إخفاق الحداثة العربية

الجمعة 2016/12/23

الفكر العربي الآن: هل يمكن أن يغدو الفكر العربي مشروعا تحرريا جمعيا؟ حين نحاول القيام بتحليل وتقييم الفكر العربي الماثل الآن ثمة سؤال مهم يتقدم ويطرح نفسه: هل بالوسع إطلاق حكم عام على الفكر العربي الراهن برمته؟ وهل بالوسع الحديث عن الفكر العربي الراهن دونما إشارة ودون الرجوع إلى سياقات إنتاج ذلك الفكر، أعني السياقات السوسيولوجية والسياسية؟ وما إذا كان من الممكن أن يتقدم الفكر في غيبة التقدم الحضاري؟ هل يمكن أن يزدهر الفكر العربي حال أفول الحضارة العربية الراهنة؟

تلك قضية مهمة انشغل بها مفكرون كبار، إذ ليس ثمة تقدم فكري دون تقدم ثقافي وسوسيوسياسي، وعلى هذا جاء سؤال النهضة أو سؤال الحداثة يفرض نفسه بقوة لدى عدد من المفكرين مثل محمد عبده ومحمد عابد الجابري وجمال الدين الأفغاني وزكي نجيب محمود وحسن حنفي وأركون وغيرهم.

وطالما نعايش سياقات سوسيوسياسية متردية فليس لنا أن نتوقع انبثاق نهضة فكرية أو مشروعات معرفية من رحم القهر والفقر، اللهم إلا عدد من المفكرين الذين أسهموا في إثراء الفكر العربي.

وعلى هذا، لنا أن نزعم أن المسار الفكري ليس منبتا منفصلا عن الواقع المعيش، وأن فصل المسار المعرفي عن المسار السياسي من شأنه أن يُسهم في إخفاق المسارين كليهما، من شأنه أن يسهم في إخفاق أي مشروع حداثي. انشغل عدد من المفكرين بتحليل بنية العقل العربي وإشكالية التراث والتجديد والحداثة وغيرها وفصلوا الفكر عن الواقع المأساوي.. فصلوا المسار الفكري عن المسار الإنساني، فعلى سبيل المثال شغلت قضية التراث والحداثة حيزا كبيرا وتمحورت حولها دراسات وكتب كُثر، وحقيقة الأمر إنها قضية زائفة متوهمة بنيت على الفصل في ما بين التراث والحداثة، فصل الماضي القديم عن الواقع الجديد، وكأن التراث يصطدم بالحداثة، وعلى العكس ليس ثمة ما يدعو إلى اعتبار التراث والحداثة ضدين صريحين، إذ من الممكن أن يتواشجان ويتداخلان. كان ينبغي أن نقارب قضية التراث مقاربة نقدية ونعمل فيه النقد الثقافي بهدف الكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة الكامنة في بنيته لا أن نؤسس لثنائية تشيد هوية وحدودا متعارضة إقصائية في ما بين التراث والحداثة. ولنا أن نؤشر هاهنا على مشروع محمد عابد الجابري الذي حاول فيه تشريح بنية العقل العربي وذلك عبر شطر العقل العربي إلى عقل مشرقي وعقل مغاربي، العقل المشرقي عرفاني ومن ثم فهو أدنى والعقل المغاربي أعلى وأرقى لأنه موضوعي.

تستدعي العقلانية أن تقف الذات العارفة خارج حدود الحقل المعرفي الذي تدرسه، أن ترى العالم بوصفه عددا من الموضوعات تتأملها على نحو نزيه، وإذ يقارب المفكر العالَم غير منغمس فيه يتم توظيفه أيديولوجيا بأن يجعل الشروط الواقعية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الجائرة الماثلة تبدو طبيعية ومن ثم هو ليس مسؤولا عن تغييرها.

وعلى هذا، ثمة ضرورة ملحة لأن يغدو الفكر العربي مشروعا تحرريا جمعيا، نحن بحاجة إلى تيارات ومدارس فكرية جمعية داخل الفكر العربي، فليس ثمة مشروع للحاضر والواقع الإنساني البائس الماثل الآن، ليس ثمة مشروع على غرار مدرسة فرانكفورت مثلا أو أحزاب الخضر التي جاءت كرد فعل على أزمات البيئة، فهي أيكولوجية سياسية في آن معا وكذا التيار المعرفي الموسوم بالدراسات بعد الاستعمارية التي راحت تفكك الخطاب الاستعماري وتفضح السياسات الاستعمارية وتناهض المركزية الأوروبية وتدحض نظرية القلب والأطراف أو الحواضر والتابعين.

كل تلك المدارس الفكرية تشتبك بالواقع ولا تنفصل عنه وتلك سمة الثقافات والحضارات المتقدمة، فهي تمارس النقد الذاتي وتصحح مساراتها المعرفية والثقافية والحضارية. لقد انتقل الفكر الغربي من حقبة الحداثة إلى حقبة ما بعد الحداثة لدواع أخلاقية إنسانية واقعية وأعلنوا إخفاق المشروع الحداثي الغربي الذي جاء مصاحبا للاستعمار والإبادات الجماعية وطمس الهويات الثقافية للشعوب المستعمرة المستهدفة في ثقافتها.. أعلنوا انتهاء حقبة معرفية قوية، بل من أقوى الحقب المعرفية الإنسانية، وذلك لدواع أخلاقية واقعية إنسانية.. فمتى نعلن نحن إخفاق المشروع الحداثي العربي لدواع واقعية مأساوية؟

كاتبة من مصر

14
مقالات ذات صلة