إحصاء الكتب

السبت 2016/08/13

لا يشكلُ انشغالُ العديد من الباحثين والمؤسسات بمتابعة الإصدارات من الكتب والمقالات وغيرها من الوثائق وحصرها ببليوغرافيا وإحصائها وتقييمِها ترفا ولا موضة ولا عملا ينتهي عند جانبه التقني. إنه أكثر من ذلك جزءٌ من منهج علمي، صارت له، منذ منتصف القرن الماضي، أسئلتُه الخاصة وطرقُ بحثه، ومصادرُ معلوماته المتجلية في قواعد المعطيات الكبرى، وأيضا أعمالُه التنظيرية. والمقصودُ بذلك المنهج الببليومتري، القائم على تطبيق المناهج الرياضية والإحصائية على الكتب والمقالات وعلى وسائل الاتصال الأخرى.

وإذا كانت الانشغالات الأولى لهذا المنهج ارتبطت في البداية بتحليل الإنتاج العلمي، كما هو الأمر بالنسبة إلى دراسة الباحث الأميركي لوتكا الهادفة إلى تحديد إسهام الباحثين في تطورات العلوم من خلال الإنتاج الفيزيائي المنشور إلى حدود سنة 1900، فإن توظيفَ المنهج سينفتح على الإصدارات في مختلف المجالات الإبداعية.

كما كان تعددُ اهتمامات مجالات الإعلام والتواصل، وتنوعُ الوسائطِ وأنظمةِ العلامات المكوَّنة من اللغة والكتابة والصورة والحركة، وراء تطبيقات مناهج القياس على مجموعة من الحقول وتداخلِها المنهجي والمفاهيمي مع المجال الببليومتري، حيث يمكنُ التمييز في هذا الإطار، بين الدراسة القياسية لسيرورة التواصل وأنظمة العلامات، والدراسة الببليومترية الأيقونية المهتمة بالتناول الإحصائي للملصقات وأغلفة الدوريات والخرائط وغيرها.

أما الطريقُ إلى تحقيق المنهج الببليومتري فيستند إلى قوانينه التي تسعى إلى التمثل الإحصائي لحركية العلوم والمعرفة، ويشتركُ أغلبُها في تأكيد كون عدد أقل من المنتجين أو الوثائق يشْغل عددا أكبر من الانتاجات أو الاستشهادات. ويتجلى أشهرُها في قانون لوتكا، وهو ينص على التناسب العكسي بين عدد الكُتاب وعدد الإسهامات؛ وذلك بمعنى أن عددا أقل من الكُتاب ينتج أكبر عدد من الإسهامات. ويشكلُ القانون بذلك وسيلة لتحديد الإنتاج المنشور والمقروءِ خلال لحظات تاريخية معينة، بشكل يمكِّن من مقاربة بنيات الأفكار، وطرق نشرها، ومن البحث في خصوصيات عملية تلقي الأعمال الأكثر انتشارا.

الحاجة إلى منهج جديد، كالمنهج الببليومتري، اقتضاها التدفقُ الكبير الذي يعرفه العالم على مستوى الإصدارات، سواء تعلق الأمر بالكتب أو بالمقالات أو بغيرهما من الوسائط، مع ما تحمله من فيض على مستوى المعلومات، سواء الثقافية منها أو العلمية. لذلك كان عاديا أن يتم توظيفُ المنهج على أكثر من مستوى، سواء تعلق الأمر بدراسة حركية البحث العلمي والإنتاج الثقافي، أو بمقاربة إسهام الباحثين في تطور المعرفة الإنسانية، أو بتناول ترابطات الحقول المعرفية، وتبيُّن النواة الموضوعاتية لمجال معين من خلال تحليل تواتر مصطلحاته.

المنهجُ الببليومتري يبدو أكثر من ذلك الوسيلةَ الأفضل لقياس الإنتاج الثقافي والأدبي والعلمي لبلد ما، وذلك على الأقل في البلدان التي تَعتبر ما يصدر من الكتب وغيرها من الوثائق دليلا على حياتها.

كاتب من المغرب

17