إحراق دار المشردات وأصولية الفساد في العراق

الفساد اتسع في العراق، وصار دولة تنظم السرقات واللصوصية وأجندات العصابات المتغلغلة في كل المشاريع الاقتصادية والسياسية والأمنية والحكومية وفي العلاقات الخارجية.
الأربعاء 2019/01/09
لماذا تم تغييب الشاهدة الوحيدة الناجية عن الإعلام

سقف الانتهاكات والتجاوزات والجرائم والغش والتزوير والتسويف واللامبالاة في العراق ارتفع إلى نسب معايشات يومية تضيف كل يوم إلى مخزون الإحباط وقائع جديدة وأحياناً صادمة إلى إعلام يلوك التعجب واللوم والأسف وتقريع المسؤولين المباشرين، أو النظام العام لإدارة الدولة.

التغطية الإخبارية تساهم بطريقة ما في تلميع الفاسدين في المديريات والوزارات والرئاسات الثلاث وسلطة القضاء، وأيضاً تلميع قمة الهرم الذي تمثله الميليشيات ومن يقف على قاعدته أو ما يقف وراءها من الأيديولوجيات والتحفيز والأموال والتوصيات وسياسة الخوف.

التلميع يأتي بانتفاض ما يمكن تسميته بأصولية الفساد المستشري كالخلايا الخبيثة في جسد المجتمع والمتنعم بتضخم المأساة والانفلات الأمني وخزائن المال. انتفاض في لغة تستعرض لنا يومياً لائحة طويلة عن شرف المسؤولية وتوزيع المهمات وإدانة الزمن الذي تسبب في انحراف الأعراف والتقاليد، ويكون ختامها غالباً المطالبة بتحقيق نزيه وانتظار ما يسفر عنه من أدلة جنائية واعترافات موثقة ستمضي بكل تأكيد مع عدلهم الذي سيأخذ مجراه إلى سواقي صغيرة ستجف في ملفات وأضابير سيغطيها الغبار في إدارات مازالت ترفض التطور حتى في مجرد تحديث الإجراءات للحد من العلاقات الخاصة مع الموظفين الذين أثرى العديد منهم خاصة في الدوائر الحكومية المعروفة بجني الأموال كمديريات الضرائب والعقار وبعض البلديات.

أما نقاط الجمارك فرغم أنها حدودية وبعيدة عن الحياة الأسرية، إلا أنها وظائف يتصارع على الانتقال إليها الأفراد كما السيطرة عليها من الأحزاب وأسلحتها المجربة، بل إن بعض الوظائف تباع وتشترى وبرعاية من قوى متنفذة. ولأن العراق بلد خالٍ من الدهشة فلا عجب أن تكون نقاط التفتيش على الطرق العامة وفي مداخل مدن العراق وبالذات المدن المستباحة، أشبه بنقاط حدودية وبمواصفات فساد تتعدى إلى ما هو أخطر من جباية ما يشتكي منه بعض أصحاب الشاحنات على خطوط حركة البضائع وترويضهم بالانتظار والاستسلام.

لا غرابة أن تسمع أحدهم يهدد أحد المنتسبين الأمنيين، إن كان ضابطاً أو برتبة صغيرة، بالنقل إلى مناطق ساخنة تشهد مواجهات مع عناصر إرهابية تتكاثر هنا وهناك قد يدفع ثمنها حياته. الأسر العراقية الكريمة تدري حجم مصائبها بما تدخره من أسرار فساد عام يعتاش على الترغيب والترهيب والشعارات الوطنية والطقوس الدينية أو نصرة المذهب أو سمعة العشيرة التي تهون فيها بعض أرواح الضحايا حفاظاً في الحقيقة على بقيتهم أو على بقايا مصالحهم.

