إخفاء المشاعر السلبية يصنع حاجزا نفسيا بين الآباء والأبناء

عندما يشاهد الطفل أحد الكبار الراشدين وهو يقع تحت طائلة الحزن أو البكاء بسبب عارض ما، فإن شعورا بالخوف وبعدم الأمان سرعان ما يتملكه وهو يرى انكسارا وضعفا واستسلاما قلما اعتاد عليها، وإذا ما كان هذا الشخص الأم أو الأب، فإن مشاعر الخوف وفقدان الأمان تصبح مضاعفة.
الأربعاء 2016/03/30
فقدان رباطة الجأش مكلف

غالبا ما نلحظ التعاطف الكبير الذي يظهره الأطفال تجاه مشاعر ضعفنا، حتى أنهم في العادة يطلبون من الأبوين أو المقربين الذين تنتابهم نوبات حزن، التعبير عن ذلك بالبكاء والصراخ وهي المتنفسات العاطفية التي يستخدمها الطفل في العادة.

وتعتقد الدكتورة جيسيكا غروغان، وهي استشارية في مجال الزواج والعلاقات الأسرية ومعالجة نفسية في عيادة خاصة في أوستن- تكساس الأميركية، أن هذه “الانهيارات” العاطفية قد تحدث مصادفة أو سهوا، في الوقت الذي تمارس فيه التقاليد الاجتماعية ضغوطا علينا في ما يتعلق بحرية التعبير عن مشاعرنا السلبية، فنحن مطالبون على الدوام بالحفاظ على رباطة جأشنا أمام أبنائنا، بترويض نوبات الغضب والحزن، والنأي عنهم بخلافاتنا الشخصية وإظهار احترامنا لمشاعرهم ومساعدتهم على تعزيز ثقتهم بأنفسهم بتجنب كل ما يسيء إلى ذلك من سلوك غير مسيطر عليه، قد يصدر عنا في لحظات غضب أو انهيار نفسي.

وفي هذا الإطار، أشارت دراسة حديثة إلى أن إخفاء المشاعر السلبية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تتعلق بعلاقة الوالدين مع أبنائهم، ووجد باحثون أن إخفاء المشاعر السلبية مثل الغضب والإحباط والاستياء يصنع حاجزا نفسيا بين الآباء والأبناء، إذ من الأهمية التعبير عنها من دون حرج أمام الأطفال، وهذا من شأنه أن يزيد من روابط المشاركة ويمنح الطفل الفرصة لتقديم الدعم العاطفي حتى في صورته البسيطة الأمر الذي يعزز من ثقته بنفسه وشعوره بدوره المهم ضمن نطاق الأسرة.

وأكدت الدراسة التي أشرف عليها الباحثان الأميركيان لي وأمبت التي نشرت نتائجها في مجلة “الشخصية وعلم النفس الاجتماعي” الأكاديمية العام الحالي 2016، أكدت على أن تراكم المشاعر السلبية لدينا تحمل التأثير السيئ ذاته الذي تسببه المبالغة في إظهار مشاعرنا الإيجابية للصغار، فقد يكون للعاملين ضريبة عاطفية مكلفة يتحمل تبعاتها الأبناء، حيث تقلل استجابتهم وتفاعلهم معنا بصورته العفوية، وتبني حاجزا مقيتا من الشك وعدم الثقة والخوف المبطن من مخاطر غير مرئية يمكنها أن تعكر صفو العلاقات الأسرية.

وترى غروغان أن في ميزان تعاملنا في الأسرة، هناك الكثير مما يمكن إعادة النظر فيه، حيث يتوجب علينا أن نكون صادقين وأن نعبر عن مشاعرنا بصورة مباشرة من دون الحاجة إلى القلق على الصورة التي ينبغي علينا أن نظهرها أمام أنظار أبنائنا.

