إحياء تقنيات الصباغة الطبيعية يعيد إلى الحرف الأردنية طابعها الخاص

الاثنين 2015/05/04
تقنيات الصباغة التقليدية بمراحلها الدقيقة تبهر الحرفيات بنتائجها

اكتشف العرب تقنيات الصباغة لتزيين الأنسجة والقماش منذ قرون وكانت الطبيعة أولى مصادر هذه الألوان، وعبر التجريب تمكن الأجداد من إنتاج ألوان أساسية مختلفة تتالى مزجها لمزيد من التنويع، فتميّزت منتجاتهم اليدوية والفنية بالزخرفة، حيث يتم استخراج اللون عبر مراحل وبطرق دقيقة توارثتها الأجيال، لتصل اليوم إلى نساء غور الصافي بالأردن تمكنهن من إنتاج مواد حرفية تقليدية وصبغها بألوان طبيعية ما يجعلها ذات طابع فريد من نوعه.

عمان - فنون الصباغة التقليدية المتوارثة توظف اليوم بغرض خدمة المرأة في غور الصافي بالأردن، لتمكنها من تأمين مورد رزق يخول لها الحصول على موارد مادية عبر تسويق منتوجها الحرفي الذي أتاح لها فرص ممارسة العمل اليدوي الذي تهواه وتتقنه بالاستعانة بالإرث الثقافي والفني في محيطها مع استخدام المتوفر فيه من وسائل إنتاج.

ومن خلال إحياء تراث المنطقة واستخدام ما هو متاح لتوفير مورد رزق لنساء الريف، أطلق مكتب اليونسكو في عمان بالاشتراك مع سيدات جمعية غور الصافي هذا المشروع عبر دعوة ثلاثة خبراء من عمان لتعليم النساء الخبرات والمهارات في مجال زراعة وحصاد ومعالجة نبات النيلة بالطرق التقليدية القديمة لكي تستخرجن منها الصبغة.

ويحتفظ هؤلاء الخبراء العمانيون الثلاثة أصيلي ولاية نزوى، العاصمة السابقة لسلطنة عمان، بتقنيات الأجيال السابقة في زراعة نبات النيلة واستخراج ذلك اللون الأزرق المميز منه، حيث يقول عبدالله الحارثي، وهو مزارع عماني “لقد تعلمت من والدي الذي تعلم هو من والده أيضا”.

وتعتبر هذه فرصة ذهبية للنساء في جمعية سيدات غور الصافي، لتعلم كل ما يتعلق بهذه الصناعة في إطار مشروع “تمكين المرأة الريفية في وادي الأردن”، من أجل إحياء تقنيات الصباغة الطبيعية القديمة ومساعدة هؤلاء النساء على استخدام الألوان الصديقة للبيئة في طلاء الحرف اليدوية التي تنتجنها، حيث أخذت هذه الألوان الطبيعية تزداد لتشمل كلا من اللون الزهري والأصفر والبني الفاتح، إلا أن أحد الألوان الهامة لم يكن ضمن هذه القائمة، وهو اللون الأزرق الذي لا يمكن الحصول عليه إلا بعد استخلاصه من نبات النيلة وباستخدام تقنيات دقيقة، وهذا ما عملت بعثة الخبراء العُمانيين على تحقيقه.

علماء الآثار اكتشفوا وجود نبتة النيلة في بعض جرار الفخار الأثرية المستخرجة من منطقة الأغوار الجنوبية

يقول أحد الخبراء الثلاثة “يحتاج هذا الأمر إلى ثلاثة أيام لاستكمال العملية بأكملها: الحصاد والاستخلاص والصباغة. وقد تم استخدام جرة فخار تقليدية، مشابهة لتلك التي لا تزال تستخدم في عمان، لاستخلاص مادة النيلة وبعد حصاد النبات من الزراعة التجريبية في جمعية نساء غور الصافي، تم نقع الأوراق في هذه الجرة. وتمثلت الخطوة الثانية في إضافة الأوكسجين للماء باستخدام خفاقة خشبية. وبعد يومين من الحصاد حان الوقت للتحقق من النتائج واستخلاص الصبغة، فإما أن يتم استخلاص مادة النيلة الزرقاء أو أنه لا بد من تكرار العملية مرة أخرى. وللتأكد قمنا بغمس قطعة من القطن في الماء، وبطريقة سحرية تحول لونها إلى الأزرق”.

ندى المشاعلة، مديرة مكتب جمعية سيدات غور الصافي قالت لـ”العرب” عن الصباغة في الأردن، إنه لا يوجد تاريخ معين لظهور تقنيات الصباغة في الأردن، ولكن وجدنا جداتنا وأمهاتنا يصبغن أدوات تحضير اللبن مثل “السعن” من مواد طبيعية مثل الرمان وشجر السدر ويصبغن الصوف الطبيعي الأبيض بالرمان والسدر وشجرة العقول والعرعر وشجرة الكينا.

ولكن بعض علماء الآثار اكتشفوا وجود نبتة النيلة في بعض جرار الفخار الأثرية المستخرجة من منطقة الأغوار الجنوبية وقالوا في تقاريرهم إن زراعة النيلة تواجدت في منطقة الأغوار الجنوبية قبل الآلاف من السنين ثم تلاشت لأسباب عديدة منها نقص المياه.

ورغبة في إحياء زراعة النيلة وتقاليد استخدامها في الصباغة تم عبر مكتب اليونسكو إحضار بذور النيلة من الهند وتضيف ندى قمنا بالزراعة للمرة الأولى في منطقة جمعية سيدات غور الصافي ونجحت التجربة نجاحا مبهرا واستعنا بالخبراء العمانيين في تطوير عملية الصبغ بالنيلة والمواد الأخرى، كما تعلمنا الطرق العملية الصحيحة لاستخراج الألوان من نبات النيلة.

أما بالنسبة إلى مشروع الصبغ بالمواد الطبيعية فقد تم منذ عام 2000 اعتماد ألوان مختلفة من التراب في المنطقة لتعطينا ألوانا جميلة، وعندما أردنا تطوير هذه الحرفة أدخلنا النيلة وقشر الرمان وشجرة السدر والكينا والشاي والفوة، وقام الخبراء العمانيون بتدريب السيدات على الطرق الصحيحة في استخدام عملية الصبغ مثل إدخال الليمون الناشف والشبة لتثبيت الألوان وإعطائها بريقا خاصا.

كاملة المرادات وهي إحدى السيدات المستفيدات من المشروع تقول “لقد تعلمت مهارات جديدة في عملية الصبغ التقليدي ونسجت على منوال أمي وجدتي في توظيف الطبيعة ومنتوجاتها للمساعدة في تحسين دخل عائلتي”. وترى هؤلاء السيدات أن المشروع ساعدهن في تلبية حاجياتهن المادية وكذلك في تعلم طرق الصباغة التقليدية والرسم والتطريز وكيفية تنسيق الألوان الطبيعية الرفيقة بالبيئة لتكون منتجاتهن جامعة بين الحديث في التصاميم والتقليدي والبيئي في التلوين والزينة.

12