إخلاء حماس معابر قطاع غزة

الأربعاء 2017/11/08

في الأول من شهر نوفمبر الجاري، تسلمت السلطة الفلسطينية معبر رفح الذي هو المنفذ البري الوحيد لغزة، على العالم العربي. قبل ذلك بيومين، تسلمت أطقم السلطة نفسها، معبر كرم أبوسالم التجاري مع إسرائيل، ومعبر بيت حانون للأفراد.

وجاء التسليم، وفق ما هو معلوم، تنفيذا لنص اتفاق الخطوط العريضة الذي أبرم في القاهرة بين حركتي فتح وحماس، لكي يتهيأ الطرفان إلى جلسة مباحثات لاحقة ترعاها مصر، للاتفاق على سائر النقاط التفصيلية لتسليم حماس سلطاتها في غزة، إلى الحكومة التي يترأسها رامي الحمدالله. وكان شغل وتشغيل حماس للمعابر، أحد النقاط الرمزية المهمة، التي ظلت مختلة منذ يونيو 2007.

وكانت إسرائيل، هي الطرف الذي لم يمانع في استلام حماس معابر قطاع غزة معها، لأن واقعاً كهذا، يمثل أحد العوامل التي تساعدها على فصل أراضي قطاع غزة عن أراضي السلطة في الضفة الفلسطينية.

أما مصر فقد ظلت طوال السنوات العشر الماضية، ترى في سيطرة حماس على معبر رفح على الجانب الفلسطيني، أمرا يقوّض جهودها لتحقيق المصالحة، من شأنه الإضرار بمشروع الاستقلال الفلسطيني في غياب الوحدة التامة للأراضي المحتلة في العام 1967 وكذلك رأته أمرا مُخلا بالترتيبات التي شملها اتفاق المعابر في العام 2005 وأهمها في حينه، وجود رقابة دولية مؤقتة أو انتقالية، على تشغيل معبر رفح لمرور الأفراد.

وكان ذلك الاتفاق، بموجب تسوية توصل إليها المصريون مع إسرائيل، التي كان موقفها أن فتح الحدود مع مصر، حتى في وجود السلطة الفلسطينية، دونما رقابة، يجعلها تُغلق منافذ الحدود مع غزة، ما يعني أن خط الوصل بين الضفة وغزة سينقطع تماما، ولهذا تأثيره السلبي على وحدة الأراضي الفلسطينية ومشروع الاستقلال والدولة الفلسطينية تاليا.

ومن أجل إبقاء معابر الوصل بين الضفة وغزة مفتوحة، فضلا عن منفذ رفح البري مع مصر، قبلت السلطة والفصائل الفلسطينية التسوية مع إسرائيل في هذا الشأن، وحضر مندوبون عن حماس، على رأسهم إسماعيل هنية، حفل افتتاح المعبر الذي رعاه وزير المخابرات الأسبق الراحل عمر سليمان.

مصر ظلت طوال السنوات العشر الماضية، ترى في سيطرة حماس على معبر رفح على الجانب الفلسطيني، أمرا يقوّض جهودها لتحقيق المصالحة

جاء تسليم معابر غزة، لكي يُنهي واحدة من مشكلتين استراتيجيتين تتصلان بها. الأولى أن حماس كحزب أو حركة، لم يكن مسموحا لها أن تسيطر على مرفق خدمي للمجتمع الفلسطيني، ذي علاقة بالحدود مع الجارة مصر. لأن سيطرة أية سلطة، في أية أرض، على المنافذ الدولية؛ يجعلها صاحبة جغرافيا سياسية وطرفا في علاقات دولية، وهذا يعطيها مشروعية.

والأمثلة في التاريخ كثيرة، لعل أحدثها حرص الدولة العراقية على السيطرة على المنافذ الشمالية والشرقية والغربية لإقليم كردستان، تحاشيا لأن تصبح للإقليم جغرافيا سياسية ذات طبيعة دولية، تساعد جماعة مسعود البارزاني على الانفصال الذي ترفضه بغداد.