الحريق الذي تفحمت به جثث 6 فتيات شابات بعمر الورود في مركز تأهيل إيواء المشردات في منطقة الأعظمية ببغداد، أماط اللثام عما يجري في مفاصل دولة ارتقت إلى مضرب للأمثال عند المنظمات الدولية ونظرة زعماء العالم في فشل وفساد الطبقة السياسية الحاكمة لحجم التبذير في أرواح المواطنين وممتلكاتهم، أو في حجم تبذير الأموال والثروات الاقتصادية، إضافة إلى تحطيم الأرقام القياسية في التراجع والتخلف وبما لا يتناسب مع شعب العراق بما يمتلكه من رصيد إنساني وتجارب مجتمعية سابقة وقدرات علمية شاخصة في شواهد حضارية ومعمارية وتنموية كانت في خدمة دول قررت استقدام المستقبل إلى حاضرها.

الحريق يراد له أن يكون انتحارا جماعياً للتخلص من عواقب الجريمة في دار لتأهيل المشرّدات الذي يدلل على أنه معتقل تعسفي لا يحظى بالاهتمام والمتابعة، وهناك حوادث مماثلة عن بشاعة التعامل في مجال حقوق الإنسان والصحة والنظافة والطعام والنوم بما يتعلق حصراً بمراكز إيواء للمعاقين أو الأيتام أو سجون الأحداث والنساء ودور المسنين.

هناك تفاوت عشوائي وغير مهني أو تخصصي في الرعاية، فالأمر متروك لضمير وإنسانية القائمين على هذه الأماكن. وما يقال عن دار المشردات يفضح غياب منظمات المجتمع المدني عن أداء دور الرقابة إضافة إلى الاحترازات الإدارية المتخذة لمنع أي تسلل للحقائق إلى الإعلام، وهذا يعني انعدام أي اتصال للفتيات العراقيات المشردات مع العالم، باستثناء العالم المقرر في الدار والذي أدى إلى تمرد عدد محدود من النزيلات، ثم ملابسات حدوث الحريق وتفحم جثث الفتيات الست، ونجاة أخرى كانت معهن في ذات الغرفة.

لماذا تم تغييب الشاهدة الوحيدة الناجية عن الإعلام، رغم أن لعبة الوقت والتلقين والتهديد سمات مجرّبة في تحقيقات الأجهزة الأمنية حتى في قضايا الإرهاب الحساسة وكيف أساءت في بعضها إلى أسر وعوائل بعد عمليات قتل وتصفيات متعمدة.

كان بالإمكان إجراء لقاء سريع مع الناجية أو مع العشرات من النزيلات فور وقوع الحادث، وقبل أن يتحول الدار إلى منتجع استجمام كما هو الحال في دولة العراق من وجهة نظر زعماء المافيات والأحزاب الميليشياوية.

لو تتبعنا جذور جريمة التوحش في دار المشردات لعدنا إلى التساؤل عن حياة الناس البسطاء في دولة تثير شهية الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما يراها فقط كثاني أكبر احتياط نفطي في العالم، ويراها الفاسدون من حكامها مجرد فرصة للثراء وأداء الواجب ضمن المشروع الطائفي الإيراني في العراق.

الدولة التي تنفر فيها أرواح فتيات مشردات، بكل ما تعنيه الكلمة من مأساة، إلى الانتحار حرقاً للخلاص من الحياة، استنفرت أجيالاً من كرام العراق إلى شد الرحال مع حقائبهم للنجاة من قبضة نظام سياسي أحرق الموصل بأهلها ومدنا أخرى عندما لم يؤدّ واجبه في حمايتها من الإرهاب، ويوم أطلق حشوده الميليشياوية للنيل منها بالسخرية ومازال في خطابات طائفية مغمّسة بالحقد ورغبة الإساءة والتشهير التي تقطر سماً لكل ما هو أصيل وجميل في بلاد الرافدين، لكن من يصطاد المتظاهرين الملتاعة قلوبهم من الماء الملوث أو البطالة والجوع وبنادق الولي الفقيه، هل يستاء من حرق 6 فتيات مشردات من بنات العراق؟

الفساد اتسع في العراق، وصار دولة تنظم السرقات واللصوصية وأجندات العصابات المتغلغلة في كل المشاريع الاقتصادية والسياسية والأمنية والحكومية وفي العلاقات الخارجية، وهذا النوع من الفساد يحتاج إلى مباهج فساد ملحقة لن يكون حرق المشردات في أعظمية بغداد آخرها.

9