إحراق معاذ الكساسبة وإعدام البوعزيزي

الجمعة 2015/02/06

حرص تنظيم “داعش” على إحاطة مشهد إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة بكل عناصر التمكين التقني. بدا المشهد فائق الجودة والوضوح، ومسرفاً في إبهاره التقني وفظاظته الواقعية. لم يحظ مشهد إحراق محمد البوعزيزي لنفسه الذي يؤرخ لانطلاق الربيع العربي، بمثل هذا الوضوح الواقعي، بل بقي مقيما في سجل الأخبار التي يحلو لكل فرد أن يؤلفها كما يشاء. ما يعني أن هذه الصورة حين تصطدم بما يتفوق عليها في مجال الواقع، فإنها ستتوقف عن إنتاج نفسها، وعن صياغة شبكة تأويلات خاصة كانت في حالة البوعزيزي تُعنى بتحويل مشهد الإحراق إلى أيقونة مفجرة للغضب الشعبي وللاحتجاج على الظلم.

يأتي مشهد إحراق “داعش” للكساسبة بكل تلك العناية التي صُوّر بها ليحرق أيقونية البوعزيزي، ويدمرها، ويتلف فحواها ورمزيتها. يضعنا أمام الهول الخالص الذي لا يحيل إلى معنى ما بعده يمكن لنا القبض عليه كمتلقين للمشهد، ولكنه يترك للتنظيم المتطرف الحق في امتلاك التأويل، كل التأويل، وصبه على وعينا، ولا وعينا، في صيغة دعوة إلى الذهول والجمود.

ليس أدل على نجاح “داعش” في ما ذهب إليه سوى أنه نجح في استجرار ردود أفعال تنسف منطق الدولة، وتتماهى مع سلوكيات كان هو المؤسس لها. إعدام الأردن لساجدة الريشاوي وزياد الكربولي انتقاما لإعدام الكساسبة يظهر انتصارا لمنطق “داعش”، حيث أن الدول لا تمارس الانتقام ولكنها تطبق القوانين. وضع “داعش” الأردن في موقف لا يستطيع معه سوى أن يمارس الانتقام، وليس تطبيق القانون، وذلك خوفا من ردود أفعال غاضبة قد تطال بعض مناصري “داعش” الذين تكاثروا في المملكة في الآونة الأخيرة.

هكذا يكون التنظيم المتطرف قد نجح في أن يصيب عصفوريْن بحجر واحد، فهو من ناحية أولى نجح في تثبيت هول مشهد إحراق الكساسبة كبديل مرعب لمشهد البوعزيزي، معلنا بذلك انتهاء أيقونية الربيع العربي والثورات، وبداية عصر الانتقام والانتقام المضاد، ونجح من ناحية أخرى في جعل الدول تتبنى منطقا بدوياً في الرد عليه، وبذلك يكون منطقه وخطابه قد انتصرا.

كذلك تعلن فتوى الأزهر الداعية إلى تطبيق حد الحرابة في مقاتلي تنظيم الدولة، وهو حد يقضي بالصلب وتقطيع الأيدي والأرجل، على سيادة المشهد الداعشي على منطق التفكير والفتوى في أكبر وأعرق المؤسسات الدينية الإسلامية في العالم.

يؤسس تنظيم “داعش” المنطق ويترك الآخرين يتبعونه، وتاليا فإنه هو، وليس الأزهر أو الدول، صاحب الإسلام الآن والناطق باسمه، لأنه صاحب الفعل ومنتجه وصاحب التأويل والقراءة، في حين أن الآخرين ليسوا سوى ناسخين رديئين للفعل الأصلي.

يريد “داعش” من صبّ صورة الهول العالية التقنية أن يجعل منها حجابا يتفوق على كل ما عداها. يريد إيقاف الزمان وضبطه على توقيت لحظة الحرق، بحيث يصير عبر الانتشار الواسع الذي تتيحه وسائل التواصل الحديثة، إعلانا جليلاً عن بداية زمان الحرق أو الزمن المحروق إذا صح التعبير.

هذا الزمان لا يظهر فيه شيء سوى على هيئة متفحمة ولا مجال فيها لإعلان الهوية، والانتساب إلى قضية أو معنى. هكذا لا تكون جغرافيا الحرق التي فتح إحراق الكساسبة مداها الرمزي، ووسّعه ليشمل المنطقة كلها، قابلة لأن تكون بلادا تحمل اسم سوريا أو العراق أو اليمن.

تُحرم هذه البلاد من الملامح ومن الهوية، كي تكون قابلة للضمّ إلى الخارطة الداعشية التي يشترك الجميع في رسمها وفي مدّها بأسباب التمكين الأخلاقي والسياسي والأيديولوجي. حين يصبح مشهد الهول السوري الذي يفوق أي خيال نوعا من التكرار الممل الذي نتلقاه ببرودة، ونحيله إلى تأويل الشائع والمألوف، وذلك لأن الضحايا هم من يسردون قصتهم وهم لا يملكون القدرة على الدفاع عن معنى صور موتهم، في حين يلقى مشهد الكساسبة الذي صنعه القتلة كل ذلك التعاطف، فذلك يعني أننا نحتقر الضحايا، ونحترم الصورة المدججة بقوة قادرة على فرض تأويلها الخاص علينا. هل قال أحد عن صورة إحراق الكساسبة سوى أنها مرعبة ومهولة وهو المعنى نفسه الذي قصده التنظيم المتطرف؟

حرمنا معاذ الكساسبة من أن يكون بطلا للجميع، بل جعلنا من صورته محروقا حجابا يعمي أبصارنا عن مشاهد الجثث المتفحمة المنتشرة على امتداد خارطة سوداء تتسع كل لحظة.


كاتب لبناني

8