لقد كان ذلك هو موقف الدولة المصرية على الطرف الآخر من الحدود مع غزة، قبل تسوية علاقتها مع حماس. وللأسف كانت حماس خلال السنوات العشر السوداء، قد استفادت من تقبل إسرائيل لسيطرتها على المنافذ الشرقية لغزة، دون أن تشترط تواجد الحكومة الشرعية، لأن الانقسام يُعتبر من مصلحتها.

أما على الجانب المصري، ففضلاً عن كون حماس محسوبة على طرف حزبي مناوئ للدولة في مصر، فقد ركز المصريون أيضا على عنصر الشرعية السياسية للنظام الفلسطيني، بصرف النظر عن تفصيلات بُنيته وفاعلية مؤسساته ووجهته السياسية، فهم يرون أن من يشكك في مشروعية نظام سياسي، يعرض نفسه للتشكيك في مشروعية نظامه، وهذه إحدى المُسلمات في العلاقات الدولية، بل إن هذه أيضا، في الإقليم، هي إحدى عناصر تفجير النزاعات ونشأة المحاور. فلا يحق لطرف أن يشكك في شرعية النظام في الإقليم أو في الجوار. وهذه ثقافة، كان ولا يزال على القوى الوازنة في أي بلد، أن تتحلى بها، لكي تحافظ على مشروعية نظامها السياسي وعلى مشروعية حقها في العمل الوطني، حتى في أوج الخلافات الداخلية والتعارضات السياسية في الإقليم. فهناك فارق كبير، بين انتقاد القوى والأحزاب، في داخل أي بلد، لسلوك القائمين على النظام السياسي فيه، وإنكار مشروعية النظام الوطني نفسه.

وبسبب الضغوط الحاصلة على المجتمع الفلسطيني في غزة، والتركيز على واقع معبر رفح وهو واقع مرير أضنى السكان، وبحكم أن الإغلاق كان من الجانب المصري؛ فقد بادر الجانب المصري نفسه إلى حل الإشكال، بالطريقة الضامنة لتسوية الخلل بالمعنى الاستراتيجي الذي أوقعته سيطرة حماس على المعبر. لذا كان فتح معبر رفح، استثنائياً وفي أوقات متباعدة، يتحقق تحت عنوان الأسباب الإنسانية ولحل مشكلة العالقين على الجانبين.

في عملية تسليم معبر رفح، رفضت طواقم السلطة الاستلام، في حال بقي موظف واحد من حماس.

فمنذ بدء انسحاب إسرائيل الأحادي من قطاع غزة في منتصف أغسطس 2005 وفق قرار حكومة شارون في حينه، التي أعلنت عزمها عن إخلاء 21 مستوطنة في قطاع غزة وفك ارتباطها به، ظهرت مشكلة السيطرة على المعبر مع وجود قوي لحماس في المنطقة، وكان الحل المصري، يقضي بسيطرة حرس الرئاسة الفلسطينية على المعبر، باعتباره جهازا محسوبا حصرا على رئيس السلطة ويخلو من عناصر عرضة لتأثيرات حركة حماس.

وكان الحل المصري، يشتمل على ضرورة سيطرة هذا الجهاز على المعبر مع وجود مراقبين دوليين. وبموجب التسوية الثانية، التي تم التوصل إليها مؤخرا، بعد تفاهمات الحكومة المصرية مع حماس، جرى تثبيت السيطرة الأمنية لحرس الرئاسة، مع وجود هيئة المعابر الفلسطينية الرسمية، لكي تتولى إجراءات السفر والعمل الإداري. وعند التسليم، تثاقلت بعض عناصر حماس في إخلاء المعبر، ما جعل مسؤول أطقم التشغيل التابع للسلطة إلى التهديد بالانسحاب ما لم يتم إخلاء المعبر تماما، وهكذا كان.

غير أن مشكلات عديدة ظلت كامنة على صعيد التفصيلات، في الحيز الجغرافي بين معابر قطاع غزة الشرقية والبحر، وبين معبري الحدود الشمالية والجنوبية للقطاع، ولهذه سياقات أخرى، ستكون موضع نقاش في القاهرة في الثلث الأخير من الشهر.

كاتب وسياسي فلسطيني

9