إخوان الأردن يعيدون إنتاج أنفسهم لضمان البقاء

الأربعاء 2017/10/04
رجل المرحلة

عمان - تشهد أروقة جماعة الإخوان المسلمين في الأردن هذه الأيام، نقاشات مستفيضة وعملية تقييم شاملة لمسارها خلال العقود الماضية، كانت لوقت قريب ترفضها.

ويعزى هذا التحول في الموقف الإخواني والانفتاح على الطرح القائل بضرورة تقييم طريقة تعاطيها مع شأنها الداخلي والأردني وتحقيق مراجعات حقيقية لها ولذراعها السياسية حزب جبهة العمل الإسلامي إلى إدراك قياداتها بأن المتغيرات تفرض عليها ترك “المكابرة” والسير في هذا التمشي.

وذكر قيادي بارز في الجماعة، التي تعتبرها الجهات الرسمية غير مرخصة، أنهم بدأوا بالخوض في ما يسميه “مراجعة حقيقية” للبحث عن البقاء على الساحة السياسية، ولإيجاد “صيغ مناسبة مع الجهات الرسمية لجهة ترخيص الجماعة من جهة، وللموافقة على تعديلات النظام الأساسي للحزب (حزب جبهة العمل الإسلامي التابع لها) التي أصبحت في ذمة وزارة الشؤون السياسية”.

وكانت السلطة الأردنية قد أعلنت العام الماضي عدم اعترافها بالجماعة بسبب رفض الأخيرة تصويب وضعها القانوني، لتمنح جمعية الإخوان بقيادة عبدالمجيد ذنيبات ترخيصا قانونيا يجعل الجمعية الممثل الرسمي بالنسبة للدولة عن الإخوان.

ولئن استمرت الجماعة غير المرخصة في عملها، حتى أنها شاركت في الانتخابات النيابية والبلدية بعد مقاطعتها لسنوات هذين الاستحقاقين، إلا أنها لا تزال ترى أنه لا مناص من تصحيح وضعها مع الدولة، وعدم ترك مصيرها مرهونا بمزاج السلطة وعلاقتها معها.

زيد النوايسة: المتغيرات فرضت على الإخوان المسلمين عقلنة خطابهم السياسي

وكانت السلطات الأردنية قد أقدمت قبل أيام على تسليم مقر جبهة العمل الإسلامي في إربد بالقوة إلى جمعية الإخوان، الأمر الذي أثار مخاوف الحزب والجماعة الأم، من أن يكون هذا الأمر مقدمة لخطوات مماثلة.

وأكد القيادي في الجماعة والحزب زكي بني ارشيد لصحيفة “الغد” الأردنية أن المراجعة الداخلية “تتركز على العديد من المحاور، أبرزها الفصل بين الدعوي والسياسي، والمواطنة وإعادة إنتاج الجماعة وترخيصها”.

وأضاف بني ارشيد أن الجماعة “تبحث عن صيغ مناسبة مع الجهات الرسمية، لإعادة إنتاج نفسها، بما يضمن بقاءها من جديد”، وأكد أنه “لا غنى عن إدارة حوار وطني جاد يشارك فيه المجموع الوطني، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد، ويُمكّن الشعب من الشراكة السياسية والتداول السلمي للسلطة”.

ويقول مراقبون إن جماعة الإخوان في الأردن تتخذ من حركة حماس الفلسطينية وعملية المراجعة التي أقدمت عليها الأخيرة قبل اشهر وانفتاحها على المصالحة بقيادة جديدة مع حركة فتح، نموذجا للسير فيه، في ظل متغيرات إقليمية ودولية ترفض قبول الجماعة بشكلها وفكرها الحالي. كما ترى الجماعة في حركة النهضة في تونس نموذجا يمكن أيضا السير في ركابه، فالبراغماتية التي تطبع الأخيرة وادعاء تقمصها ثوب الحداثة، جعلها موجودة اليوم في الحكم لا بل طرفا رئيسيا فيه.

ويعتقد أن الوصول إلى توافق داخلي حول الخطوط العريضة التي تدشن لعهد جديد للإخوان في الأردن سيقتضي بالضرورة قيادة جديدة من المرجح أن تكون تحت زعامة زكي بني ارشيد (ينظر إليه اليوم على أنه المرشد المقبل للجماعة) تنفذ هذا المسار “التصحيحي” إن صح التعبير.

ويقول المحلل السياسي الأردني زيد النوايسة لـ”العرب” إن جماعة الإخوان وحزبها العمل الإسلامي أدركا أن العالم تغير خلال السنوات السبع الماضية أي منذ خروج أول حالة احتجاج في تونس تلك التي أفضت إلى انهيار حكم زين العابدين بن علي وما تلاه من صعود لتيار الإسلام السياسي الذي سرعان ما هوى بسقوط الإخوان في مصر.

وكانت جماعة الأردن في عامي 2011 و2012 مأخوذة بـ”سحر” موجة الربيع العربي حتى أنها كانت تطمح إلى أن تكون أول ممتطيها لتصبح لاعبا رئيسيا في المعادلة الأردنية حتى أنها رفضت المشاركة في حكومة معروف البخيت (2011) بثمانية حقائب وزارية ولاحقا حكومة عون الخصاونة؛ لكن مآلات الربيع العربي لم تجر كما تشتهي سفن الإخوان وازداد طرح سؤال شرعية وجودهم القانوني مع ازدياد حركة الانشقاقات بدءا من حزب الوسط الإسلامي وتيار زمزم ولاحقا جمعية الإخوان بقيادة المرشد الثاني عبدالمجيد الذنيبات الذي يعتبر عملياً أبرز وجوه الحمائم بالإضافة إلى كونه رمزاً للشرق الأردني في الحركة الإسلامية.

كل هذه التطورات فرضت على الإخوان المسلمين الفاعلين عقلنة خطابهم السياسي والسعي لتكريس “شرعيتهم” فكانت مشاركتهم في الانتخابات البرلمانية ثم البلدية رغم عدم وجود قانون عصري يضمن التمثيل الأوسع وبما يخدم مشروعهم، وفق قول النوايسة.

ويرى المحلل السياسي الأردني أن الإخوان بخطوة المراجعة يوجهون رسائل للحكومة ولدوائر صنع القرار في عمان بشأن ضرورة تحقيق توافق يؤسس لعلاقة دائمة وتحت سقف الدستور وبما يضمن بقاءهم في المشهد وهم يدركون أن حكومة هاني الملقي التي تعاني من أزمة اقتصادية غير مسبوقة قد تكون بحاجة إلى حضورهم كأداة لها وجودها في أوساط مهمة في الشارع سواء كونهم مرجعية دينية لها مريدوها أو كعنوان سياسي لهوية أخرى لا يمكن القفز على وجودها؛ وتبدو هذه الرسائل جلية في غياب واضح للإخوان عن تصدر مشاهد الاحتجاج على اتفاقية الغاز مع إسرائيل وتجنبهم خلق حالة إرباك تضاف إلى ما تعانيه الحكومة الأردنية حاليا وخاصة في الجانب الاقتصادي.

ويرجح الكثيرون أن تقبل السلطة الأردنية هذه الاستدارة الإخوانية، وإن كانت تدرك أنه لا بد من الحذر خاصة وأنه ثبت بالتجربة أن الجماعة لا يمكن أن يؤتمن جانبها، وهي قادرة على القفز على أي توافقات متى رأت أن الرياح تسير وفق ما تشتهيه سفينتها.

2