إخوان أم عـدوان

الخميس 2014/03/13

نزلت طرابلس الغرب في مستهل ستينات القرن الماضي قادما من أوروبا، حيث أقمت وتنقلت، ولاحظت واعتبرت، فتمنّيت أن أرى لدى مواطني وبني جلدتي، بعض ما لمست فأكبرت.

بعد يوم من وصولي، جلست إلى صديق، عارف خبير، عبد الحميد بن حليم رحمه الله وأثابه، فسألني أين كنت فقلت: في بلاد المؤمنين. ضحك غفر الله له وهو يقول: أخبروني بأنك في ألمانيا، فمتى كان الألمان مؤمنين؟ سألته عندها عن تعريفه للمؤمن فقال: من آمن بالله واليوم الآخر، وآتى المال على حبه ذوي القربى والمساكين، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وسلُم الناس من يده ولسانه. قلت كل هذا وأكثر منه وجدته حيث كنت.

أروي هذه النادرة الآن، لأن الذي عاش ما عشت، وجرب ما جربت، وقارن كما قارنت، واستنتج ما استنتجت، صدّق المقولة الشائعة حيث أعيش الآن، ونصّها “ليس كل لماع ذهبا”، أرفدها بأخرى من وضعي وهي: “ليس كلّ ملتحٍ مسلما”، أو كما يقول المثل الغربي الآخر: “اللباس لا يصنع الراهب”. كلها حكم تدعو إلى التبيّن والتبصّر والتأكد، وعدم الاغترار بالمظاهر وعذب الكلام.

كل هذا أوحته لي تصرفات الملقبين أنفسهم “إخوانا”، وهم عن الأخوة ومفهومها أبعد، ودفعتني إليه أعمال يأتونها، أو يأتيها المقربون منهم باسم الدين، والدين منهم ومن أعمالهم براء، ومن صنيعهم يشكو، إذ ألحقوا به الضرّ ولم ينفعوه، شوّهوا سمعته وظلموه، فحرّفت مفاهيمه، فبعد أن كان دين السلام والتسامح والمحبة والمساواة، أصبح عند من جهلوه مرادفا للإرهاب والعنف والاغتيال وسفك الدماء البريئة.

دين كان ولا يزال وما زال ديْدنه وأوامره ونهجه تحريم العنف والاعتداء، فيأمر، والأمر من الله سبحانه “ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”، وينصح وهو خير الناصحين بقوله “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون”.

إن الذي جال، وتجوّل، وانتقل، وأقام، وعاشر، وتعامل، فلاحظ، وقارن ما يلمسه يوميّا لدى شعوب أوروبية غربية، يحتار أحيانا ويظن أنه بين مسلمين، لأنه يرى في معظم تصرفاتهم، ومعاملاتهم، وسلوكهم، ما أوصى به الدين الإسلامي الحنيف أتباعه، من صدق، ووفاء، وأمانة، وإنسانية، وعدل، وحرية، ووزن بالقسطاس، واحترام الرأي، والجدال بالتي هي أحسن، وغير هذه من الخصال الحميدة يتحلون بها، ويأتون ما يأتونه طبقا لمفاهيمها، بعيدا عن أية إشارة أو انتساب لدين أو عقيدة، بل منهم كثيرون لا يعترفون بأي دين. هل هي سليقتهم؟ كلا وألف كلا. بل هي الحياة وتجاربها التي علمتهم الأخذ باللب وطرح القشور.

لقد عرفت أوروبا وعانت أشد العناء من استغلال الدين. حروب طالت سنين طوالا، ومحاكم تفتيش ظلمت وعذّبت وأعدمت، ورهبان تصدوا للعلماء والمخترعين، فأهانوا وحاكموا ومزقوا المؤلفات، وأعدموا أحيانا مؤلفيها، باسم الدين وتحت ستاره.

