون الدستوري المتقاعد، السبت، في بيان له، أنه لن يقوم بحملته الانتخابية لدواع أخلاقية، ضمانا لتجنب الغموض حول تكافؤ الفرص بين المرشحين، حينما كان خصمه القروي قابعا في السجن بتهم الفساد المالي.

ونجح القروي في المرور إلى الدور الثاني مع المرشح المتصدر قيس سعيد ولكنه غاب عن الحملة الانتخابية التي بدأت منذ الخميس الماضي، وكذلك عن المناظرة التلفزيونية كما حدث في الدور الأول أيضا.

ووضع إيقاف القروي وغيابه عن الحملة الانتخابية وبموازاة ذلك امتناع سعيد عن مباشرة حملته الدعائية المشهد الانتخابي في تونس في سابقة من ناحية قانونية، فيما ازداد الغموض بالنسبة للناخبين الذين سيصعب عليهم الاختيار بين أحد المنافسين في ظل حالة التعتيم والصمت التي سادت حملتيهما الانتخابيتين.

وأوضحت سلسبيل القليبي أستاذة القانون الدستوري لـ”العرب” أنه “لا يوجد موقف محدد من الناحية القانونية في ما يخص مقاطعة سعيد للحملة الانتخابية الخاصة به”، وتابعت “لا يستطيع القانون أن ينظمها لأنها سابقة في تاريخ الانتخابات التونسية وحتى الدولية”.

أحمد نجيب الشابي: قرار سعيّد غريب وغير معهود في الحياة السياسية
أحمد نجيب الشابي: قرار سعيّد غريب وغير معهود في الحياة السياسية

وأبدت القليبي تفهمها لقرار سعيد نظرا لظروف منافسه الذي أطلق سراحه مساء الأربعاء مع اقتراب الحملة الانتخابية لمرشحي الرئاسية على النهاية. غير أنها تلفت إلى أن سعيد “غاب عليه أن الحملة الانتخابية هي من حق الناخبين أساسا”.

ورغم إجماع أوساط سياسية وشعبية على نزاهة شخص سعيد، الذي أطاح بالأقطاب التقليدية المهيمنة على السلطة التنفيذية في قرطاج، وأحدث تصدره لنتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية السابقة مفاجأة غير متوقعة، إلا أن برنامجه الانتخابي ما زال في نظرهم غامضا.

ودافع سعيد عن برنامجه الانتخابي واصفا في تصريحات صحافية أنه لا “يبيع الوهم” وشارحا بعض النقاط بخصوص تعامله مع الملفات الاقتصادية والسياسية الخارجية، إلا أنه لم يوضح بشكل مباشر تفاصيلها، التي يتوق الشارع لمعرفتها خاصة مع ضعف حضوره الإعلامي.

وتقول القليبي إن “الحملة الانتخابية هي مجموعة من الأنشطة والآليات التي تمكن الناخبين من التعرف على المرشحين وعلى برامجهم حتى يكون خيارهم على بينة، لكن في هذه الحالة سيصعب عليهم الاختيار”.

وسبق أن حذرت هيئة الانتخابات التونسية من أن عزوف المرشحين عن حملاتهما الانتخابية قد يؤثر سلبا على نسبة المشاركة في التصويت للدور الثاني من الرئاسيات.

ويرى متابعون أن تفضيل سعيد الصمت الانتخابي، سيعقد المشهد الانتخابي وسيربك الناخبين وقد يضاعف احتمالات العزوف في ظل وضعية صعبة يجد الناخب نفسه فيها بين مرشح يفضل الصمت وآخر تلاحقه تهم فساد. ويعتقد السياسي التونسي البارز أحمد نجيب الشابي أن قرار سعيد لا معنى له. ويضيف الشابي شارحا وجهة نظره لـ”العرب”، “امتناعه عن الحملة لن يحل المأزق السياسي الذي تمر به البلاد”. وزاد “إذا أراد التنازل على حقه فله الحرية، لكن إذا كانت محاولة للالتفاف على تداعيات إيقاف القروي فهي لا تعني شيئا بسبب أنها لا تلزم منافسه”.

وبقطع النظار عن الأزمة السياسية التي تمر بها تونس منذ أشهر والتي تصاعدت أعقاب وفاة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، فهذا القرار حسب تقدير الشابي “غريب وغير معهود بالحياة السياسية المعاصرة ومناف للبناء الديمقراطي”.

ويرى مراقبون أن امتناع سعيد عن إجراء حملة انتخابية ميدانية واكتفائه بدعم أنصاره من الشباب للحملة، إنما بمثابة مناورة انتخابية، ومحاولة لقطع الطريق أمام خصمه القوي القروي الذي يحظى بحظوظ مرتفعة في الفوز على الرغم من ملاحقته قضائيا.

ويعتقد هؤلاء أن سعيد يسعى لاستباق سيناريو الطعن في نتائج الدور الثاني في حال فوزه، الذي قد يلجأ إليه خصمه بحجة سجنه أثناء الحملة، وبذلك يضمن سعيد فوزه ووصوله إلى سدة الرئاسة ويغلق ألسنة المشككين.

سلسبيل القليبي: غاب على سعيّد أن الحملة الانتخابية هي من حق الناخبين
سلسبيل القليبي: غاب على سعيّد أن الحملة الانتخابية هي من حق الناخبين

ويتساءل متابعون إذا كان قرار سعيد سيضمن فعلا مبدأ تكافؤ الفرص، حيث يرى هؤلاء أن هذا القرار هو ضمنيا حملة انتخابية، حيث يغازل سعيد أنصاره المعجبين بثقافته القانونية والوازع الأخلاقي المتمسك به في إدارة الشأن العام.

ويعزو المتابعون نجاح سعيد إلى اختلافه في كل شيء مع الشخصيات السياسية الموجودة في الساحة السياسية والمنتمية إلى الأحزاب التقليدية. كما جذب سعيد انتباه التونسيين بطريقة حديثه وإتقانه للفصحى وتفكيره وتصرفاته وقناعاته، إضافة إلى كونه شخصية مستقلة حيث لم يُعرف عن الرجل أي انتماء سياسي قبل ثورة ينار أو بعدها.

ويلاحظ فريد العليبي المحلل السياسي لـ”العرب” أن “قرار سعيد مدروس جيدا وموجه للشعب التونسي”. ويتابع قائلا “بنى سعيد حملته الانتخابية على دواع أخلاقية بالأساس من حيث الانضباط والاستقامة، من هنا يقول للتونسيين إنه سيحترم منافسه الذي تعرض للإيقاف، ولن يقوم باستغلال الفرص وهذا معناه أنه خاطب الشعب بالصورة التي رسمها لنفسه والتي هي محل إعجاب وإشادة أنصاره”.

ويرى العليبي أن “هذا الامتناع بمثابة حملة انتخابية بالغياب، فهو يعلم أن رصيده وخزانه الانتخابي سيزداد قيمة عبر هذه الخطوة”.

ويواجه سعيد تحدي توسيع دائرة مناصريه الذين يقفون إلى جانبه الآن تطوعا في انتخابات الدور الثاني من السباق الرئاسي المقررة الأحد القادم.

وتمكن سعيد من اقتلاع الفوز في الدور الأول للانتخابات الرئاسية المبكرة وتصدر النتائج بنسبة 19.50 بالمئة من الأصوات يليه القروي بنسبة 15.5 بالمئة.

4