تعزيز الشعور بالوعي العاطفي وتنظيم المشاعر السلبية، ليس مفيدا في جميع الأحوال للصحة النفسية للطفل

وكانت غروغان نفسها قد خبرت تجربة البكاء أمام أنظار ابنتها ذات الثمانية أعوام وكانت، بحسب تعبيرها، تجربة مريرة في أولها لكنها أشعرتها بالارتياح خاصة بعد أن شاهدت رد فعل الصغيرة التي بادلتها نظرات التعاطف وربّتت على كتفها بحنان وتفهم وثقة، وكأنها تطمئنها بأنها ستكون على ما يرام وليس هناك ما يعيب المرء في التعبير عن مشاعره وتفريغ الشحنات السالبة منها إذا ما واجه يوما سيّئا.

وترى الكاتبة والباحثة الأميركية ماورين دي هيلي، والتي تناولت في مؤلفاتها العديدة الطرق المثالية لتطوير مستوى أعمق من الثقة والمرونة لدى الطفل، أن هناك حاجة إلى تطوير الذكاء العاطفي للطفل، وضرورة الإفصاح عن المشاعر المتضاربة والمؤلمة التي تلم بنا لا أن نتجاهلها أو نتظاهر بعدم حدوثها بل يتوجب علينا أن نظهرها ونعترف أمام أطفالنا باقترافها، إذا كان بينها سلوك خاطئ، لتدريبهم على فعل المثل والتعبير عن مشاعرهم بالطريقة ذاتها، حيث يتعلمون كيفية استعادة توازنهم النفسي بعد أي اضطراب وشعور عاطفي يتعرضون له، وسينجح الصغار في ذلك، فطبيعتهم تميل في العادة إلى تقليد الوالدين وتكرار سلوكهم بصورة تلقائية.

ويتعلم الصغار جملة من الأمور المهمة من خلال هذه التجارب العاطفية، كما تؤكد هيلي، أن الأم والأب ما يزالان قادرين على تعلم أشياء جديدة في حياتهما بالرغم من أنهما بالغين، كما أن هذه التجربة التعليمية والتربوية يمكن مشاركتها ببساطة مع الأطفال والأهم من ذلك وكيفما كانت بساطة الدرس المتعلم، فإن أهميته لا تقدر بثمن للأهل والأبناء على حد سواء.

فعندما يشعر أحد الأبوين على سبيل المثال ببعض الإرهاق والتعب النفسي بعد نهاية يوم عمل شاق، فيعود إلى المنزل ليشهد شجارا مستمرا بين طفليه، فهو في حاجة إلى وقفة قصيرة وأخذ نفس عميق قبل أن يسمح لمشاعر الغضب بأن تتمكن منه، وينبغي في مثل هذا الموقف أن يحاول مشاركة الصغار في خياره هذا ويشدّهم إلى التجربة في سبيل تفريغ المشاعر السلبية للطرفين وتحويلها إلى حوار إيجابي، سيكون له أثر مفيد في تعزيز ثقة الأطفال في أنفسهم وثقتهم في والديهم في الوقت ذاته، هذه المشاركة الوجدانية ستراكم من المشاعر الإيجابية وتفرغ الشحنات الانفعالية السالبة ومن شأن كل ذلك أن يعزز من بناء شخصية الطفل في صورتها السوية، شخصية تتمتع بالثقة والشعور بالأمان واحترام الذات.

ومن جانب آخر، فإن تعزيز الشعور بالوعي العاطفي والتنظيم الذاتي للمشاعر السلبية ليس مفيدا في جميع الأحوال للصحة النفسية للطفل، لكنها تقابل النجاح فقط في اللحظات التي تتفجر فيها مثل هذه المشاعر السلبية وهي لحظات آنية سرعان ما ينتهي مفعولها، ليعود بعدها الطفل إلى مزاجه الطبيعي.

ومن خلال عملها لسنوات واستنادا إلى تجاربها مع أطفال من مختلف الخلفيات والظروف الاجتماعية والأسرية، تعتقد هيلي أن الطفل في العادة لا ينشد الكمال في أبويه، وهو بكل بساطة يريد شخصا راشدا وقريبا إلى نفسه في الوقت ذاته ليمنحه ثقته وليعتمد عليه في مواجهة خوفه الفطري من العالم الذي يبدو في عينيه في بعض الأحيان، مخيفا ولا يطاق.
21