لهذا كانوا أول من عرف غاية الجمعيات الدينية في بلداننا، وفي مقدمتها جمعية الإخوان المسلمين، فنبهوا وأدانوا وشهّروا وكنا نهاجمهم ونتهمهم بالمكر والتآمر، ونرميهم بعقدة ماضيهم مع الدين، مدعين أن ديننا غير دينهم فلا خوف علينا منه، فيحتجون بأن الشرّ في العاملين باسم الدين. لكننا لم نرعو، وظننا أن كل لماع من ذهب. حتى صدمتنا الحقيقة المرة، وها هي تصدمنا في مختلف أقطارنا العربية، مغتنمة غرّ المؤمن منا، وضعف الفقير بيننا، وشهوة الطمّاع الطموح.

لو انحصرت الأعمال المشينة التي يأتونها ويقومون بها في بلداننا فقط، لوجدنا لها تفسيرا، لا مبرّرا. لكن الجماعة، أو الجماعات، صدّرت إجرامها وقتلها النفوس البريئة التي حرم الله، في غير بلادنا وخاصة في أوروبا.

فأيّ نفع يعود على الدين الإسلامي وأهله، من انفجارات قطار الأنفاق بلندن؟ أو ما الذي يبرّر انفجارات قطارات مدريد بأسبانيا، البلد الذي عرف فيه الإسلام ذروة مجده وسؤدده وسماحته وتسامحه، وتطورت العلوم تحت مظلته، وظهور التقنيات، والمخترعات فيه، ممّا جعله حقا نورا على نور، ولا تزال الأفواه إلى يوم الناس هذا، رغم كل العداوات والتحريفات، والإدعاءات المغرضة، تنعت العهد الإسلامي بشبه الجزيرة الإيبيرية، بعهد تعايش الثقافات، عهد التسامح والتعايش.

أليس من سوء الأعمال إذن، ومن فساد المفسدين، أن يصبح الإسلام اليوم منعوتا بالظلم والإرهاب، فينظر لأتباعه نظرة الشك والريبة، بعد الاحترام والتقدير؟ أليس من حق المواطن العربي المسلم، وغير المسلم، أن يرفض بكل قواه أي تدخل من هذه الجماعات وأتباعها، في شؤون مجتمعاتنا، باسم الدين الذي هو ليس وقفا عليهم، ولا هم بتعاليمه مهتدون.

إن ما حدث ويحدث في أقطارنا العربية، منذ ثلاث سنوات، كشف حقائق رفضها الكثيرون منا في ما سبق، ثقة منهم بحكم إيمانهم وإسلامهم، في تعاليم دينهم ومبادئه السامية. لكنهم اليوم، رأوا ولمسوا، بعد هؤلاء المدّعين العمل باسم الدين، من أجل الدين، عما في الدين مما ينفع الناس. رأوا ولمسوا سفاهة المبشّرين، وعجز المسيّرين، وتبعية أكثرية المنتسبين، وخضوعهم لغير المخلصين، الذين يعلم الله لمن ينتسبون.

لهذا أخذ الناس ينفضون من حول المنادين، معتبرين بما رأوا ولاحظوا في تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، من تفكك المجتمع، واختلال الأمن، وتدهور الاقتصاد، وتضخم انتشار البطالة، ومن ثمَّة ازدياد الفقر والحاجة.

إن سيّئ الظن قد يذهب به ظنه، إلى أن هذا التدهور في كل قطاعات وشرايين الحياة، وانعدام الأمن وسلامة الأرواح والأعراض، وإطلاق الصعاليك يعيثون فسادا باسم الحرية، لا يأتي عفوا، بل هو مخطط مسطر، يمكّن الماسك بزمام السلطة، أي المبشرون، أو المفسدون، أو المدّعون العمل باسم الدين، يمكّنهم من التحكم في الرقاب التي أذلّها الخوف، أو حط من كرامتها الجوع والفاقة، أو أحنى رأسها الطّمع، فتسهل قيادتها وإخضاعها.

هل يريدون منّا إبدال ظلم بجور، وتغيير ظالم بقاهر؟ كلا والله. فالأرواح الأبية التي أزهقت أثناء “الربيع العربي”، والسواعد الفتيّة التي أسقطت الأصنام الطاغية المستبدّة، غير مستعدّة، ولا هي قابلة بغير الحرية والديمقراطية بديلا، وهي التي ستسهر وترعى وتتابع، حتى يُرفع صرح الدولة العصرية عاليا سليما، والله يبارك من عمل عملا فأتقنه.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8