إخفاقات التعليم الديني وضرورات الإصلاح

إثارة قضية تجديد الخطاب الديني تحيل بالضرورة إلى طرح مطلب تثوير التعليم الديني، وخطورة هذا البعد الأخير تكمن في أنه يجمع بين معطيين في غاية الأهمية: الدين والتعليم، لأن الجمع بين البعدين هو ما يعطي للقضية أهمية، خاصة وأن التعليم الديني يكتسب ضربا من "القداسة" لدى الباث والمتقبل معا. فما مدى مسؤولية التعليم الديني في إنتاج التطرف؟ وهل حقق هذا التعليم الأهداف والأدوار المناطة به؟
الأربعاء 2015/10/14
عجز التعليم الديني عن لعب أدواره يحتم ضرورة تثويره

إن تجديد التعليم الديني وإصلاح خطابه الدعوي، هما المدخل الضروري لإصلاح الأوضاع العامة لمجتمعاتنا العربية والإسلامية. وطبقا لإعلان باريس (أغسطس 2003) فإن تجديد الخطاب الديني، ضرورة ملحة لعبور الفجوة بين العالم العربي والإسلامي والعالم المتقدم، وعامل رئيس في تجديد الحياة السياسية والاجتماعية في العالم العربي.

إن التجديد مسعى أساسي في مسيرة الثقافة العربية والإسلامية منذ فجر الإسلام، وما قامت حضارتنا وامتدت إلا بفكر وخطاب متجددين، وحين توقف التجديد، ران على العقل الإسلامي الصدأ عبر ألف عام، فالحاجة ملحة الآن لإعادة تشغيل طاقات التجديد، لتعليم ديني متطور، وخطاب دعوي منفتح على العصر.

في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، اتهمت الإدارة الأميركية مناهج التعليم الديني والمناهج العربية، عامة، بأنها المسؤولة عن إنتاج الفكر المتطرف، وطالبت بتغيير المناهج وتجديد البيئة التعليمية والأوضاع السياسية والاجتماعية، فانقسم العرب إلى فريقين:

فريق يرى ضرورة مراجعة المناهج، عامة، وتطويرها، انطلاقا من حاجات داخلية حيوية، واستجابة لمتطلبات التنمية ومواكبة لمتغيرات العصر، وتشغيلا لطاقات التجدد الكامنة بتعليم قادر على مواجهة التحديات، ومؤهل لتحصين الناشئة من الأفكار المتطرفة، وقد شكل هذا الفريق الرأي الغالب لدى النخب السياسية والثقافية العربية.

التعليم الديني فشل في تقوية المناعة الدينية لشبابنا من فيروسات الفكر الإرهابي التي نجحت في غزو عقولهم

فريق آخر، عارض دعوة التطوير ورأى فيها (حقا يراد به باطل) ونوعا من الرضوخ للمطالب الأميركية والقبول بإملاءاتها، وأن الوقت غير ملائم لإجراء تلك المرجعات، بحجة أننا “لو استجبنا لمطالب أميركا وأجرينا المراجعة اللازمة، لأكدنا اتهام أميركا لمناهجنا بإنتاج التطرف والكراهية وعدم قبول الآخر”.

ولكنّ دعاة الإصلاح والقائمين على أمور التعليم لم يلتفتوا إلى إرهاب أصحاب الظنون والشائعات الذين روجوا لمقولة أن تطوير التعليم الديني (مؤامرة أميركية) لإلغاء موضوع الجهاد وعدم تدريس آيات القتال، لأن هذا التعليم المأزوم قد أزمن واستطال، ولم يقدم حلولا نافعة لمجتمعاتنا، كما لم يحصن شبابنا من الأمراض الفكرية، كالتعصب والغلو والتطرف والكراهية والتكفير، فضلا عن تخلف مخرجات التعليم السائد عن الوفاء باحتياجات التنمية الشاملة.

هناك العديد من الضرورات تحتم تجديد التعليم الديني وخطابه الدعوي السائد، أبرزها أن هذا التعليم وخطابه، بوضعيتهما الراهنة، قد أخفقا في تحقيق مهماتهما وأهدافهما الأساسية وأهمها:

عجز التعليم الديني، رغم كثرة الموارد المرصودة له، ورغم الهيمنة الطويلة لعلماء الدين والدعاة على المناهج والمنابر والمفاصل المجتمعية والتوجيهية والدعوية، عن التحصين الديني لشبابنا من أمراض التطرف والكراهية والتعصب.

فشل هذا التعليم فشلا ذريعا في تقوية المناعة الدينية لشبابنا من فيروسات الفكر الإرهابي التي نجحت في غزو نفوسهم وعقولهم، وحولتهم إلى أدوات للقتل والتفجير والتدمير، وإلى قنابل رخيصة تستغلها التنظيمات المتطرفة.

الخطاب الديني المهاجر، حمل أمراضه معه إلى ديار المهجر، فزاد الجاليات الإسلامية هناك رهقا

لم يستطع التعليم الديني أن يفصل ويميز بين الجهاد الحربي القتالي الدفاعي الذي هو من مهمة الجيوش النظامية، و”الجهاد المدني” الذي هو من مهمة المدنيين في ساحات التنمية والإنتاج والتقدم الحضاري، فكانت النتيجة انخراط آلاف الشباب في مشروعات عدمية وهدمية للمجتمعات والأوطان والثروات والإنسان. لذلك، لا عجب أن وجدنا أن الخطاب الأساسي للتنظيمات السياسية الدينية كافة لا يتضمن أي برامج أو مشاريع للتنمية والبناء.

لم يستطع التعليم الديني، الإسهام في إصلاح ذات البين، بل زاد المسلمين انقساما إلى طوائف وفرق، تدعي كل طائفة أنها “الفرقة الناجية” الموعودة بالجنة من دون الطوائف الأخرى، وأصبح هذا التعليم، عامل تأزيم وتكريس للفرقة والشحن الطائفي وتغذية الصراعات السياسية والمذهبية.

فشل التعليم الديني في أهم وظائفه، ألا وهي تقديم صورة حضارية للإسلام إلى العالم المعاصر، بل قدم صورة منفرة ومشوهة للإسلام والمسلمين، فأصبح العالم يتوجس خيفة من المسلمين أينما حلوا أو ارتحلوا.

وزاد الطين بلة، أن الخطاب الديني المهاجر، حمل أمراضه معه إلى ديار المهجر، فزاد الجاليات الإسلامية هناك رهقا، وأخرج من أصلابهم من تحولوا إلى أعداء لأوطانهم ومجتمعاتهم التي استضافتهم وآوتهم ويسرت لهم سبل المعيشة الكريمة.

وأصبح التعليم الديني، بصفة عامة، أميل إلى التضييق على الحريات وتقييدها بحجة حماية الفضيلة وحراسة العقيدة وصيانة الثوابت والحفاظ على الهوية، لذلك يستسهل التشكيك في معتقدات الآخرين ورميهم بالردة والكفر والعلمانية.

خلاصة من بحث عبد الحميد الأنصاري “التعليم الديني وعلاقته بثقافة الكراهية”، ضمن الكتاب 103 (تموز 2015) “جدل التعليم الديني: التاريخ النماذج الإصلاح” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13